يحظى شهر رمضان في نفوس أهل الشاوية بمكانة لا يحظى بها سواه من الأشهر، وهم بذلك لا يختلفون في شيء عن غيرهم من سكان معظم مناطق المملكة في كثير من العادات والتقاليد، وإن كانت للمعيش اليومي خصوصيات محدودة.
فمع اقتراب شهر رمضان يستعد بعض أهل الشاوية، إسوة بغيرهم لرمضان، يصومون بعض الأيام خلال شهر شعبان، كما تنشغل النساء باقتناء أو تحضير ما تحتاجه البيوت خلال هذا الشهر الفضيل من تمور ومستلزمات تحضير الحساء(الحريرة)، ومتطلبات إعداد بعض الحلويات التي تستهلك بكثرة في موائد الإفطار.
وبإطلالة "سيدنا رمضان" يتبادل الشاويون التهانئ والتبريكات، ويدعون الله بأن يجعله شهرا كريما لهم ولغيرهم.
تطورت الوسائل المستعملة في ذلك، إذ أضحت الهواتف النقالة أو الرسائل الإلكترونية أكثر استعمالا لإبلاغ التهنئة، غير أن هذه الوسائل الحديثة لا تقضي بالمرة على فضيلة صلة الرحم، إذ يتشبث بعض أهل الشاوية بطرق أبواب البيوت وتبادل الزيارات في الأسبوع الأول من رمضان، حاملين لبعضهم البعض أغلى الأماني بمناسبة هذا الشهر الكريم .
وطوال شهر الصيام، تملأ المساجد عن آخرها بالمصلين من كافة الأعمار، وخاصة أثناء صلاة التراويح، بالنظر إلى ما يشكله رمضان من مناسبة دينية مواتية لطلب التوبة والغفران، والتضرع إلى الله بالأدعية والصلوات.
أما ليالي رمضان في الشاوية وخاصة في المدن، فتشهد حركة دؤوبة بعد وقت الإفطار وأداء صلاة التراويح.
وتقام خلال هذه الليالي حفلات وسهرات في بعض المقاهي التي تزدحم بزبناء يرتادونها للعب الورق »الكارطة« أو إثارة مواضيع للمناقشة والسمر.
وفي ما يتعلق بالمائدة خلال شهر رمضان فإن محتواها يختلف، حسب المستوى المادي، من أسرة إلى أخرى، إذ يكتفي البعض بتناول الحساء (الحريرة) مع التمر أو "الحلوى الشباكية" والشاي أو القهوة مع "البطبوط" (أو الركاكي) و"المسمن"، و"الخنفرة"، فيما تزين المائدة لدى البعض الآخر، فضلا عن الحريرة التي تكاد لا تخلو منها مائدة من موائد الإفطار في بيوت الشاوية، بشتى أصناف المأكولات والمرطبات ومشتقات الحليب.
أما السحور شهد تغيرا كبيرا عما كان عليه في الماضي، إذ أضحى عدد كبير من سكان المدن بشكل خاص يستغنون عنه، مكتفين بتناول وجبة عشاء في ساعة متأخرة من المساء، حجتهم في ذلك، الذهاب إلى العمل في الصباح وصعوبة الاستيقاظ للسحور في وقت متأخر من الليل.
وفي المقابل يحرص البعض أشد الحرص على الاستيقاظ وتناول وجبة خفيفة قبل صلاة الفجر في المسجد أو في المنزل.
وتشهد أسواق الشاوية خلال شهر رمضان عرضا لكل ما يشتهيه الصائمون من أكلات وفواكه وحلويات متعددة الأشكال، فتغص الأسواق الشعبية قبل ساعات من وقت آذان المغرب بعارضي السلع من مختلف الأعمار.
تقول (فاطنة ن) بنبرة تختلط فيها الحسرة والارتياح في الآن نفسه، "إن العادات في رمضان تغيرت إلى حد كبير عما كان عليه الحال في الماضي"، لكنها استدركت أن في هذا التغير كثيرا من الإيجابيات، إذ صارت المأكولات على اختلاف أنواعها متوفرة عكس بساطة العيش وقلة ذات اليد وندرة المواد الغذائية في الماضي.
وأضافت "كانت مائدة الإفطار بسيطة للغاية، إذ لم تكن تحتوي سوى على "الركاكي"، أو "البطبوط" والشاي و"الحريرة" أو (الدشيشة)، أما اليوم ولله الحمد فقد صار محتواها متنوعا"، لكنها استدركت بقولها"شريطة توفر الإمكانيات المادية بطبيعة الحال".
حتى"سلو" أو "السفوف" لم يكن ( حسب "فاطنة ن") بمقدور الأسرة البسيطة في بادية الشاوية إعداده لما يتطلبه من مكونات مكلفة و"كان الخبز والشاي كل شيء بالنسبة إلينا في الماضي".
وحسب (فاطنة ن) التي يتجاوزعمرها الثمانين، وتقطن بإحدى البوادي في ضاحية سطات، فإن مائدة السحور لم تكن تختلف في شيء عن مائدة الإفطار باستثناء الحساء.
تحمد العجوز الله على نعمه المتوفرة اليوم، وتأسف في الوقت ذاته عن جو الحميمية الذي كان يطبع ليالي رمضان في السابق حيث تقول "كان الرجال يقيمون أمسيات تعبد
، وكانت النساء يجتمعن مع بعضهن البعض، والعائلات تتبادل الزيارات" وأضافت بشيء من الأسف".أما اليوم فقد شغلت الشاشة الصغيرة الناس عن الزيارات والعبادات".
وقالت والحنين يهزها إلى أيام طفولتها "كنا نحرص على الصوم في سن مبكرة، كما كنا نستيقط لتناول السحور مع عائلتنا رغم الأعمال التي كانت تنتظرنا في اليوم الموالي".
وأشارت إلى أن الظروف تحسنت في الوقت الحالي، إذ لم تكن تجهيزات المطبخ مثل قنينات الغاز متاحة للجميع، وكان يتعين إيقاد النار كلما أرادت النساء إعداد الخبز أو تحضير وجبة معينة، في الحر كما في القر، ولم تكن »الثلاجات« أيضا متوفرة لتخزين وحفظ المأكولات.
ومن بين العادات التي تراجعت إلى حد كبير في الشاوية خلال شهر الصيام عادة "الطبال"، أو"النفار"، لإيقاظ الناس للسحور، ليحل محلها على صعيد المدينة دوي آلة الإنذار.
غير أن الناس لم يعودوا يعتمدون على أي منهما للاستيقاظ بل إن البعض يبدي تذمره من آلة الإنذار التي تصدر صوتا يعتبرونه "مزعجا".
ومع أنه صار يعوض دور "الطبال" بمنبهات الساعات أو الهواتف النقالة، فإن هذه العادة لم تندثر كلية، بل مازال معمولا بها في بعض البوادي وتلقى استحسان الكثيرين ممن يرون فيها جزءا من المكونات التي تضفي على شهر رمضان مسحة خاصة، وتجعله شهرا متميزا ومختلفا عن باقي أشهر السنة.
(و م ع)