تضرب جذور العلاقات بين المغرب وفرنسا عميقا في التاريخ المشترك للبلدين، بما جعلهما شريكين متميزين وبلدين صديقين، محكومين بالتعاون رغم بعض العثرات، التي ظلت دائما ظرفية ومرتبطة بسوء الفهم وردود الفعل الانفعالية أكثر من كونها خلافات حقيقية، أو بفعل التشويش ل
وحتى فترة الحماية، التي شكلت حادثا عابرا في تاريخ المغرب، توفرت عوامل حددت المصير المشترك للبلدين على مستوى القيم والمؤسسات السياسية والعلاقات الدولية والانتساب إلى العالم الحر، من مشاركة الجنود المغاربة إلى جانب فرنسا في الحرب العالمية الأولى، ثم في تحريرها من النازية في الحرب العالمية الثانية، وتوجت تلك الروابط باعتراف فرنسا بدور المغرب في المجهود الحربي ضد النازية، كما تجسد في توشيح الجنرال دو غول لجلالة المغفور له محمد الخامس بوسام رفيق التحرير، وفي انتقال سلمي نسبيا من الحماية إلى الاستقلال، في إطار التعاون والاحترام المتبادل، بعيدا عن القطيعة وتصفية الحسابات.
عشية زيارته للمغرب، جدد نيكولا ساركوزي التأكيد على الإطار المتميز للعلاقات المغربية الفرنسية، معتبرا أن"فرنسا والمغرب صديقان أكثر منهما شريكين"، معتبرا أن"العلاقة الفريدة، التي تجمع بيننا ترسخت بالتأكيد عبر تاريخنا المشترك، وتشكل بالتالي أكثر من إرث.إنها حقيقة يجري بناؤها يوميا، كما أن هذه العلاقة واعدة بالنسبة للمستقبل"، مضيفا"سنستمر في توسيع هذه الصداقة باعتبارها فرصة مواتية بالنسبة لبلدينا ولشعبينا".
على هذه الخلفية، تفتح زيارة الدولة للرئيس الفرنسي آفاقا رحبة لتطوير التعاون في مختلف المجالات بفضل التطابق الكبير في وجهات النظر بين القيادة في البلدين، والإرادة المشتركة في الدفع قدما بالعلاقات الثنائية في أبعادها الاقتصادية والسياسية والإنسانية.
إن زيارة الرئيس الفرنسي للمغرب بقدر ما تأتي تعزيزا لمسار طويل من العلاقات الجيدة بين البلدين، تشكل كذلك انطلاقة جديدة لاستثمار الروابط التاريخية والثقافية والوجدانية من أجل تطوير الشراكة الاقتصادية، علما بأن فرنسا هي الشريك الاقتصادي الأول للمغرب على مستوى المبادلات التجارية، ويتوفر رجال الأعمال الفرنسيون على نظرة متكاملة للمشهد الاقتصادي المغربي بحكم الممارسة والخبرة الميدانية، وما يمنحه من فرص العمل مع وجود شروط ملائمة للاستثمار، وفي ظل استقرار سياسي واجتماعي يقل نظيره في الظرفية العالمية الراهنة.
وفضلا عن البعد الثنائي للعلاقات، يتوفر المغرب وفرنسا على قنوات كثيرة لتوسيع فرص التعاون، مثل الفضاء الأرومتوسطي، ومجموعة "خمسة زائد خمسة"، والمجموعة الإفريقية الفرنسية، ومنظمة الفركوفونية، وكذلك عبر المحافل والمؤسسات الدولية الكبرى.
على مستوى العلاقات الدولية، وجد المغرب وفرنسا دائما نفسيهما في الخندق نفسه لجهة نصرة القضايا العادلة وصيانة الأمن والسلام في العالم، مع احترام سيادة الدول والخصوصيات الثقافية والحضارية للشعوب، ومن هذا المنطلق تميز الموقف الفرنسي باحترام الوحدة الترابية للمغرب، ومساندة حقه في استرجاع أقاليمه الجنوبية، ومساندة المقترح المغربي للحكم الذاتي، كإطار لتسوية سياسية.
وتجسد هذا الدعم مرة أخرى من خلال دعوة الرئيس الفرنسي إلى إجراء "حوار حقيقي بالعمق" للتوصل إلى حل للنزاع المفتعل، معربا عن ارتياحه لاستئناف الحوار برعاية الأمم المتحدة في مانهاست بين المغرب وجبهة البوليساريو، على أساس قرار مجلس الأمن الدولي 1754، الذي صدر على أساس المقترح المغربي للحكم الذاتي للصحراء
وقال ساركوزي"يجب الآن إجراء حوار حقيقي في العمق للتوصل الى تسوية سياسية، وهو الحل الوحيد الدائم لهذا النزاع المؤلم المستمر منذ زمن طويل«، مؤكدا أن »موقف فرنسا لم يتغير".
كما تطابقت في الغالب مواقف المغرب وفرنسا بشأن القضايا الدولية والإقليمية، مثل الوقوف إلى جانب الشرعية الدولية في قضية الشرق الأوسط، من زاوية المطالبة بإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية وحق الشعب الفلسطيني في دولته المستقلة، ورفض الإرهاب والتطرف، والحرص على حل النزاعات بالطرق السلمية، والدعوة إلى الحوار، والعمل على سيادة السلام والاحترام المتبادل بين الدول والشعوب عبر العالم.