زينب العدوي : الاعتداء على المال العام جريمة وحمايته فريضة

أمير المؤمنين يترأس درسا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية

الثلاثاء 09 أكتوبر 2007 - 07:15

ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أمس الاثنين بالقصر الملكي بفاس، درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

وألقت درس أمس، بين يدي أمير المؤمنين، الأستاذة زينب العدوي، رئيسة المجلس الجهوي للحسابات بالرباط، تناولت فيه بالدرس والتحليل موضوع "حماية المال العام في الإسلام"، انطلاقا من قوله تعالى "وما كان لنبي أن يغل، ومن يغلل يات بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون".

وأبرزت الأستاذة العدوي في مستهل هذا الدرس، راهنية الموضوع والأهمية، التي أولاها الإسلام لحماية المال العام، وهو الأمر الذي ما فتئت تؤكده في الوقت الراهن، المؤسسات الدولية المختصة في مراقبة المال العام عبر سن مبادئ للتسيير والتدبير، مؤكدة أن أغلب تلك المبادئ نجدها في ديننا الحنيف.

وأضافت أن ما يؤكد أهمية الموضوع هو ما أصبح يعرفه العالم من سعي نحو تحقيق الغنى السهل المنال، بغض النظر عن طرق تحقيقه، مشيرة إلى أن هناك نقصا في المعرفة بنظم الإسلام في موضوع حماية المال العام.

بعد ذلك تناولت المحاضرة مختلف التفاسير التي أفردت للآية الكريمة منطلق الدرس "وما كان لنبي أن يغل، ومن يغلل يات بما غل يوم القيامة، ثم توفى كل نفس بما كسبت وهم لا يظلمون"، والتي تؤكد أن اختلاس المال العام يعتبر من الغلول، أي أخذ الشيء خفية وخيانة، وهو الأمر الذي حرمه الإسلام وتوعد صاحبه بالعقاب.

وأوضحت بهذا الصدد، أن الإسلام يرى في الاعتداء على المال العام جريمة وحمايته فريضة، مبرزة أن العلماء أجمعوا على أن الغال، أي كل من أخذ المال العام، أن يرد ما غله ويسلمه للإمام أو رئيس الدولة حتى يودعه في بيت المسلمين، وأن على الإمام أن يعاقب كل من يقوم بالاختلاس.

وأشارت إلى أن الشريعة الإسلامية وضعت الأسس العامة والأحكام التي تنظم المعاملات المالية، تاركة للعلماء مسؤولية ملاءمتها وفق التطور الزمني والمكاني ضمن ضوابط معينة، شرعية وتنظيمية وعقدية.

وهكذا، تقوم الضوابط الشرعية ـ تضيف الأستاذة العدوي ـ على الالتزام بالحلال والحرام في صرف المال العام، حتى يكون الإنفاق للصالح العام وفي الأمور المشروعة وللضرورة وبقدرها، وعلى القوام والاعتدال في صرف هذا المال، أي توظيفه وفق الأهداف المخصصة له دون تبذير أو إسراف أو تقتير، مع تحري الفعالية والنجاعة والاقتصاد.

وتضم الضوابط الشرعية أيضا، حسب المحاضرة، الالتزام بالترتيب الشرعي للمصالح العامة، وهي الضروريات، التي لا بد منها لقيام مصالح الدين والدنيا، من قبيل الأمن والصحة والعدالة والتعليم، والحاجيات التي تسعى إلى التوسعة على الناس ورفع الضيق عنهم، كالاقتصاد والخدمات العامة، والتحسينات التي تأخذ مما يليق من محاسن العادات ويرفه عن الإنسان.

وأبرزت العدوي أن هذه الضوابط الشرعية تنص كذلك على مبدأ العدالة، حيث استشهدت في هذا السياق بسيرة عمر بن الخطاب، الخليفة الراشدي، الذي عرف بصرامته وحرصه على حفظ مال المسلمين، مشيرة إلى أن النظام المالي في الإسلام كان يقوم على العدل بين الأقاليم، مما يوافق مفهوم اللامركزية دون أن يخل بمبدأ التضامن.

وبخصوص الضوابط التنظيمية، تطرقت المحاضرة إلى عدد من الآليات التي عرفها التاريخ الإسلامي، انطلاقا من مؤسستي "بيت المال" و"ديوان الأزمة"، لحفظ المال العام عن طريق جملة من الميكانيزمات تشمل على الخصوص، ضبط المصروفات واعتماد نظام الأرشيف المالي، وضبط المخازن ومراقبتها واعتماد سجلات ضبط الكميات الواردة ومراجعة الحسابات ومراقبتها، وهو ما يقابله في القانون المغربي دور المحاكم المالية.

وذكرت الأستاذة العدوي بأن تعيين القائمين على أموال المسلمين كان يخضع لمعايير دقيقة، تشمل القوة والأمانة، أي القدرة الجسدية على تحمل متاعب المسؤولية إلى جانب القدرة العلمية والكفاءة الأخلاقية، مشيرة إلى الحرص على توفير الحقوق المالية للساهرين على المال العام لتحصينهم من الاختلاس، وضمان استقلالهم وحمايتهم من الخيانة، مع مطالبتهم بالتصريح بثرواتهم وإلزامهم بتقديم الحساب بشكل دوري.

وإذا كانت الضوابط التنظيمية تشكل نوعا من المراقبة الخارجية، تضيف المحاضرة، فإن الضوابط العقدية تحيل على المراقبة الذاتية، وتقترن بطلب رضى الله وتنبع من ضمير الإنسان والابتعاد عن كل ما من شأنه أن يعرضه لسخط الله سبحانه وتعالى، "فالقائم على المال العام في الإسلام يعمل في حدود الضوابط الشرعية، وينهج السلوك القويم في صرف المال العام، يدفعه في ذلك رضى الله ورضى ولي الأمر ورضى المسلمين، وهي أسمى أنواع الرقابة في الإسلام".

وخلصت إلى القول إن مبادئ تخليق الحياة العامة والحكامة الجيدة والمساءلة التي يحرص صاحب الجلالة الملك محمد السادس على إرسائها، تعد مرتكزا أساسيا لتحقيق الهدف الأسمى وهو إرساء تنمية شاملة ومواطنة كاملة لكافة المغاربة.

وفي ختام هذا الدرس، تقدمت للسلام على أمير المؤمنين، الأستاذة زينب العدوي، ومحمد يسف الكاتب العام للمجلس العلمي الأعلى الذي قدم بالمناسبة لأمير المؤمنين إصدارات المجلس.

ومما تشتمل عليه هذه الإصدارات جواب المجلس العلمي الأعلى عن استفتاء أمير المؤمنين حول المصلحة المرسلة في علاقتها بقضايا تدبير الشأن العام، وحكم الشرع في دعاوى الإرهاب، وخطب إمارة المؤمنين في الشأن الديني، والنصوص المنظمة للمؤسسة العلمية، كما تشتمل على اليوم الدراسي حول خطبة الجمعة، وحصيلة الدورة العادية الأولى للمجلس.

كما تقدم للسلام على أمير المؤمنين الأستاذ ياسين داتين، أستاذ بجامعة جوهانسبورغ بجنوب بإفريقيا، والأستاذ بشير سيدي إمام المسجد الجامع بمركز غابو الإسلامي، ونائب الرئيس والمستشار العام لجمعية آمبا الكوندا غابو غينيا بيساو من غينيا، والأستاذ إدريس عبد الله ميغا عميد كلية الشريعة الإسلامية بالنيجر، والأستاذ عبد الرحمن ميغا أستاذ بالجامعة نفسها، والأستاذ عبد الله إسحاق محاضر بكلية البنات للدراسات الإسلامية واللغة العربية ورئيس قسمها بالنيجر، والأستاذ عبد الحكيم الأنيس كبير الباحثين في دائرة الشؤون الإسلامية بدبي بدولة الإمارات العربية المتحدة، والأستاذ مالك عبد الرحمن رويز رئيس الجامعة الإسلامية بإسبانيا، والأستاذ عبد الحسيب كاستنيرا مدير المركز الإسلامي بغرناطة بإسبانيا.

وتقدم للسلام على أمير المؤمنين كذلك علماء وباحثون كبار من مختلف أصقاع العالم الإسلامي، وكذا من مختلف أرجاء العالم، يتشرفون بهذه الحضوة ويحضرون ويشاركون في الدروس الحسنية الرمضانية.

وتقدم للسلام على جلالة الملك أيضا الأستاذ أحمد تشيرلو رئيس المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية من غامبيا، والأستاذ عبد الجبار كبرا شيخ الطريقة القادرية بكانو بنجيريا، والأستاذ داوود كازويت المدير التنفيذي للجنة المغربية الأميركية للتبادل التربوي والثقافي الذي قدم لأمير المؤمنين بعض منشورات اللجنة بمناسبة الذكرى الخامسة والعشرين لتأسيسها، والأستاذ محمد بوسكري إمام بسانتيتيان بفرنسا من الجالية المغربية المقيمة بالديار الفرنسية، والأستاذ لحسن ساعو إمام ورئيس بالمجلس الإسلامي بكطالونيا بإسبانيا، والأستاذ نورالدين زياني مندوب المركز الإسلامي بلارونيا بإسبانيا، والأستاذ إدريس حجاج رئيس فرع حركة التواصل بفنلاندا باسكندينافيا، والأستاذ العربي العلمي رئيس فرع حركة التواصل بالنرويج.

وبهذه المناسبة، قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية لأمير المؤمنين كتاب »الإسلام والأصولية وخيانة الموروث الإسلامي"، الذي أشرفت وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية على ترجمة نسخته الأصلية، التي صدرت باللغة الإنجليزية، ونشرت بأميركا سنة 2004 تحت إشراف الأستاذ جوزيف لمبار.




تابعونا على فيسبوك