ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مصحوبا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، أمس الثلاثاء بجامع القرويين بفاس، درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.
وألقى درس أمس، الأستاذ إبراهيم موسى من علماء جنوب إفريقيا وأستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ديوك بالولايات المتحدة الأميركية، تناول فيه بالدرس والتحليل موضوع "التحديات الأخلاقية في الفكر الإسلامي المعاصر"، انطلاقا من الحديث الشريف الذي رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم "بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء".
وأبرز الأستاذ إبراهيم موسى في بداية الدرس أن المسلمين هم من أكبر الأمم وعيا بأهمية الأخلاق، وأشدهم حساسية إزاء الانحراف عن موروثهم الأخلاقي، غير أن التزامهم بهذه التعاليم تواجهه صعوبات كبرى تتعلق بكيفية معرفة درجة الإمكانات التطبيقية لهذه التعاليم.
وقال المحاضر في هذا الصدد، إن العلماء حاولوا خلال القرنين الأخيرين خلق انسجام وتصالح بين الفكر الديني والتحولات التي شهدها عالمنا نتيجة الثورة التكنولوجية، حيث اقترحوا نوعا من التوافق بين الحداثة والتراث، انطلاقا من أن العقل هو القاسم المشترك بين الحداثة والإسلام.
وبعدما أكد الأستاذ إبراهيم موسى أن الحداثة أثبتت انتصارات وحضورا فعليا في معظم أوجه حياة المسلمين، أعرب عن أسفه لكون أن بعض المفكرين المسلمين لا زالوا يطرحون الإسلام بشكل يجعله مضادا للحداثة، مشددا على ضرورة خلق تفاعل بين الفكر التقليدي والعلوم الحديثة.
ويرى المحاضر أن السبيل الوحيد لتحقيق هذا الهدف هو الإقبال على العلوم العصرية بموقف مستقل ومحايد، لكنه يقدر الإسلام في ضوء هذه العلوم داعيا إلى"إعادة التفكير في القواعد المعرفية التي تتعلق بالتعامل مع الفكر الديني بطريقة تتوافق مع مخيالنا الاجتماعي والمعيشي، وليس مع المخيال الاجتماعي لأناس عاشوا قبلنا بقرون".
وبعدما لاحظ أنه قلما توجد في العالم الإسلامي أماكن تشجع على ربط العلوم الدينية بالعلوم الحديثة، أكد على ضرورة استحضار الواقع المعيش للمسلمين وربطه بالعلوم الدينية لتجنب الوقوع في الانفصام بين الدين والدنيا، والذي يخلق توترا بين المسلمين خاصة الشباب منهم الذين يعيشون صراعا داخليا نابعا من شعورهم أن ما يزاولونه من أعمال في حياتهم اليومية يكتسي طابعا ماديا صرفا ولا يتوافق مع المعايير الدينية.
من جهة أخرى، اعتبر الأستاذ إبراهيم موسى أن الممارسات الدينية، إن هي قصرت عن بناء الأخلاق، فإن ذلك يدل على وجود خلل فادح في التصور والعمل، معتبرا أن أكثر الانتهاكات التي عاناها الإسلام صدرت من قبل المسلمين أنفسهم نتيجة التفكير القاصر لمن ينتصبون ناطقين باسم الدين.
وكنموذج لتلك الانتهاكات، أورد المحاضر مثال التعامل مع قضية المرأة في بعض البلدان الإسلامية، حيث ما زالت تعاني شتى أنواع الحيف، مبرزا في هذا الصدد مدونة الأسرة في المغرب التي تشكل قفزة نوعية ومثالا يحتذى في مجال صيانة كرامة المرأة.
وانتقد الأستاذ موسى من جهة أخرى، تبني بعض المسلمين للعنف كآلية وكمنهج لحل خلافاتهم مع الآخر، معربا عن استغرابه الشديد لوجود بعض من يحاول صياغة تبرير فهمي لمثل هذا العمل المشين، داعيا إلى نبذ العنف لتصفية الخلافات في المجتمعات الإسلامية وإعادة التركيز على قداسة النفس الإنسانية.
وأبرز المحاضر حاجة المسلمين لاستبطان قيم التسامح والتعددية، خاصة في صفوف الطبقات المثقفة، باعتبار أن "الحق واحد لكن تجلياته متعددة غير أن الحق المطلق لا يعلمه إلا الله".
وأضاف أنه باعتماد التعددية ونبذ العنف سيكون بإمكاننا مواجهة مستقبل واعد،"فالأمة التي تحترم التعددية تصبح أمة علم وقدرة على النهضة والدفع الحضاري والمعرفي، مما يؤهلها لتصير معلمة للإنسانية".
ومن جهة أخرى، شدد على ضرورة "إحياء مكانة العقل والخيال في مؤسساتنا التعليمية، بدءا من المراحل الابتدائية إلى مستويات التعليم العالي فالعقل ـ في نظره ـ ضرورة ماسة لأي مشروع إسلامي والفهم والوعي مكونات أساسية للخطاب العقلاني".
وفي ختام هذا الدرس، تقدم للسلام على أمير المؤمنين، الأستاذ إبراهيم موسى، والأستاذ أبو بكر كوليبالي رئيس الهيئة الإسلامية للمرشدين الدينيين من الكوت ديفوار، والأستاذ مصطفى يانتشي بوه نائب رئيس الجمعية الإسلامية ببكين، والأستاذ وين جيان الأمين العام المساعد ومدير مكتب العلاقات الخارجية بالصين، والأستاذ سليمان ليوكاه جي نائب رئيس الجمعية الإسلامية ببكين، والأستاذ الأمير الحاج عبد القادر طاهر أمير داكومبا من غانا، والأستاذ الحاج حسين محمد هارون من علماء غانا، والأستاذ مصطفى إبراهيم سيرتش مفتي البوسنة والهرسك، والشيخ محمد بن ماحي سيسي مدير المعهد الإسلامي الإفريقي الأميركي بالسينغال، والأستاذ مختار غامبو أستاذ بجامعة يال بالولايات المتحدة الأميركية، والأستاذ محمد المختار ولد باه رئيس جامعة شنقيط من موريتانيا، والأستاذ الطاهر التاجكاني رئيس المجلس العلمي بالهيئة التنفيذية لمسلمي بلجيكا، والأستاذ محمد التجكاني رئيس رابطة الأئمة ببروكسيل ببلجيكا، وهو من الجالية المغربية المقيمة بالديار البلجيكية، والأستاذ عبد الله بوريك عضو في جمعيات إسلامية ألمانية وإمام مسجد بألمانيا، والأستاذ الرحموني العلمي من الجالية المغربية بإسبانيا، والأستاذ سعيد باحسين رئيس المجلس الجهوي للديانة الإسلامية بمنطقة باكا بفرنسا، والأستاذ أحمد الشهدي رئيس المجلس الجهوي للديانة الإسلامية بأكيتان بفرنسا، والأستاذ محمد بن حماد الصقلي الذي يهدي لأمير المؤمنين قصيدة تهنئة بمناسبة حلول ليلة القدر المباركة وافتتاح جامع القرويين بعد إصلاحه وترميمه.