قال الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، إن مخطط الحكم الذاتي يمثل بالنسبة لفرنسا "حلا سياسيا، متفاوضا بشأنه ومقبولا من الطرفين تحت رعاية الأمم المتحدة، سيمكن من تسوية هذا النزاع الذي طال أمده".
وأضاف ساركوزي في الخطاب الذي قدمه أمس الثلاثاء أمام أعضاء مجلسي النواب والمستشارين وأعضاء الحكومة والوفد المرافق له أن "مغرب اليوم هو أيضا مقاربة جديدة للصحراء وأنا لأتحمل مسؤولياتي كرئيس للدولة عندما أقول : إن المغرب اقترح مخططا للحكم الذاتي جديا وذا مصداقية كأساس للمفاوضات".
وأعرب عن الأمل في أن يشكل مخطط الحكم الذاتي بالصحراء، الذي اقترحه المغرب"أساسا للمفاوضات لإيجاد تسوية معقولة" لقضية الصحراء، مشيرا إلى أن »مخطط الحكم الذاتي المغربي موجود، وهو على طاولة المفاوضات ويمثل مقترحا جديدا بعد مأزق دام عدة سنوات، وآمل أن يشكل قاعدة للمفاوضات على درب إيجاد تسوية معقولة"لقضية الصحراء.
وقال في هذا الصدد إن "فرنسا ستكون إلى جانبكم".
ونوه ساركوزي بالديمقراطية والتعددية اللتين يشهدهما المغرب تحت قيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس، قائلا "إنني قدمت لزيارة المغرب الحديث، وأنا أعرف أن بلدكم قد تغير، فهذا المغرب الجديد بالذات هو الذي أتيت لرؤيته، هذا المغرب الديمقراطي والتعددي والمتصالح مع ماضيه والواثق من مستقبله".
وأشار الرئيس الفرنسي إلى القيم التي يتقاسمها المغرب وفرنسا والمتمثلة في التعددية والتسامح والتنوع واحترام الآخر والالتزام بالحوار والسلم.
وفي استعراضه للمواقف التي قام بها المغرب من أجل تحرير فرنسا، قال ساركوزي إن لقب "رفيق التحرير" الذي أطلقه الجنرال دوغول على جلالة المغفور له محمد الخامس يحمل أكثر من مغزى ودلالة، مذكرا في هذا الصدد بأنه في تلك الفترات المظلمة من التاريخ حين كانت أوروبا منخورة من الداخل باللاتسامح والكراهية ما كان للقيم المؤسِّسة للحرية واحترام الكرامة الإنسانية أن تجد من ملجأ لها غير شمال إفريقيا.
وقال إن صاحب الجلالة الملك محمد السادس جعل من إرث الحرية والتسامح والالتزام قوة مكنت مغرب اليوم من مواجهة حقيقة عنف الماضي، كما أن جلالته يواصل بعزم وحزم المسيرة التي بدأها جلالة المغفور له الحسن الثاني، مضيفا أن هيئة الإنصاف والمصالحة مكنت من الاعتراف بحقوق ضحايا ذلك الماضي الذين جرى إنصافهم.
وأشاد الرئيس ساركوزي من جهة أخرى بالتعددية والانفتاح، اللذين يشهدهما المغرب اليوم"غداة الانتخابات التشريعية التي جرت في شفافية تامة".
وفي حديثه عن النساء البرلمانيات، أعلن الرئيس الفرنسي "أنه لفخر كبير للمغرب أن عرف كيف يقدر ويشجع كفاءاتهن"، مستشهدا في هذا الصدد بـ "إصلاح مدونة الأسرة التي أعطت للنساء المغربيات إشارة قوية عن الثقة والأمل".
كما أشاد الرئيس الفرنسي بالتنوع الجهوي والثقافي، الذي يتميز به المغرب مذكرا بإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وبوجود وسائل إعلام محلية متعددة اللهجات تساهم اليوم في تعزيز الهوية العربية والأمازيغية والمسلمة بالمملكة.
وفي تطرقه إلى دعم فرنسا للتنمية بالمغرب، قال ساركوزي إن بلاده ستمنح المغرب هبة مالية بقيمة 8 ملايين أورو لفائدة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مؤكدا أن هذه الهبة تنضاف إلى الدعم المالي الذي تقدمه فرنسا للمغرب، والذي يناهز 350 مليون أورو برسم سنة 2007 .
وأبرز أن الدعم المالي الذي خصصته فرنسا للمغرب منذ 1999 وصل إلى 3 ملايير أورو، مؤكدا أن المغرب البلد الوحيد في دول البحر الأبيض المتوسط، الذي استفاد من هذا الحجم من الدعم، وقال إن "نجاحكم هو نجاحنا، وفشلنا هو فشلكم، وأن فرنسا ستكون بجانب المغرب الذي لا يطلب إلا المواكبة في برنامجه التنموي".
وتابع ساركوزي أن فرنسا ستقف إلى جانب المغرب في مجال محاربة الفقر، مذكرا بأن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي أطلقها صاحب الجلالة الملك محمد السادس تتوخى "التصدي بحزم لمسألة الفئات الاجتماعية المعوزة وللمناطق المعزولة" داعيا بذلك إلى إرساء »شراكة حقيقية" بين المغرب وفرنسا .
وقال "جئت لأقترح شراكة حقيقية مع المغرب، لأنه إذا كانت فرنسا قادرة على إعطاء الكثير فإن هناك الكثير مما يمكنها أن تتعلمه« من المغرب، مبرزا أن"الشراكة الجديدة" يجب أن"ترتكز على مشاريع مهيكلة واستراتيجية بالنسبة لمستقبل بلدينا".
وأكد أن انفتاح المغرب على التنافسية العالمية يعد"رهانا شجاعا هو بصدد جني ثماره مادام الاقتصاد المغربي يوجد في أوج توسعه، فالبنيات التحتية ومناخ الأعمال، كل شيء يتطور ويخضع للعصرنة"، موضحا أنها "عملية مربحة للجميع والمقاولات الفرنسية الألف الموجودة بالمغرب أدركت هذا المعطى جيدا".
وبخصوص قضية الهجرة، أكد ساركوزي على الحاجة إلى تحسين التدبير المتشاور بشأنه للتدفق الشرعي للأشخاص بين ضفتي حوض البحر الأبيض المتوسط، مشيرا إلى أن المؤتمر الأورو إفريقي حول الهجرة والتنمية الذي احتضنته الرباط في يوليوز 2006 دشن عهدا جديدا في تاريخ الهجرة من خلال إبراز أنه لا توجد حلول أخرى غير الحوار بين البلدان الأصلية وبلدان الاستقبال.
من جانبه، قال مصطفى المنصوري، رئيس مجلس النواب، إن"زيارة الرئيس الفرنسي تتزامن وإحدى أهم المراحل التي قطعها المغرب في مسيرته المتواصلة لدمقرطة مختلف مؤسساته الدستورية بقيادة صاحب الجلالة الملك محمد السادس".
وقال إن"المغرب عرف أخيرا محطة انتخابية حاسمة، أفرزت مجلسا نيابيا ذا شرعية شعبية«، مشيرا إلى أن جلالة الملك أبى إلا أن يعين وزيرا أول من الحزب الحاصل على أكبر نسبة من المقاعد »واضعا بذلك الأسس لمنهجية ديمقراطية تجلب حكومة سياسية تزخر بالكفاءات والمؤهلات القادرة على مواصلة بناء الأوراش التنموية ببلادنا".
وقال المنصوري إن علاقة المغرب الوطيدة بفرنسا إحدى أعرق الديمقراطيات العالمية ومن أولها دفاعا عن حقوق الإنسان، والمساواة والعدالة الاجتماعية"تجعلنا أكثر تشبثا بهذه المبادئ وأحد أهم الجسور لنشرها في محيط المغرب الإقليمي والقاري عربيا وإفريقيا".
وأضاف أن "اعتراف المغرب وفرنسا الدولتين الصديقتين بهذه المبادئ وحرصنا المتواصل على تطبيقها والالتزام بها يجعل بلدينا يسيران على النهج نفسه في تعاطيهما مع مختلف القضايا والتحديات التي تواجه عالمنا المعاصر من مشاكل سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية وبيئية وتكنولوجية".
وأشاد المنصوري بجهود فرنسا المتواصلة من أجل تعزيز روابط الصداقة والتعاون بين دول الشمال والجنوب وتقليص الهوة بينها، مذكرا بالدور الريادي للمغرب وفرنسا في التأسيس لمنتديات التعاون والحوار الأورو إفريقية والأوروعربية والأورومتوسطية.
وأوضح أن مستوى العلاقات الاقتصادية بين البلدين يمكن اعتباره نموذجا للتعاون شمال-جنوب، وبأن فرنسا تعد أول شريك للمغرب ما مكنها من لعب دور لا يمكن نعته إلا بالمحوري في المنظومة الاقتصادية المغربية، سواء من ناحية المبادلات التجارية أو الاستثمارات في المملكة، مبرزا أن المغرب يتموقع في مركز ريادي كشريك اقتصادي لفرنسا على رأس الدول السائرة في طريق النمو .
وعلى مستوى التنسيق الأمني، أشاد المنصوري بالمستوى العالي الذي يميز العلاقات بين البلدين، مسجلا أنه في عالم أصبح فيه الإرهاب لغة سائدة وفي منطقة أورومتوسطية أضحت هدفا لأعداء التحديث والتقدم لم يكن بوسع البلدين إلا أن يكثفا من جهودهما للوقوف معا في مواجهة هذه المخاطر الغريبة عن المجتمعين المغربي والفرنسي المعروفين بتسامحهما وانفتاحهما على الآخر.
وقال إن ساركوزي كان خير مدافع عن حقوق المغرب المشروعة في الدفاع عن وحدته الترابية، مؤكدا أن موقف الرئيس الفرنسي الأخير من مشروع الحكم الذاتي للأقاليم الجنوبية للمملكة الذي وصفه بالجاد والبناء"يعد تكريسا لهذا النهج".
وأكد المنصوري عزم المغرب مواصلة السير على درب التنمية ومواجهة جميع التحديات، كما تطرق المنصوري إلى أهمية فرنسا في تعزيز العلاقات التي تجمعه بالاتحاد الأوروبي، حيث تعمل باريس في هذا الإطار على ضمان التوازن في علاقات الاتحاد مع جيرانه الجنوبيين وعلى رأسهم المغرب.
وفي كلمة مقتضبة بسبب ظروفه الصحية، أكد مصطفى عكاشة، رئيس مجلس المستشارين، أن التعاون بين المغرب وفرنسا يقوم على احترام القيم المشتركة بين البلدين وضمان مصالحهما.