"علينا كمسيحيين، ونحن نخاطب المسلمين، أن نفكر أولا في صعوبات الحوار وعوائقه، والتي تتعلق بنا إلى حد كبير، وإلى الظلم الذي أحاط به الغرب ذو التربية المسيحية، المسلمين، واقترف بحقهم ذنوبا وآثاما عديدة".
بهذا النقد الذاتي صدّر الأبوان جوزف كوك ولويس غاردي كتابا أصدراه باسم الفاتيكان بعد المؤتمر الفاتيكاني الثاني عام 1965، ولعل هذا الاعتراف يبقى في كامل راهنيته في ظل المحاولات الساعية، من هنا ومن هناك، إلى التأسيس لحوار الحضارات والثقافات على أسس الاحترام والاعتراف المتبادل خارج كل نزعة للتعالي لدى هذا المعسكر أو ذاك.
فعلى امتداد عدة قرون تحكمت في نظرة أوروبا إلى الإسلام أفكار مسبقة تشكلت على خلفية الصراع والصدام العسكري المباشر بمعارف تقريبية في الغالب ومغلوطة أحيانا، صيغت على يد رجال الكنيسة في سياق الكراهية والجهل وضيق الأفق.
في إضاءات حول نظرة أوروبا إلى الإسلام في القرون الوسطى، التي شكلت جذورا ومنطلقا للعلاقة المتوترة بين الطرفين في القرون اللاحقة، نقدم في حلقات رصدا لبعض التجليات من »صورة الإسلام في أوروبا في القرون الوسطى«، وهو بحث للمستشرق الإنجليزي ريتشارد سوذرن صدر عام 1963، كقراءة موضوعية لجذور دورات التوتر بين عالمين، ثم صدرت ترجمته إلى العربية عام 1984 عن معهد الإنماء العربي، في بيروت
يعالج الكتاب قسما من التصورات التي سادت في أوروبا عن الإسلام من بداية القرن التاسع للميلاد إلى ظهور المذهب البروتستانتي في المسيحية في القرن السادس عشر، حيث تدرج المشهد من صور عن الإسلام مصدرها التعصب، قبل انتعاش المعرفة وقيام حقبة قصيرة من التواصل، ثم حصول انتكاسة في العلاقة أعقبتها مرحلة مصالحة بقوة الواقع.
تواجهنا اليوم (1963) مسألة عملية هي تلك المواجهة الظاهرة بين نظم فكرية وعقائدية وأخلاقية عملاقة ومتناقضة إلى حد ما، تتجسد في قوى سياسية متخاصمة تثير الاهتمام والقلق، إن لم يكن الرعب، ونحن نتحدث عن ذلك أحيانا وكأن المسألة جديدة تماما.
ربما كانت جديدة فعلا بالنسبة لعالمنا المعاصر، فالإحساس الغربي بالتفوق والغلبة في سائر النواحي لم يواجه تحديا حقيقيا في القرون الثلاثة الأخيرة، ولذلك صار ميراثا معتبرا لدى الغرب لا يستطيع أن يتخلى عنه بغير انزعاج وألم.
لكن أوروبا عرفت التجربة الوجودية للخشية والألم منذ ما قبل ألف عام، وظل إحساس الشك والرعب يخترق الوعي الأوروبي طوال العصور الوسطى فيضرب الإحساس بالرضى عن النفس والأمل في المستقبل، وكان ذلك كله تقريبا عبر التهديد المفترض من جانب الإسلام .
لقد كان الإسلام بالنسبة إلى أوروبا الوسيطة أخطر عوامل الإرهاب والإرهاق، وذلك على كل المستويات.
وفي الجوانب العملية كان على أروبا أن تبذل الكثير من الجهد لمواجهة "الخطر"، متأرجحة بين الحملات الصليبية والتبشير والتعايش والتبادل التجاري.
أما الإسلام، بوصفه قضية تيولوجية، كديانة، فقد كان تحديا يتطلب باستمرار إيضاحا لأسرار وجوده، فاي دور في التاريخ أتاحه له القدر؟ وهل هو علامة من علامات الساعة، بالنسبة إلى المسيحيين، أو مرحلة في التطور الطويل لمصائر المسيحية؟ هل هو هرطقة(بدعة) ضمن المسيحية، أو فرقة دينية منشقة، أو دين جديد؟ هل هو بدعة إنسانية أم عمل شيطاني؟ هل الإسلام حملة ساخرة ضد المسيحية أو منظومة فكرية تستحق الاحترام والاهتمام والدخول معها في نقاش؟ كان من الصعب الاختيار بين هذه كل هذه الإمكانيات، لكن قبل أن يصبح الاختيار ممكنا كان ضروريا التعرف على الإسلام بشكل واقعي، ولم يكن ذلك بالأمر السهل، وهكذا نشأت مشكلة تاريخية ما كانت معالجتها ممكنة بغير معرفة لغوية وثقافية واسعة لم تكن متاحة في بادئ الأمر .
رافق ذلك كله إحساس بالخوف وأحكام مسبقة ورغبة قاهرة في الإحجام عن البحث في الإسلام خوفا من العدوى، وكل هذه العوامل زادت المسألة عسرا وغموضا
لقد كان علماء أوروبا العصور الوسطى ورجال الحياة العامة فيها مضطرين لمواجهة كل هذه الموضوعات في سياق غير الذي نعرفه اليوم، رغم أنهم تطارحوا نفس الأسئلة التي يجري تطارحها اليوم، ويمكن الاستفادة من تجربتهم بأخطائها وقصورها، ولا يسوغ انتظار موضوعية أو أكاديمية أو نزعة إنسانية هادئة في مقاربتهم للإسلام آنذاك، لأن كل هذه الأمور عرفها الاستشراق لاحقا، في المائة عام الماضية فقط، سواء من خلال بعض الرحلات المغامرة أو عبر النثر الحماسي لبعض الكتاب الأوروبيين.
إن الروح الموضوعية الإنسانية اللاحقة للعصور الوسطى مردها إلى الثقة بالنفس والإحساس بالتفوق والاقتناع بأنه ليس في الإسلام ما يخيف، ومن هنا يأتي الإعجاب بالإسلام والاحترام الظاهر له.
أما المراقب في أوروبا الوسيطة فقد كان لديه الكثير من الدواعي للتخوف، لدرجة أن ذلك لم يترك لديه مكانا للتأمل الهادئ والتسامح، كان وجود الإسلام قد أثار في العصور الوسطى الأوروبية إحساسات عميقة بالخوف والصدمة وعدم الرضى، ومن الناحية الواقعية أحدث الإسلام موجات غير متناهية من الشعور بعدم الأمان، وتوقع الخطر، ليس لأنه كان خطرا حقيقيا فقط، بل لتشكيله عاملا قويا لايمكن توقع أفعاله ردودها
فالغرب لم يكن يعرف نوايا المسلمين، كما لم يكن بوسعه تحديد أهداف الإسلام الحقيقية.
لم يكن في استطاعة أوروبا الوسيطة أن تستند إلى العصور الكلاسيكية في فهمها للإسلام، كما لم يكن في استطاعتها أن تجد سلوى في حاضرها عنه.
وفي حقبة كتلك التي كانت تمر منها أوروبا يعني فقد السند والأمل الكثير من الخطورة الوجودية.
أما من الناحية الفكرية فإن موقع الإسلام بالنسبة لأوروبا كان يمكن مقارنته بموقع اليهودية منها، فقد كانت هناك قواسم مشتركة عقديا بين الإسلام واليهودية، كما أن الديانتين كانتا تملكان الاعتراضات نفسها تقريبا على المسيحية.
إلا أن المفكرين المسيحيين كانوا يملكون في مواجهة اليهودية كمّا معقدا وبالغ الاتساع من الجدل العقدي، ثم إن تفوقهم على اليهود من الناحية الاقتصادية والاجتماعية كان يدفعهم إلى التعامل مع المسألة اليهودية من موقع إلا آمن والمستخف.
فليس أسهل من نقض ودحض حجج الفئات الاجتماعية الواقعة تحت السيادة، ويمكن تبين ذلك في التاريخ المحزن للجدل اليهودي مع المسيحية في العصور الوسطى، وكذا في تعامل الكنيسة مع الفرق المسيحية التي بدأت تظهر منذ القرن الحادي عشر للميلاد، حيث استندت في نقضها للبدع إلى تفوقها الاجتماعي وتقاليدها العريقة الواثقة من نفسها في مواجهة الهرطقات وأصحابها، وحتى انفصال الكنيسة الشرقية جرى معه التعامل بنفس الأسلوب، حيث اقترن بالتنظير المتقادم المتعالي.
أما الإسلام فلم يكن في موقع ضعف أمام المسيحية مثل اليهودية.
على العكس من اليهودية والفرق المسيحية »المتمردة« التي بدأت تظهر منذ القرن الحادي عشر للميلاد، لم يكن الإسلام في موقع ضعف أمام المسيحية، ولذلك استعصى على المعاملة بنفس طريقة الاستعلاء والتجاهل، حيث حقق نجاحات هائلة في كل المجالات وجاءت بعد حقب من التراجع في تاريخ تجربته حقب من الازدهار الشامخ والنمو المقلق للعالم المسيحي، واستطاع أن يقف في وجه الحملات العسكرية الأوروبية، كما استطاع أن يقاوم ويحتوي موجات التبشير.
ما كان لأروبا إذن بعد قرون من الصراع أن تنال من الإسلام أو تضعفه، ودعم هذه الصورة القوية لانتصاراته الدنيوية الجانب الفكري المتفوق من حضارته، بحيث بدت المسألة لأوروبا المسيحية أكثر تعقيدا، فالإسلام، كالمسيحية، قال بوحدانية الله وقدرته وإبداعه للكون، لكنه خالفها في إنكار التثليث (الأب الابن والروح القدس) وتجسد الإله والطبيعة الإلهية للمسيح.
وهذا موقف فلسفي واضح ومعروف للاهوتيين الأروبيين من خلال مفكرين كبار في العصور القديمة.
كما قال الإسلام بخلود الروح ويوم الحساب الذي يثاب فيه الصالح ويعاقب الطالح، وما يقتضيه ذلك من الفعل الصالح لدخول الجنة.
لكن ماذا يستطيع مسيحي أوروبي أن يقول عن دين ينكر ألوهية المسيح، كما يرفض واقعة صلبه، وفي نفس الوقت يعترف بولادته من عذراء من روح الله، كما يقر بنبوته وأنه مرسل من الله.
لقد اعتبر المسيحي الأوروبي الوسيط أن الإسلام يقول بأن العهدين القديم والجديد موحى بهما من الله، لكنه قال في نفس الوقت إن كلمة الله الأخيرة والباقية هي القرآن الذي جمع ونسخ تعاليم التوراة والإنجيل، ومثل المسيحية قال الإسلام بفكرة الثواب والعقاب، وهي فكرة فلسفية واضحة، لكنه أهان الفلسفة، في تقدير الأوروبي الوسيط، عندما اعتبر اللذات المادية ضمن أسمى خيرات النعيم.
إن عقيدة بدون كنيسة أمر قد يمكن فهمه، لكن هذه الخاصية التي يتميز بها الدين الطبيعي ترتبط بما يناقضها في ذهن الغربي الوسيط عندما يجري ربطها بكتاب مقدس هو القرآن، رآى الأوروبيون أنه يتضمن الكثير مما يناقض صورتهم عن الدين، ثم إن هذا الدين دعا إليه رسول من الله ـ حسب المسلمين ـ اعتاد الأوروبيون منذ بدايات العصور الوسطى النظر إليه بصورة أخرى، كرجل، في نظرهم، عاش في حمأة الدنيا وشهواتها.
21 هذه الصورة عن الإسلام ونبيه لم تنشأ دفعة واحدة وإنما تكونت عبر مراحل تاريخية، كانت كل مرحلة تضيف شيئا إلى الشكل الأولي للصورة، وإذا كانت القلة بين الأروبين التي عرفت الإسلام قد أصابتها الحيرة الشديدة فإن هذا حدث يمكن فهمه، فقد ناقض الإسلام الكثير مما كان معهودا لديهم.
وأتت على العارفين بالإسلام من الأروبيين حقب بدا لهم خلالها أنه يمكن لهم إهماله ودفعه باعتباره نتاجا لوهم شرير.
كان من شأن هذا التصور أن يحظى باستحسان واسع لو أن الإسلام تراجع أو انكمش سياسيا وفكريا، إلا أن هذه الرغبة الدفينة لدى الأروبيين لم تجد صدى في الواقع التاريخي للإسلام آنذاك، ثم إن الأوروبيين عرفوا بين معتنقي الإسلام رجالا تعودوا على تقديرهم، بل بالغ بعضهم في ذلك أحيانا، وكان من جملة هؤلاء علماء وفلاسفة ومفكرون، مثل الفارابي وابن سينا وابن رشد، كما منهم فرسان أبطال، بالمفهوم الأوروبي للفروسية، مثل صلاح الدين الأيوبي.
ما كان سهلا إذن التصديق بأن كل هؤلاء كانوا ضحية أكذوبة وهم شرير هو الإسلام
كل هذه العوامل أثرت في طريقة تلقي الأروبيين للإسلام، كما جعلت ردود أفعالهم تجاهه متسمة بالحيرة والتعقيد.
يضاف لذلك كله أمر زاد القضية عسرا وغموضا وجعل كل تواصل فكري بين الديانتين والحضارتين عملية تكاد تكون مستحيلة، ذلك أن المسيحية والإسلام لم تكونا منظومتين دينيتين متناقضتين فقط، بل تمثلتا وسادتا، فضلا عن ذلك، في محيطين اجتماعيين مختلفين تماما أيضا.
ظل الغرب طيلة العصور الوسطى تقريبا، وعلى امتداد رقعته الجغرافية، بلادا زراعية فيها الفلاحون والإقطاعيون والرهبان والكهنة بالدرجة الأولى، بينما كانت الحضارة الإسلامية تتمركز في مدن الإسلام الكبرى، وبلاطاته الغنية، وطرقه التجارية الممتدة.
كانت مُثُل أوروبا الوسيطة بشكل أساسي هي الرهبنة والكهانة والهرمية الاجتماعية، في الوقت الذي عرف الإسلام الوسيط فئات بشرية مدينية متحررة، مقبلة على العمل والحياة، ومستندة إلى مساواة مبدئية اجتماعيا تتمتع بالنقاش والجدل في كل المسائل، من غير كهان ولا أديرة في البنية الاجتماعية الأساسية.
ما دام هذا الاختلاف في البنية الاجتماعية واضحا كان من الطبيعي أن يختلف التطور الاجتماعي في المنظومتين : جمدت أروبا لحقب طويلة لتنهض في نهاية العصور الوسطى من غفوتها وتستمر في الصعود البطيء دون توقف، بينما نهض الإسلام منذ ظهوره اجتماعيا ليبلغ الذروة في حقبة قصيرة، ثم يبدأ الهبوط البطيء دون بلوغ ذروته المبكرة مرة أخرى.
وفي الوقت الذي كانت حيويته الحضارية تتراجع ظلت قوته ظاهرة في الميدان العسكري فقط، لكن هذه الحيوية الدافقة والقصيرة الأجل لم تعرف مثيلا لها في عالم العصور الوسطى.
خلال قرونه الأربعة الأولى حقق الإسلام تطورا ثقافيا وحضاريا عاليا لم تستطع أروبا المسيحية تحقيقه إلا عبر عصور طويلة من النضج البطيء والمتردد.