وكأنه لم يكفها أن تواجه حرائق شقيقيها جمال وعمر في باريس

جثة بنبركة تلحق رشيدة داتي إلى مراكش والرباط

السبت 27 أكتوبر 2007 - 20:07
رشيدة داتي وعبد الواحد الراضي (كرتوش)

لا أحد كان يعرف ماذا كان يدور في خلد وزيرة العدل الفرنسية، رشيدة داتي، ونظيرها المغربي، عبد الواحد الراضي، وهما يجلسان على طاولة واحدة وجها لوجه، يوم الاثنين المنصرم بمراكش، ليوقعا ثلاث اتفاقيات بين البلدين في المجال القضائي.

الأولى تهم تقديم المساعدة للأشخاص المعتقلين وترحيل المحكوم عليهم، والثانية تتعلق بتقديم المساعدة القضائية على نطاق واسع خلال مختلف مراحل المساطر المتعلقة بالمخالفات، بما فيها الزجرية، وأيضا كلما طلب أحد الأطراف هذه المساعدة، أو تهم اختصاصات السلطات القضائية التي تقدمت بهذا الطلب، على أن يكون رفض أو تأجيل هذه المساعدة القضائية معللا ومبلغا للطرف صاحب الطلب، فيما تهم الاتفاقية الثالثة تسليم المجرمين، يلتزم الطرفان بمقتضاها بأن يسلم كل منهما للآخر كل شخص متابع جنائيا أو مبحوث عنه لقضاء عقوبة سالبة للحرية بسبب ارتكابه مخالفة جنائية.

ولا يجوز متابعة الشخص الذي جرى ترحيله بموجب هذه الاتفاقية ولا محاكمته ولا اعتقاله بتهمة غير تلك التي وقع بموجبها تسلمه من الدولة الأخرى.

الوجه الأول من العملة يتعلق بوزير العدل المغربي، فهو أحد رفاق القيادي الاتحادي المغتال المهدي بنبركة، الذي ما زال مصير جثته مجهولا .

والوجه الثاني يكمن في الاتفاقيات الثلاث المبرمة بين الجانبين، وهي كلها ذات صلة مباشرة بقرار القاضي الفرنسي، باتريك رامييل، الذي وقع على خمس مذكرات اعتقال دولية ضد مسؤولين مغاربة حاليين وسابقين، وهم الجنرال حسني بنسليمان، القائد العام للدرك الملكي، والجنرال عبد القادر القادري، الرئيس السابق للإدارة العامة للدراسات والتوثيق (الاستخبارات العسكرية)، وميلود التونزي، المعروف بالاسم المستعار العربي الشتوكي، وكان عضوا بالوحدة الخاصة بالعمليات المعروفة باسم "الكاب 1"، وبوبكر حسوني، وهو ممرض عامل في جهاز »الكاب 1«، متورط في عمليات تخدير وتعذيب المعارضين، وعبد الحق العشعاشي، وهو بدوره عميل بجهاز "الكاب 1"، ويعتبر العلبة السوداء لأسرار الجنرال أوفقير، وكان عضوا مسؤولا بالمصلحة الإدارية والمالية لجهاز "الكاب 1"، وهو شقيق محمد العشعاشي، المسؤول عن مصلحة محاربة الشغب بالجهاز المذكور، والذي يعتبر أحد المخططين الأساسيين لعمليات الاختطاف والاغتيال، التي شهدتها سنوات الرصاص.

وكأن قدر رشيدة داتي أن توقع على قرارات تكون هي أول من يكاد يحترق بها
وليس هذه القضية أول جمرة حارقة بين يدي رشيدة داتي، إذ أنه سبقتها بأقل من شهرين جمرة أخرى تتعلق بشقيقها الذي كان أول ضحية لقانون هي التي وضعته، يتعلق بتشديد العقوبة في حال العود إلى جرائم ذات صلة بالمخدرات .

وتعود حكاية هذه الجمرة، التي ألقيت بين يدي رشيدة، إلى نهاية غشت المنصرم، عندما أصدرت محكمة الاستئناف بنانسي حكما بسنة نافذة في حق جمال داتي، شقيق وزيرة العدل، لضلوعه في المتاجرة واستهلاك المخدرات.

وكانت محكمة فيردان الجنحية حكمت عليه في شهر فبراير المنصرم بستة أشهر موقوفة التنفيذ، غير أن النيابة العامة قضت باستئناف الحكم، الذي اعتبرته جد متسامح مع شخص له عدة سوابق قضائية.

ومن سوء الصدف أن الجلسة الأولى بتاريخ 17 يوليوز الماضي تزامنت مع مشروع القانون، الذي أعدته شقيقته وزيرة العدل، وصادقت عليه الجمعية الوطنية الفرنسية، ويقضي بفرض عقوبات قاسية على ذوي السوابق القضائية، ليكون جمال داتي بذلك أول من وقع في قبضة القانون الجديد، الذي سنته أخته.

وسبق لجمال داتي (34 سنة)، الذي ترعرع مع أخته، أن حوكم سنة 1995 بغرامة مالية بسبب استهلاك المخدرات، ثم بثلاث سنوات سجنا منها 18 شهرا موقوفة التنفيذ سنة 2001 بتهمة المتاجرة في المخدرات .

والجمرة لا تقف عند جمال، فهناك أيضا عمر (31 سنة)، وهو شقيق آخر لوزيرة العدل، يوجد حاليا تحت المراقبة القضائية بعد أن ألقي عليه القبض في إطار تحقيق حول المتاجرة بالمخدرات بمنطقة شالون الباريسية، التي تنتمي إليها عائلة داتي.

لذلك كان السؤال طبيعيا عما كانت داتي تقوله للراضي وهما يلتقيان معا مرة ثانية في قبة البرلمان، يوم الثلاثاء المنصرم.

ومثلما نأت داتي عن هذا الملف في تصريحاتها للصحافة، كذلك فعل نظيرها عبد الواحد الراضي، على هامش تنصيب القاضي مصطفى فارس، مساء أول أمس الخميس، وكيلا عاما للملك بمحكمة الاستئناف التجارية بالدار البيضاء، إذ قال لـ "المغربية"، إن موقف وزارة العدل من مذكرة القاضي رافييل، في حق 5 مسؤولين مغاربة، هو الموقف ذاته الذي عبر عنه خالد الناصري، وزير الاتصال الناطق الرسمي باسم الحكومة، وأوضح أن وزارة العدل لم تتوصل بأي شيء من نظيرتها الفرنسية، مشيرا إلى أنه من السابق لأوانه الحديث عن الإجراءات التي ستقوم بها الوزارة قبل التوصل بمراسلة أو طلب رسمي في الموضوع، وعلق على الأمر بالقول "حتى يزيد ونسميوه سعيد".

وكان خالد الناصري صرح لـ"المغربية" أن الحكومة لم تتوصل رسميا بأي إخبار مضبوط بخصوص مذكرة الاعتقال الدولية، وأن هناك كلاما في الصحف، أما إبلاغ الحكومة عبر القنوات الدبلوماسية، فلم يحصل.

وأضاف الناصري أنه"في الوقت الذي نشدد فيه على أن سياسة المغرب هي البحث عن الحقيقة، علما أن هذا الموضوع له أبعاد أيضا في فرنسا، نؤكد أن هناك ضوابط تدققها اتفاقية التعاون الثنائي بين الدولتين، ويجب التقيد بها".

وكان المسؤولون المغاربة والفرنسيون اتفقوا على قول الكلام نفسه، إذ ذلك بالضبط ما رددته رشيدة داتي وهي تعود إلى باريس محملة برائحة وطن، لعلها ما زالت تجري في الدماء والعروق.




تابعونا على فيسبوك