تثير زيارة الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، إلى المغرب اهتمام وسائل الإعلام الوطنية وكذا الباحثين السياسيين والاقتصاديين المغاربة، خصوصا أنها أول زيارة لساركوزي بصفته رئيس الجمهورية الفرنسية.
وأنها أيضا تتعلق بالشخص الذي خلف أحد أكبر أصدقاء المغرب وهو جاك شيراك.
كما أنها الزيارة التي طلب المغرب تأجيلها في وقت سابق من أجل إعداد الجو المناسب الذي يليق بها.
في هذا السياق قال محمد تاج الدين الحسيني، أستاذ العلاقات الدولية بكلية الحقوق بالرباط إن "الزيارة تأتي في شكل زيارة دولة، وبالتالي فهي تكتسي أهمية خاصة كون ساركوزي يزور المغرب أول مرة بعد انتخابه رئيسا لفرنسا، كما تأتي في مرحلة مهمة للعلاقات المغربية الفرنسية والعلاقات الشمولية، خاصة أنها تصادف تقديم اقتراح جديد من طرف الرئيس الفرنسي بإنشاء اتحاد أورو متوسطي يعوض الفشل الذي منيت به اتفاقية برشلونة".
وأضاف الحسيني في تصريح لـ "المغربية"، أن ساركوزي يعتبر أن ملك المغرب سيكون من الداعمين الرئيسيين لهذه المبادرة، وبالتالي يعتبر أن المغرب سيشكل طرفا مركزيا في الحوار الذي سيدور في منطقة المتوسط سواء على مستوى التعاون الاقتصادي أو على مستوى محاربة ظاهرة الهجرة السرية أو ترسيخ الأمن والتعاون ومحاربة الإرهاب في هذه المنطقة.
وفي ما يخص آثار الاتفاقات المزمع توقيعها وانعكاساتها على القدرة الشرائية للمغاربة في المستقبل، قال الحسيني "بكل تأكيد إن الاتفاقات التي ستوقع خلال زيارة الرئيس الفرنسي وعددها 15 اتفاقية في الميدان الاقتصادي واتفاقيتان قضائيتان، تهدف إلى تشجيع الاستثمار ودعم حضور قوي للشركات الفرنسية في المغرب، ما من شأنه أن يستقطب اليد العاملة المغربية ويرفع من مستوى القدرة الشرائية للمواطنين عبر عملية التشغيل التي تعتبر عاملا أساسيا في الازدهار الاقتصادي".
وأوضح قائلا "نعلم جيدا أن من بين المشاريع الكبرى التي ترتبط بالمستقبل إنشاء معمل لتركيب السيارات في منطقة طنجة القريبة من الميناء المتوسطي ستصل طاقته الاستعابية إلى إنتاج حوالي 400 ألف سيارة في السنة، وهو ما سيوفر فرصة الشغل لآلاف المواطنين المغاربة، كذلك نلاحظ أن فرنسا ستدعم عملية انطلاق الاقتصاد المغربي من خلال توقيع اتفاقيات تهم إنشاء القطار السريع المغربي نمودج »تي جي في" الذي سيمر من طنجة إلى مراكش بتكلفة ستصل إلى ما يناهز 3 ملايير أورو، وسيكون جاهزا في أوائل سنة 2012 - 2015، وهو مشروع مهم من شأنه أن يدعم النمو الاقتصادي في المنطقة.ناهيك عن كون فرنسا هي المرشحة كي تدعم المغرب في المستقبل لبناء مفاعل نووي للأغراض السلمية".
وأكد الحسيني أن المغرب أصبح في حاجة ماسة للحصول على الطاقة بأثمنة تناسب مستوى الدخل المغربي خاصة أن سعر برميل من البترول وصل إلى 90 دولارا، وأن المغرب يعاني من الجفاف والتصحر في الجنوب، وأن مفاعلات نووية للأغراض السلمية قد تشكل آلية ممتازة لتحلية مياه البحر قصد ضمان السقي وتوفير الماء الشروب، وكذلك توفير الطاقة المناسبة للكهرباء للمشاريع الاستثمارية وكذلك للبيوت المغربية.
وزاد الحسيني موضحا، أن المغرب إذا كان يشكل الشريك الأول الاقتصادي في المنطقة لفرنسا، وفرنسا تشكل كذلك الشريك الاقتصادي الأول للمغرب سواء على مستوى الاستثمار أو على مستوى عدد السياح أو على مستوى التبادل التجاري، فإن المغرب يصدر أكثر من 20 في المائة من صادراته نحو فرنسا، وهنا يقول الخبير المغربي"يمكن أن ندرك الأهمية القصوى لهذه الزيارة، خاصة أنها تأتي حتى على المستوى السياسي في إطار تكريس التعاون القائم بين فرنسا والمغرب، خاصة أن ساركوزي صرح بأن موقف فرنسا من قضية الصحراء لم يتغير ولن يتغير، وأن فرنسا ستبقى مستمرة في دعم المبادرة المغربية لإقامة حكم ذاتي في منطقة الصحراء".
في ما يتعلق بالمنافسة الأميركية الفرنسية حول المغرب قال الحسيني »بطبيعة الحال سبق في الماضي أن لاحظنا نوعا من التحفظات أظهرتها بعض الجهات الفرنسية في ما يتعلق بتوقيع اتفاقية التبادل الحر مع الولايات المتحدة الأميركية.
وسبق لوزير التجارة الخارجية الفرنسي أن تحفظ صراحة على تلك الاتفاقية لكن يبدو الآن أن هذه الوضعية متجاوزة.
وعلى العكس إن توقيع اتفاقية التبادل الحر مع أميركا يمكن أن يكون مفيدا بالنسبة للأوروبيين والفرنسيين باعتبار المغرب منطقة أساسية للتصنيع وتصدير المنتوجات المغربية.وفي إطار منطقة التبادل الحر يمكن للأوروبيين أن يستفيدوا من الإعفاءات والامتيازات التي ستوفرها السوق الأميركية".
وبرهن الحسيني على ذلك بالقول، إن أميركا أصبحت الآن تنافس الإنتاج الأوروبي من خلال التخفيض المتوالي لمعدل صرف الدولار.
وفي ما يخص استفادة المغرب من هذه الاتفاقات قال الحسيني إن"المغرب يراهن على هذه الثلاثية القائمة بين كل من الولايات المتحدة وأوروبا ودول الشرق العربي والإسلامي بما فيها تركيا، ليشكل من خلالها محطة أساسية للتبادل التجاري بعد تفعيل مناء طنجة المتوسط الذي سيشكل قطب الرحى لهذه المبادلات التجارية المهمة في المستقبل، خاصة ونحن في ظل العولمة نعيش السوق الموحدة بكل أبعادها".
بخصوص موعد زيارة ساركوزي إلى المغرب قال الخبير الاقتصادي إدريس بنعلي في تصريح مماثل لـ"المغربية" إن "المغرب هو الذي طالب بتأجيل هذه الزيارة، ولا أعتقد أنه سيكون لها انعكاسات على المستوى الإقليمي".
وأضاف أن الجميع يعرف أن فرنسا في الماضي خلال فترة حكم شيراك أدت تماما دور المساند للمغرب، والآن ستلعب دورها كوسيط في الإقليم، فهي تنظر إلى منطقة المغرب العربي باهتمام بسبب ما يشكله من أهمية بالنسبة لمشروعها المتوسطي
وقال بنعلي إن"دورها الإقليمي الآن أصبح متوسطيا ولنقول إنه سيكون دورا متوازنا بين المغرب والجزائر".
وقال أيضا إنه لا يعتقد أن يكون هناك تغيير جذري في سياستها، لأن مصالحها في الجزائر هي المصالح نفسها في المغرب.
وأوضح بنعلي أن الجزائر تتوفر على موارد مهمة تجعل فرنسا تنظر إليها كشريك كبير لا يمكن أن تتجاهله.
وكذلك بالنسبة للمغرب الذي تتوفر فرنسا فيه على مصالح استراتيجية لا يمكن أن تتجاهلها.
وفي ما يتعلق بالأبعاد الاستراتيجية لمشروع ساركوزي في المنطقة المتوسطية، وعلاقة ذلك بالسلام مع إسرائيل، والدور الذي يعول على المغرب أن يقوم به، قال بنعلي"أظن أن المغرب لعب هذا الدور في الماضي في الوقت الذي انطلقت مفاوضات أوسلو بين الفلسطينيين واسرائيل.ونلاحظ اليوم كذلك بعض المبادرات لتشجيع السلام في منطقة الشرق الأوسط لكن هذه المبادرات تتسم الآن بالضعف، فهي ليست مبادرات قوية".
وعلق الباحث المغربي على مبادرة ساركوزي بالقول"إنها تتصل باستراتيجيته في البحر الأبيض المتوسط وإذا كان المشروع المتوسطي الذي يدعو إليه ساركوزي سيساهم في بناء السلام في الشرق الأوسط، فالمغرب طبعا سيساهم فيه بدون تحفظ".
وحدد بنعلي أسباب نجاح الدور المغربي قائلا، إن "المغرب لعب هذا الدور في الماضي لأنه أولا يتوفر على علاقات قوية بالدول العربية وثانيا له علاقات ممتازة مع الدول الغربية، ثم إنه كذلك يتوفر على علاقات مع جالية يهودية مغربية مهمة في إسرائيل ومع شخصيات إسرائيلية كبيرة".
وزاد موضحا أن المشكلة لا تتعلق بتحفظ المغرب حيال مشروع ساركوزي وإنما على المغرب أن يسترجع المبادرة السياسية والديبلوماسية التي كان يتمتع بها في المنطقة.
وقال بنعلي "لكي يسترجع المغرب تلك المكانة لا يجب أن يكون له موقف سلبي، بل يجب أن يتميز موقفه بالمرونة دون أن يتنازل طبعا عن مبادئه".
وبخصوص العلاقات المغربية الفرنسية بعد ذهاب جاك شيراك، استبعد بنعلي أن يكون الفتور أصاب العلاقة بين البلدين، وقال إن "ما حصل هو أن العلاقات أيام جاك شيراك كانت نوعا ما عاطفية، فالرئيس السابق شيراك كان صديقا خاصة للملك الحسن الثاني، وكان يتعامل بنوع من التعاطف، ويمكن القول إنه كان عاطفيا أكثر مما هو استراتيجي".
وأضاف قائلا"لا يجب أن ننسى أن فرنسا لها مصالح والعواطف تمر والمصالح تبقى".
وتعليقا على دور ساركوزي في المستقبل قال بنعلي "طبعا سيكون ساركوزي دينامو للمصلحة الفرنسية في المغرب، وكما ترون أنه جاء إلى المغرب مرفوقا بوفد اقتصادي كبير وفرنسا تشعر بمنافسة إسبانية وأميركية قوية في المنطقة".
وزاد قائلا "نحن نعرف أهمية وأبعاد اتفاق التبادل الحر بين المغرب وأميركا، وكذلك نرى كيف تتقدم إسبانيا في تثبيت مصالحها في المنطقة، وستكون مستقبلا أول مستثمر في المغرب وبذلك فإن فرنسا مضطرة لتقوية علاقاتها مع المغرب".