المغربية تستعيد خيوط اعتداءات 11 مارس وتستحضر أطوار الجلسة الأخيرة من محاكمة المتهمين

مدريد تتهيأ لطي صفحات أكبر هجوم إرهابي أدمى الإسبانيين والمغاربة

السبت 20 أكتوبر 2007 - 09:25

مع انتهاء الجلسة السابعة والخمسين من محاكمة المتهمين في اعتداءات 11 مارس 2004 في مدريد، في الصيف المنصرم، تكون المحكمة الوطنية الإسبانية العليا طوت الفصل ما قبل الأخير من صفحات أكبر هجوم إرهابي شهدته إسبانيا، وتبناه تنظيم القاعدة، وخلف وراءه 191 قتيلا، و1

ويتابع في هذه المحاكمة، التي استغرقت نحو أربعة أشهر، ثمانية وعشرون متهما، ثلاثة عشر منهم مغاربة، تعاقبوا جميعا في الجلسة الأخيرة، التي انعقدت بداية يوليوز المنصرم، على الإدلاء بكلمتهم الأخيرة، قبل أن يقرر رئيس المحكمة، القاضي خافيير غوميث بيرموديث، رفع الجلسة، والإعلان عن الشروع في المداولات بشأن إصدار الحكم، لكن دون تحديد موعد لذلك، فيما قدرت مصادر قضائية أن يكون 20 أكتوبر الجاري، أو 30 منه على أقصى تقدير، تاريخا للطي النهائي لصفحات تفجيرات أدمت الإسبانيين وجيرانهم المغاربة .

وفي حال الإدانة، يواجه المتهمون في الإجمال أحكاما بالسجن تصل إلى 311 ألفا و865 سنة مجمعة، بحسب مطالب النيابة العامة، بيد أن العقوبة تبقى محددة عمليا بالسجن لمدة 40 سنة كحد أقصى لكل واحد منهم.

وكان المدعي العام في المحكمة الوطنية العليا، خافيير زاراغوسا، أعلن في ماي المنصرم، أن"الاعتداء الأسوأ في تاريخ إسبانيا كان من صنع خلية مرتبطة بالسلفية الجهادية وتنظيم القاعدة الإرهابي الذي يختبئ وراء القسم الأكبر من الاعتداءات المرتكبة في العالم".

وإذا كانت المحكمة أخلت سبيل متهم مغربي، في يونيو المنصرم، بسبب غياب أدلة تثبت تورطه، فإن الادعاء العام عدل، في بداية الشهر نفسه، العقوبات المطلوبة بحق المتهمين الثمانية والعشرين، ليرفع مجملها إلى 311 ألفا و865 عاما من السجن، مقابل 270 ألفا و600 في بداية المحاكمة.

غير أن عقوبة جرائم الإرهاب في إسبانيا لا يمكن أن تزيد في التطبيق عن السجن 40 عاما.

وخصصت الجلسة الأخيرة لمرافعات محامي المصري ربيع عثمان سيد أحمد، المعروف باسم »محمد المصري«، أحد ستة »عقول« مفترضة دبرت الاعتداءات، أما الأربعة الآخرون فهم المغربي حسن الحسكي الذي يعتبر زعيم الجماعة الإسلامية المقاتلة في المغرب، ومواطنه يوسف بلحاج الذي يشتبه بأنه"أبو دجانة الأفغاني"، الذي ظهر على شريط فيديو متبنيا الاعتداءات، إلى جانب المغربي جمال زوكام والتونسي سرحان بن عبد المجيد فاخت والسوري باسل غيلون، الذين يعتبرون من واضعي القنابل العشرة في قطارات أطوتشا (قطارات القرب).

وفي بداية مرافعته، قال المحامي أنديكا زولويتا، المدافع عن محمد المصري، وهو أيضا أحد المتهمين السبعة الرئيسيين (راجع الإطار1) في هذه المحاكمة، التي بدأت في 15 فبراير المنصرم »لقد نجحوا في تقديمه كإرهابي".

وهو يواجه لوحده عقوبة السجن لمدة 38 ألفا و952 سنة.

لكن"بصماته لم تظهر في أي مكان" للاعتداءات، أو الإعداد لها، و»خطه لا يظهر في أي وثيقة"، كما أكد المحامي أن كل "المعلومات التي تفيد بأنه ينتمي إلى القاعدة، وبأنه ذهب إلى أفغانستان، خاطئة".

وألقي القبض على محمد المصري بموجب مذكرة اعتقال إسبانية في 7 يونيو 2004 في إيطاليا.

وبحسب قرار الاتهام، كان المصري توجه في أواخر يناير 2004 إلى إسبانيا لتسوية التفاصيل الأخيرة لتنفيذ العملية.

وأكد المصري في المحاكمة أنه تعرف في إسبانيا على بعض منفذي الاعتداءات، لكنه نفى أي علاقة له بهذه الهجمات.

وفي المحاكمة، شكك المترجمون المحلفون جزئيا بترجمات أعدت في إيطاليا للمكالمات التي أجراها المصري مع إسلاميين آخرين، وسجلت من قبل أجهزة الاستخبارات الإيطالية.

وأكدوا أن محمد المصري لم ينطق بعبارة »كل فكرة عملية مدريد كانت فكرتي«، التي ارتكز عليها الاتهام إلى حد كبير.

وذكر مصدر مغربي تابع أطوار هذه الجلسة الأخيرة، التي انعقدت يوم الاثنين ثاني يوليوز المنصرم، أن المتهمين المغاربة تعاقبوا جميعا على الإدلاء بكلمتهم الأخيرة، بعد أن قدم محاموهم دفوعاتهم أمام هيئة المحكمة.

وقال المصدر إن كلماتهم أجمعت على الدفع ببراءتهم من التهم الموجهة إليهم، وإن كانت مضامينها تتفاوت بين التركيز على مناقشة الأدلة، التي اعتمدتها النيابة العامة في إدانتهم، وبين الاستناد على استثارة المشاعر العاطفية، وبين الاكتفاء فقط بالتصريح بالبراءة، فيما حرصت كلمات أغلب المتهمين المغاربة على إدانة الاعتداءات، وتنديدهم بالإرهاب، وإظهار تعاطفهم مع ضحايا التفجيرات، في حين ألقى بعضهم اللائمة على وسائل الإعلام الإسبانية، التي اتهموها بأنها حلت محل القضاء، وأدانتهم قبل إصدار الأحكام .

وأفاد المصدر ذاته أن أطول كلمة هي تلك التي أدلى بها جمال زوكام، المتهم بالتورط المادي في اعتداءات 11مارس، والذي تطالب النيابة العامة بإدانته بأكثر من 38 ألف سنة سجنا.

وتتمثل دلائل الإدانة بالنسبة لجمال زوكام، في شهادة"شاهد محمي" قال إنه شاهد زوكام في قطارات أطوتشا صباح يوم تنفيذ الاعتداءات.

وتمحورت كلمة زوكام حول الرد على هذه الشهادة، والتركيز على إظهار تناقضات الشاهد .

واستهل زوكام كلمته بشكر رئيس الجلسة، الذي قال إنه سمح له بالاطلاع على التقرير القضائي الذي يتضمن التهم الموجهة إليه، كما شكر محاميه الذي وصفه بأنه "وثق بي رغم أنني مسلم وأصلي"، لينتقل إلى تحليل الشهادة، وقال إنه »بسبب هذا الشاهد أنا موجود في السجن منذ ثلاث سنوات ونصف"، وتساءل "كيف لشاهد أن يتعرف علي وهو في القاطرة الخامسة، بينما أنا، حسب زعمه، موجود في القاطرة الثانية"، ليخلص إلى التأكيد أن »الشاهد سقط في تناقضات عديدة، بالتأكيد لم يكن هو أبدا في ذلك القطار«
وأنهى زوكام كلمته بالإلحاح على براءته، وقال "أؤكد أنني في 10 مارس عدت من الرياضة إلى البيت، ونمت، واستيقظت في العاشرة صباح 11 مارس، واتصلت بأخي لأعرف حالة المرور"، وطالب بالعدالة »ليس انتقاما كما يفهم آخرون، بل العدالة، ولا شيء غير العدالة".

كلمة مطولة ثانية كانت للمتهم المغربي رافع زهير، الذي رفعت النيابة العامة، في يونيو المنصرم، سقف العقوبة، التي تطالب بها ضده، إلى أكثر من 39 ألف سنة، بعدما كانت تطالب في البداية فقط بعشرين سنة سجنا في حقه.

ويتهم رافع زهير، وهو عميل سابق للحرس المدني (شرطة قضائية) الإسباني، بأنه كان على اطلاع على نوايا استعمال المتفجرات لتنفيذ اعتداءات مدريد، وبالتوسط في بيع المتفجرات بين مجموعة الإسباني أستورياس، وجمال احميدان، الملق باسم "التشينو"، وهو أحد المغاربة السبعة المتهمين بالاعتداءات، الذين فجروا أنفسهم في مبنى ليغانيس في الثالث من أبريل 2004، عندما حاصرتهم الشرطة.

وشدد زهير على أنه كان »قدم خدمة لإنقاذ الضحايا"، وأن المشرفين الأمنيين عليه هم الذين لم يتحركوا لإيقاف "التشينو وتراسوارس"، المتهمين بتبادل المتفجرات.

وأشار إلى أن أحد عناصر"أوكو"، وهي الوحدة العملية المركزية للحرس المدني، التي كان زهير يعمل لصالحها"زاره في السجن، وهدده إذا ما قام بالإشارة إلى أنهم كانوا يعرفون بشكل مسبق معلومة بيع المتفجرات"، وقال زهير إن ذلك العنصر هدده بالحرف "لا تقل شيئا عن المتفجرات، وإلا سوف تبتلع أنت القتلى المائتين" .

وكان رافع زهير يوجه، بين الحين والآخر، كلاما حادا للنيابة العامة، ما اضطر القاضي إلى تنبيهه مرات متكررة.

وبخصوص المتهمين المغاربة الآخرين، كان دفاعهم أكثر اقتضابا، وكان فؤاد مرابط أمغار، المتهم بالتعاون مع منفذي الاعتداءات، تحدث بخطاب منظم، مجتهدا في إبطال التهم الموجهة إليه، واستهل كلمته بإدانة الاعتداءات ونبذ العنف، ليقول إن "تربيتي لا تسمح لي، تحت أي ظرف، بتبرير العنف، إنني مستاء من كوني متهما بالإرهاب، ومن كوني سجنت ثلاث سنوات"، ثم تابع "لقد تصرفت دائما كشخص بعيد عن أي فعل أو إيديولوجية إرهابية«، ليخلص إلى القول إنه "لا يوجد لي أي تعاون سلبي أو إيجابي مع الاعتداءات، وأطالب بإطلاق سراحي".

وبينما اكتفى يوسف بلحاج، وهو أحد المتهمين بالإشراف الإيديولوجي على الاعتداءات، بما قاله محاميه، توجه حسن الحسكي، الذي تطالب النيابة العامة، في حقه كما في حق يوسف بلحاج، بالسجن 38 ألف سنة، إلى القاضي ليطالبه "بالتصديق على براءته"، موضحا أنه "لا يعرف لحد الساعة ما هي التهم الموجهة إليه، وأن لا أحد من المتهمين يعرف من هو حسن الحسكي".

ودفع المتهمون المغاربة الآخرون عن براءتهم، واعتبر رشيد أغليف أن الفعل الوحيد الذي ارتكبه هو "أني أتيت برافع زهير إلى اجتماع ماكدونالد«، وأضاف مؤكدا "أنا لست إرهابيا"، ثم عمد إلى كيل التهم إلى مواطنه رافع زهير، بالافتراء عليه، وبأن »النيابة العامة استغلت ذلك لتوجيه التهم إليه".

أما عبد المجيد بوشعر، وهو أحد المتهمين بالتورط المادي في الاعتداءات، فشكك في التهم الموجهة إليه، وتساءل مستنكرا "على أي أساس تقوم تلك التهم"، ثم أضاف"إنه ظلم«، ليطالب المحكمة بإطلاق سراحه، مؤكدا أنه »لا صلة لي باعتداءات مدريد أو بأي اعتداءات أخرى".

واكتفى حميد احميدان بما قاله محاميه، كما فعل محمد موساتن، الذي برأت المحكمة شقيقه شهر يونيو المنصرم.

فيما سعى عثمان الغناوي إلى نفي صلته بمنفذي الاعتداءات، وقال"قبل العمل في شينشون (وهو بيت في مزرعة بضواحي مدريد يشتبه في أنه جرى فيه إعداد المتفجرات وإخفاؤها)، لم أكن أعرف أحدا ممن كانوا يعملون هناك"، ثم أضاف"لقد قدمت نفسي طواعية للشرطة«، موضحا أنه »ضحية، وأطالب بالعدل، وأدين الاعتداءات".

وتدخل العاقل فضوال مؤكدا أنه "بريء وليس إرهابيا أو مجرما"، ثم أضاف"أستيقظ كل صباح، وأخاطب المرآة : لماذا أنا موجود هنا في السجن".

أما محمد العربي بن سلام، فشدد أولا على إدانة الاعتداءات، واشتكى من التعذيب، وقال "لقد عذبت في ديني"، وقال"إنهم كانوا يضعون لحم الخنزير في فمي".

وكانت عشر قنابل انفجرت في أربعة قطارات ضواحي مدريد في 11 مارس 2004 في أوج حركة العمال والموظفين والطلاب والتلاميذ القاصدين مدارسهم ومقار عملهم.

ولم تغير أربعة أشهر ونصف شهر من المداولات في المحكمة كثيرا من أساس الاتهام، الذي يشير إلى أن منفذي الاعتداءات أرادوا معاقبة إسبانيا على تدخلها العسكري في العراق، الذي كانت قررته الحكومة السابقة، التي كان يقودها الحزب الشعبي اليميني، برئاسة خوسيه ماريا أثنار.

مأساة مهاجرة مغربية ضيعتها اعتداءات 11 مارس الإسبانية

شهد الأسبوع الأول من شهر يونيو المنصرم تحولا مهما في محاكمة المتهمين بالتورط في تفجير قطارات أطوتشا بمدريد يوم 11 مارس 2004، أعاد الأمل إلى المهاجرة المغربية، جميلة بنصلاح، الحاملة للجنسية الإسبانية، في براءة زوجها، عبد النور الصبار، المعتقل على ذمة الاعتداءات المذكورة، التي أدت إلى مقتل 191 شخصا، ضمنهم طفلة صغيرة، اسمها سناء، ابنة جميلة بنصلاح.

ففي سادس يونيو المنصرم، أعلنت المحكمة الوطنية الإسبانية، التي تحاكم المتهمين التسعة والعشرين للاشتباه في صلتهم بالاعتداءات، عن سحب التهم الموجهة إلى المغربي إبراهيم موساتن، بإجماع هيئة الحكم، والنيابة العامة.

وكان إبراهيم، إلى جانب أخيه محمد موساتن، اتهما بالتعاون مع تنظيم إرهابي، ومساعدة خالهما يوسف بلحاج، المتهم بالإشراف الإديولوجي على الاعتداءات، وهو الأمر الذي لم تتوافر له الأدلة لإثباته بالنسبة إلى إبراهيم موساتن.

ومع النطق بالحكم، لم تصدق جميلة بنصلاح ما التقطته أذناها في البداية، فأصاخت السمع جيدا، وتتبعت رئيس المحكمة، خافير غوميث بيرموديث، وهو يقول، في الجلسة الخامسة والأربعين من جلسات المحاكمة، إن "إبراهيم في حل من التهم الموجهة إليه«، مؤكدا أنه "سيضمن قرار الحكم براءة إبراهيم موساتن".

لم تستطع جميلة أن تحبس ابتسامتها، أو أن تخفي انشراحها، إذ قرأت في الحكم إشارة إلى قرب نهاية مأساتها، متمنية أن يأتي الدور على زوجها، عبد النور الصبار، وقالت لجارتها الجالسة قربها في المحكمة بلهجة مغربية دارجة "عقبال عبد النور".

لكنها سرعان ما عادت إلى وجومها، وعاد الحزن ليخيم على ملامح وجهها، إذ أن كل أسباب فرح الدنيا لن تنسيها فجيعة فقدان ابنتها سناء، التي قتلت في تفجير القطار، الذي كان يقلها إلى مدرستها، في ذلك اليوم، الذي قلب حياة جميلة رأسا على عقب
هاجرت جميلة بنصلاح إلى إسبانيا في بداية تسعينيات القرن الماضي، وتوجت إقامتها بشبه الجزيرة الإيبيرية مدة 15 سنة بتسوية وضعيتها القانونية وحصولها على أوراق الإقامة، قبل أن تتمكن من الحصول على الجنسية الإسبانية.

شكل ذلك فرحة كبرى لم تضاهها إلا فرحة ميلاد ابنتها سناء، التي رأت فيها نورا وحيدا وسط ظلام حياتها الزوجية السابقة.

ولذلك كرست جميلة حياتها وجهدها لرعاية ابنتها، ولتوفير أحسن تربية لها.

ويشهد الجيران ورفاق الدراسة أن سناء بنصلاح (13 سنة) كانت تلميذة مجدة في القسم، وطفلة لطيفة ونشيطة في الشارع والبيت، استطاعت أن تجمع حولها ثلة من صديقاتها وأصدقائها في المدرسة، الذين كانوا على ارتباط قوي بها، بالقدر نفسه الذي استقطبت فيه حب جيرانها لها، لدماثة خلقها .

في ذلك اليوم المأساوي، 11 مارس 2004، ركبت سناء، كعادتها، قطار "ألكالا دي هيناريس"، وهو واحد من »قطارات أطوتشا« الأربعة، التي استهدفتها عمليات التفجير الإرهابي.

لم تكن سناء تظن، مثلما هو حال باقي الركاب في ذلك اليوم، أن قطارها لن ينقلها إلى مدرستها، وإنما سيذهب بها في رحلة أخيرة إلى الموت قتلا تحت أنقاض التفجيرات، أو حرقا بألسنة النيران التي اشتعلت في كل شيء.

لا تستطيع جميلة أن تنسى كيف وقف زوجها عبد النور بجانبها، وكيف كان يتحرك ويبذل جهودا مضنية للتخفيف عنها، مما جعلها لا تصدق أن عبد النور ضالع في التفجيرات، التي أودت بحياة ابنتها، وعندما طرقت عليها الشرطة الإسبانية باب بيتها، بعد سنة من الاعتداءات، لتعتقل زوجها، كادت تفقد صوابها من هول الصدمة، بيد أنها ظلت صامدة، لا تتزحزح عن موقفها المتضامن مع زوجها، والدفاع عنه بشتى الوسائل، وتأكيد إيمانها القوي ببراءته.

قصة مأساة جميلة استقطبت إليها مختلف وسائل الإعلام الإسبانية، التي ما زالت تتصل بها، وتأخذ تصريحات منها، وتنبش في كل ذرة من حياتها، وتنقل حكايات متضاربة من جيرانها عن حياتها الزوجية، التي قال بعضهم إنها لم تكن في أحسن حال.

ويذكر آخرون أن جميلة لم تكن تعرف عبد النور جيدا، وأن قرار زواجها به اتخذ بعد يومين فقط من تعرفها عليه، ما جعل بعض معارفها المغاربة يحذرونها من الارتباط به، بداعي أنه زور وثائق طلاقه من زوجته الأولى ليعجل بعقد قرانه عليها، فيما ذهب آخرون أن هدف عبد النور الأساسي من الزواج بجميلة هو الحصول على تسوية إقامته بمدريد، واستدل أحدهم على ذلك، في تصريحات تناقلتها وسائل إعلام إسبانية، بأنه بمجرد زواجه من جميلة، بدأ يسيء معاملتها، بأشكال متنوعة من الإهانات، وصلت أحيانا إلى حدود الاعتداء الجسدي عليها، كما أنه ارتبط بعلاقة غير شرعية مع امرأة أخرى.

كل هذه المعطيات التي كانت تصل إلى جميلة، إما من أفواه الجيران والمعارف، أو مما تروجه وسائل الإعلام، كانت تعتبرها مزاعم، ولا تكف عن تأكيد قناعتها ببراءة زوجها، ولا تتردد في الإدلاء بتصريحات للصحافة تنفي فيها أي علاقة له بتفجيرات مدريد الإرهابية
ومع توالي الأحداث والتطورات وجلسات محاكمة المتهمين، أضحت قصة جميلة بنصلاح تشغل الرأي العام الإسباني، وتوزعت حولها مواقف الإعلاميين والمحللين، بين من يقدر صمودها، وشجاعتها، ونبل موقفها إلى جانب زوجها، وبين من يتهمها بالسذاجة، وأنها ضحية غسل دماغ من قبل زوجها، الذي استطاع أن يحتال عليها، ويوهمها بوجه ليس هو صورته الحقيقية، الضالعة في الإجرام الإرهابي، إذ يؤكد بعض جيران جميلة في أقوالهم، التي تناقلتها وسائل الإعلام الإسبانية، أنهم لم يتصوروا يوما أن يكون لزوج جميلة دخل في نهاية حياة ابنتها، لأنهما تقاسما المنزل ذاته، وكانا يستفيقان كل صباح في الوقت نفسه، وربما كانا يتحدثان في ذلك الصباح عما سيفعلانه في ذلك اليوم الربيعي، 11 مارس، وربما قبل سناء، قبل أن تخرج من البيت، الذي لم تعد إليه إلا وهي في كفن.

وتناقلت قنوات إسبانية قول بعضهم إن ما أثار استغرابهم وغضبهم، أنه قبل إلقاء القبض عليه بسنة، كان عبد النور يخطط مع جماعته الإرهابية لمجازر أخرى داخل إسبانيا، وخارجها في المغرب والعراق، وفي الوقت ذاته، كان يحرص على مرافقة زوجته في اجتماعات ذوي الضحايا، وكان يتظاهر بصورة المتضرر المتألم، ولم يكن أحد يشك في أن له علاقة بالتفجيرات، بل أكثر من ذلك، أنه حضر كل حفلات التكريم، التي أقيمت لسناء في الإعدادية، التي كانت تدرس بها، كما تقدم إلى القاضي خوان دي أولمو، للمطالبة بتعويضات عن مقتل سناء، باعتباره زوج والدتها، لكن القاضي رفض طلبه، معللا موقفه بأن التعويض حق لوالدتها جميلة .

وطيلة فترة اعتقال عبد النور، ظلت جميلة حريصة على زيارته باستمرار، ولا تكف عن تأكيد استعدادها لصرف نصف المبلغ، الذي خصصته لها الدولة الإسبانية في إطار تعويضات ذوي الضحايا، من أجل الحصول على حرية زوجها.

ورغم إيمانها الظاهر، فإن عددا من تصريحاتها تكشف أن الحيرة تستبد بها أحيانا، وقد تتزعزع قناعتها ببراءة زوجها، لكن ما يطمئنها أكثر إحساسها بعدالة المحاكمة، وثقتها في أحكامها، مما يجعل نتيجة المحاكمة تعكس حقيقة الوقائع، إيمانا منها أن نزاهة هيئة الحكم لا يمكن أن تدين زوجها إذا كان بريئا.

وتعود لتقول »أريد أن أعرف من قتل ابنتي، إذا لم أعرف الحقيقة، لن أرتاح في حياتي«
كل جمعة، تذهب جميلة للصلاة في المسجد الكبير بمدريد، وكل جلسة من المحاكمة، تواظب على حضور وقائعها، وتتابع أقوال مختلف الأطراف، من القاضي والنائب العام إلى الشهود.

وتعترف جميلة »لا أنام أحيانا، وأحيانا أخرى تأتيني ابنتي في المنام«، وتقول إن »أحداث 11 مارس غيرت العديد من الأشياء لدى الإسبان، وانعكست علينا نحن المسلمين، إذ جعلت الإسبانيين، بمن فيهم أمهات وآباء وأقارب الضحايا، يحتاطون منا كثيرا، ويوما توجهت إلي إحدى الأمهات بالقول : (أنت أيضا إرهابية)".

لكنها لا تعير أهمية لمثل هذا الكلام، الذي تتفهم أن صاحبته لا تعنيه، وإنما خرج من لوعتها وقلبها المكلوم على ذويها.

في آخر تصريحاتها، أعربت جميلة عن اعتقادها أنه "لا المحكمة، ولا حكمها على الجناة، حتى لو كان مدى الحياة (المؤبد)، سيعيد ما ضاع مني، فقط أتمنى أن تقوم العدالة بواجبها على أحسن ما يرام، حتى تنتهي هذه المحاكمة بشكل جيد".

ثم تضيف "زوجي له علاقة بشخص، ولهذا الشخص علاقة بشخص آخر متهم بالضلوع في الاعتداءات، أنا لا أستطيع تصور أن زوجي له علاقة بالتفجيرات، ولو كان هذا صحيحا، لما ساعدني في البحث عن ابنتي، أو لربما كان افترق معي".

قبل أن تخلص جميلة مؤكدة لوسائل الإعلام الإسبانية »لقد قلت لزوجي، لن أتركك أبدا ترتاح، حتى أعرف الحقيقة، سأذهب إلى المحاكمة كي أعرف حقيقة الأحداث، وأود أيضا أن أعرف من زوجي هل له علاقة بأي شكل من الأشكال مع هذا المحيط (الإرهابي)".

ذاكرة 11 مارس المعمدة بحمام دم

هز مدريد وضواحيها في الساعة السابعة وأربعين دقيقة بالتوقيت المحلي من صباح 11 مارس 2004 انفجار عشر قنابل في أربعة قطارات مكتظة بالعمال والموظفين والطلبة والتلاميذ، أسفرت عن مقتل 191 شخصا وجرح 1824 آخرين من 13 جنسية.

وكانت هذه أكبر مجزرة إرهابية تشهدها إسبانيا، وأعنف اعتداء يضرب أوروبا الغربية، منذ اعتداء لوكربي الذي أوقع 270 قتيلا في 1988 .

وسارعت حكومة خوسيه ماريا أثنار اليمينية، فور وقوع الانفجارات، إلى اتهام منظمة "ايتا" الانفصالية الباسكية، التي نفت أي مسؤولية لها في التفجيرات، قبل أن تتبناها "كتائب أبو حفص المصري"، التابعة لتنظيم القاعدة.

وبعد يومين عثر على شريط فيديو بالعربية، على مقربة من مسجد مدريد، يتبنى الاعتداءات"باسم الناطق العسكري للقاعدة في أوروبا"، وذلك "ردا" على "تعاون" إسبانيا مع الولايات المتحدة في العراق.

وكانت القاعدة هددت إسبانيا في رسالة منسوبة إلى أسامة بن لادن تم بثها في 18 أكتوبر 2003، نظرا لالتزام مدريد إلى جانب واشنطن في العراق.

وكان رئيس الوزراء آنذاك خوسيه ماريا أثنار من أشد مؤيدي التدخل العسكري الأميركي، رغم معارضة غالبية كبرى من الإسبان للحرب على العراق.

ومع أن إسبانيا كانت تواجه منذ نحو أربعين عاما إرهاب الانفصاليين الباسك، بيد أن اعتداءات 11 مارس أثارت رد فعل لا سابق له، إذ كانت أول مرة يضرب الإسلاميون المتطرفون على أرضها، وبأقصى درجات العنف والدموية .

وفي اليوم الموالي، نزل ربع المواطنين الإسبان إلى الشارع، في أضخم تظاهرة في تاريخ البلاد، شارك فيها 11.6 مليون نسمة، تعبيرا عن نبذهم للإرهاب.

وبعد ثلاثة أيام على الاعتداءات، سجلت الانتخابات التشريعية، في 14 مارس 2004، فوز الاشتراكي خوسيه لويس ثاباتيرو، الذي يعارض الحرب على العراق.

وما إن شكل الحكومة الحالية، حتى أصدر ثاباتيرو قراره يوم 18 مارس بانسحاب القوات الإسبانية المنتشرة في العراق، تنفيذا لوعوده الانتخابية.

جميلة وعائلات الضحايا وقضاة وشهود

قبيل افتتاح المحاكمة، صرحت بيلار مانخون، رئيسة أبرز جمعية لضحايا هذه الاعتداءات، لوسائل الإعلام الدولية "سيصعب علي أن أنظر مباشرة إلى أولئك الذين دمروا حياتي، لكنني سأقوم بذلك من أجل ابني".

وقالت هذه الإسبانية، التي فقدت ابنها البالغ من العمر 20 سنة، في أسوأ هجمات إرهابية تضرب إسبانيا »إنني أرتجف وأشعر بالتشنج وبالخوف".

ومن بين العشرات من عائلات الضحايا، التي أتت لحضور الجلسة، قالت المغربية جميلة بنصلاح "أتيت لأنظر إلى وجه قتلة ابنتي وآمل أن تقع إدانتهم".

وعبرت هذه المغربية عن عدم فهمها بأي ذنب ولأي سبب قتلت ابنتها البالغة من العمر 13 سنة على يد تنظيم القاعدة.

وانتشر عدد كبير من أفراد الشرطة، بعضهم بالبنادق أو بكلاب بوليسية مدربة، حول مقر المحكمة الوطنية الإسبانية، حيث جرت المحاكمة، التي اعتبرت أنه لا سابق لها من حيث حجمها ومدتها، وأنها أبرز محاكمة شهدها العالم حتى الآن ضد إرهاب الإسلاميين المتطرفين وتنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن.

وأدار الجلسات رئيس الغرفة الجنائية في المحكمة الوطنية، القاضي خافيير غوميث برموديث، بمساعدة القاضيين ألفونسو غيفارا وفرناندو غارثيا نيكولاس وتمثلت النيابة العامة خصوصا بأولغا شانشيث.

وأدلى 107 خبراء، بينهم 12 خبير متفجرات، و610 شهود، بإفاداتهم خلال جلسات المحاكمة، التي جرت في جناح محصن من المحكمة الوطنية الإسبانية الخاصة بقضايا مكافحة الإرهاب، عند اطراف منتزه (اسا دي كامبو)غرب العاصمة.

وخصص أربعون مقعدا داخل القاعة للضحايا، و29 مقعدا لأقرباء المتهمين.

وشكلت المحاكمة منعطفا في الإجراءات المتبعة عادة، حيث باتت أول"حاكمة رقمية"في إسبانيا، إذ بثت كل المناقشات والمداولات بين المحامين والقضاة أجهزة الكمبيوتر المحمولة الخاصة بهم.

المتهمون السبعة الرئيسيون

ربيع عثمان سيد أحمد الملقب باسم "محمد المصري"، مصري، مولود في 22 يوليوز 1971، اعتقل في الثامن من يونيو 2004 في إيطاليا، حيث حكم عليه بالسجن عشر سنوات في نوفمبر المنصرم بتهمة "المشاركة في عصابة أشرار بهدف تنفيذ أعمال إرهابية دولية".

- يوسف بلحاج، مغربي، مولود في 27 ماي 1976، اعتقل في فاتح فبراير 2005 في بلجيكا، ثم سلم إلى إسبانيا، التي تتهمه بأنه "أبو دجانة" الناطق باسم القاعدة في أوروبا، الذي ظهر على شريط فيديو عثر عليه قرب مسجد مدريد الكبير لتبني الاعتداءات.

- حسن الحسكي، مغربي، مولود في الخامس من غشت 1963 .يعتبر الزعيم السابق في إسبانيا ثم في أوروبا للجماعة الإسلامية المقاتلة في المغرب، وهو متهم أيضا بالتورط في اعتداءات الدارالبيضاء في مايو 2003 (45 قتيلا) وعلى علاقة بالقاعدة .

- جمال زوكام، مغربي ولد في الخامس من أكتوبر 1973، كان في أول مجموعة من المشبوهين الذين أوقفوا في 13 مارس 2004 في مدريد، حيث كان يدير مجموعة صغيرة تعمل في الاتصالات الهاتفية في حي لافابييس الشعبي.

تعرف عليه ركاب القطارات، التي تعرضت للتفجير، ويشتبه بأنه سلم هواتف محمولة ربطت بالقنابل لتوقيتها .

وورد اسم زوكام في تحقيق حول خلية إسبانية للقاعدة، وفي تحقيق فرنسي يحمل اسم"الشبكات الأفغانية".

- عبد المجيد بوشعر، مغربي، ولد في التاسع من يناير 1983، اعتقل في صربيا مونتينيغرو، التي سلمته إلى إسبانيا في شتنبر 2005 .

نجا في اللحظة الأخيرة من شقة في ليغانيس حاصرتها الشرطة في الثالث من أبريل 2004، ما دفع سبعة من منفذي الاعتداءات إلى تفجير أنفسهم فيها.

وعثر على بصماته في منزل قريب من مدريد ركبت فيه القنابل.

- باسل غيلون، سوري، مولود في 25 فبراير 1980 صديق (محمد المصري)، الذي ربط له الاتصال بمتهمين آخرين يرتادون مسجدين في مدريد لتجنيد خلية إرهابية .

أكد راكب أنه شاهده في أحد القطارات.

- خوسيه إيميليو سواريث تراسوارس، إسباني، ولد في 10 دجنبر 1976 وهو عامل سابق في المناجم في منطقة إستورياس (شمال)، ويعاني من اضطرابات نفسية، وهو في الوقت ذاته مخبر لدى الشرطة ومهرب مخدرات، يعتبر المصدر الرئيسي للمتفجرات، التي استخدمت في 11 مارس 2004 .

حكم عليه في 31 يناير المنصرم بالسجن عشر سنوات، إثر إدانته بتهريب المخدرات ومتفجرات عثر عليها في إستورياس في 2001 .

- المتهمون الآخرون الثانويون - ثمانية أشخاص يشتبه في أنهم "أعضاء" في الخلية الإسلامية، وهم سبعة مغاربة، وسوري قد يحكم عليهم بالسجن لمدد تتراوح بين 12 و27 عاما .

- خمسة "متعاونين" مع الخلية الإسلامية، وهم ثلاثة مغاربة، وجزائري، ولبناني، وقد يحكم عليهم بالسجن بين ستة أعوام و23 عاما.

- ثمانية إسبان تواطأوا في تسليم المتفجرات، ويمكن أن يحكم عليهم بالسجن بين ثمانية أعوام و24 سنة.




تابعونا على فيسبوك