الناس تنتظر معالجة الملفات الاجتماعية الحساسة عوض التيه في سراديب الأرقام المالية الجامدة

من أجل مصالحة بين عمل حكومي جديد ومجتمع سئم الوعود

الخميس 04 أكتوبر 2007 - 07:50

لا مجال للتشكيك في العمل السياسي، في حد ذاته، ولا نعتقد أن تتبوأ مؤسسات أخرى اجتماعية ومدنية وحقوقية موقع المنظمات السياسية، بصفتها بديلا عنها أو غير ذلك، فكل مؤسسة لها دور ما داخل المجتمع، ومساوق لباقي الأدوار في مواقع أخرى، لكن هذا لا يمنع من القول إننا

لا نريد أن نبحث في كل الأسباب، ومع ذلك يمكن القول : إن الظروف والشروط لم تكن دائما ملائمة، ومع ذلك فإن »الكلام« والعمل السياسي كانا يكتسبان قيمة أخلاقية واجتماعية ورمزية.

اليوم، نقف أمام العديد من الاستعصاءات أعلنت عنها بوضوح الاستحقاقات الأخيرة، وكانت بمثابة إدانة هادئة لواقع سياسي واقتصادي واجتماعي »غير مرحب« به لدى عموم الناس، وربما حتى من قبل بعض الذين يستفيدون منه، لأنه في ظل هذا الأمر ليس من المستغرب أن تغدو طموحاتهم المشروعة وغير المشروعة لا شواطئ ولا حدود لها.

نشير إلى هذا الأمر خصوصا، بعد تعيين الوزير الأول وفق ما كانت تنادي به الأحزاب، لرفع أي عتب أو لوم حول جدوى العمل السياسي وغير ذلك، لكن الموضوع ليس كل هذا، ولا يمكن اختزاله في نقطة أحادية.

إن تعيين الوزير الأول وفق مقتضيات الدستور، بقدر ما هو مهم حين يأتي انسجاما مع روح الدستور بعيدا عن أحكام »السرية« و»المصادفة« في التعيين، ليبقى الحكم لتشريع نتائج الانتخابات، فإنه يبقى إجراء شكليا في جوهره، إذ من اللازم مراقبة كيف تتصرف هذه الأحزاب سواء المستعدة للمشاركة في الحكومة أو تلك التي تتأهب لخوض غمار المعارضة من جديد، في تدبير الزمن وتدبير العلاقات والتحالفات، والبرامج، والمسؤوليات، بالمقارنة مع ما يجري في كل الديمقراطيات التي تشكل حكومات في الظل، وتطرح أفكارها وتصوراتها ومشاريعها للتداول فيها، ولا يخضع فيها الموضوع لمفاجآت غير منتظرة.

عملية التدبير هذه، في بلدنا، قد تعكس، في الحقيقة، إما طابعا تقليديا في إنجاز وتركيب الوضعية السياسية الحكومية، أو طابعا انتقائيا »توفيقيا« وليس تعاقديا، أو طابعا تحديثيا شفافا واضحا يغلب الكفاءة والفعالية ويكْشط حالات كثيرة من النوازع والحسابات الضيقة، التي غدت تشكل »مجتمعا« خاصا يعتمد على »الخبرة« والاحتراف بالمعنى المبتذل والسيء، في هذا المجال، دون أن تظهر علامات التخلي والتخلص من مثل هذه الشوائب التي أنهكت قوى المشهد السياسي أمام المجتمع المغربي وحوَّلته إلى نوع من الفرجة السياسية المفتوحة، التي لا تجد مستهلكا لهذا المنتوج السياسي أو "متطفلا"شغوفا بمتابعة هذا المشهد.

لا يمكن أن ننسى أو نتناسى نتائج الاستحقاقات الأخيرة، الأمر لا يخص كل حزب على حدة، وإنما يتعلق بوضع عام بكل خصوصياته ومعطياته السياسية والاجتماعية والسوسيولوجية والثقافية والأخلاقية، بمعنى ينبغي التركيز على تفعيل طرائق منهجية لجعل نتائج هذه الاستحقاقات أمامنا وليست وراءنا لاستخلاص الدروس الاستعجالية، وفي الوقت ذاته مجاوزة تلك القراءات لهذه الاستحقاقات، التي هيمنت عليها رؤى ذاتية، بحيث إن كل طرف ينظر إليها وفق تأويلاته الخاصة ومصالحه وحساباته وميولاته الإيديولوجية وقياس مدى الربح والخسارة في ضوء عدد المقاعد.

أو بسبب »نقمة« ما، فإن البعض لا يرى من نتيجة سوى التشفي، ولم تبرز متابعات كثيرة تضع الأشياء والنتائج في سياقها العام، وبدون شك فإن معالجة أي مأزق أو إخفاق يبدأ من القدرة على حل شفرات الإخفاق وليس مظهره أو شكله فقط، وهذا غير موكول لجهة دون أخرى.

إن الكتلة الناخبة التي أدلت بأصواتها كانت محدودة جدا، بالإضافة إلى النسبة العالية للأصوات الملغاة كما هو معروف، ولعل الإدلاء بهذه الأرقام مزية، حتى يكون الكل أمام مسؤولياته، للتخلص من أوهام كثيرة، وعلى رأسها مدى تمثيلية الشعب المغربي وغير ذلك، دون أن ننسى أن هناك اعتبارات عديدة تتحكم في عملية توجه نسبة معينة من المواطنين إلى صندوق الاقتراع، وهي في الغالب ما تكون قبلية، دينية، شخصية، مصلحية، انتقامية، وسياسية بنسبة معينة.

وإذا شئنا استساغة هذا التعبير المجازي، فإننا لا نتردد في القول، إن الأول في لعبة مستواها متضعضع، أقل شأنا أو تهيبا من شخص يحتل الرتبة الأخيرة في لعبة مستواها جيد وقوي.

هذه النظرة"القاسية" لا تقلل من أهمية الفعل السياسي، وإنما الغرض منها التفكير مليا في معطيات الواقع، فلا ينبغي أن يغيب عن ذهن الوزير الأول المعين والحكومة المنتظرة، أن أولى الأولويات للحكومة المقبلة وتركيبتها، العمل على إجراء مصالحة بين العمل الحكومي والمجتمع المغربي الذي سئم كل الوعود، واكتوى بلهيب اختيارات لا شعبية، بإضفاء نوع من المصداقية على الخطاب ومفهوم التعاقد والالتزام، وكذا إعطاء الأسبقية للملفات الاجتماعية الحساسة والشائكة عوض التيه من جديد في سراديب وأنفاق الأرقام المالية غير المتصلة بأوضاع وتطلعات المجتمع .

هذا ما سيعيد الاعتبار للعمل السياسي ويمنحه دلالات تعيده إلى تربة المجتمع ودفقه الفوَّار، بموازاة استعداد الأحزاب لإطلاق ديناميات جديدة وسطها عن طريق التغيير في المسؤوليات والبرامج والأفكار وأساليب العمل، التي باتت عتيقة ولا تتواءم مع متطلبات الواقع وتحولاته وتشكلاته الجديدة.

كل هذا لن يتأتى إلا بخلق قطائع فعلية مع سلوكات وممارسات وتقاليد سلبية ثقيلة أضرَّت بالحياة السياسية والمجتمع على حد سواء.




تابعونا على فيسبوك