فوارق صارخة بين مجالات تتكدس فيها الثروة وأخرى تعيش أقصى حالات العزلة

مجتمع واطئ يختزل المآسي ويحتج على الأسعار ويداري نكبات العيش اليومية

الأربعاء 03 أكتوبر 2007 - 07:33

اندلعت احتجاجات اجتماعية في بعض المدن، لتتطور الأمور إلى وضع مضطرب صاحبته أحداث متوترة، فهل يمكن القول إنها خاتمة سيئة لحكومة راحلة، أم إنها بداية محرجة لحكومة قيد التشكيل، في جميع الأحوال، فإنه لا يمكن اختزال الملف الاجتماعي والأوضاع الاجتماعية والاقتصاد

من المؤكد أن المواطن المغربي تحمل لسنوات قرارات ظالمة ومفصولة عن الواقع، خصوصا الزيادات المتكررة، التي غالبا ما تسند من قبل المسؤولين إلى الإكراهات الخارجية، دون النظر في مدى أهلية السوق المغربية لمسايرة هذا الإيقاع الذي تحكمه عوامل اقتصادية واجتماعية وثقافية وسياسية متعددة ومترابطة، في حين أن المواطن المغربي غالبا ما لا يهمه الكثير من المعطيات والأرقام، التي يتداولها ذوو الاختصاص والخبراء والمسؤولون، من وجهة تقنية صرفة، وإنما ما يهمه ويتطلع إليه هو تحسين الأوضاع بشكل ملموس، وأن يكون السوق في متناول مدخوله، ولا يشكل تحديا حقيقيا له، ولفئات واسعة من المجتمع تعيش التهميش والحرمان وتأثير الرياح الاقتصادية والمالية المدمرة عليه.

وهنا، نود أن نقف عند معطى أساسي، إذ إن كل الاحتجاجات التي جرت أوائل الثمانينيات وأوائل التسعينيات سواء ضد الزيادات التي مست المواد الحيوية، أو لأجل تحقيق مطالب اجتماعية مشروعة، كانت تتصدرها مركزيات نقابية، في ظل أجواء من الاحتقان السياسي، في حين نشاهد في يومنا هذا أن هناك منظمات مدنية وحقوقية معينة أصبحت مختصة في قضايا بعينها مثل المال، الفساد، الرشوة، الزيادة في الأسعار.


وهذا لا يعني أن ظهور تنظيمات جديدة ذات طابع معين يمكن أن تكون بديلة عن المنظمات الاجتماعية والأحزاب السياسية، وإنما نروم إثارة بعض الأسئلة بخصوص ما يمور في المجتمع من تحولات ودلالات اجتماعية وعلائق تخرج عما ألفناه من معادلة تضع الدولة في خندق، والأحزاب والنقابات المعارضة في خندق مواجه، وهي معادلة صعبة.

ورغم كل النتائج والآلام والجراحات، فإنها أتاحت ضخ زاد من الفاعلية وجس نبض ما هو مضمر وظاهر في العلاقات الاجتماعية، في حين ما يقع اليوم يجري في ظل مجتمع سياسي ـ كما يبدو ـ غير مختنق، بالشكل الذي كان، لكن هذا لا يمكن أن يخفي المسكوت عنه من توتر وتشنج اجتماعي، تحركه مختلف »الانقلابات« التي تحدث داخل المجتمع أمام تصاعد كفة المتطلبات والحاجيات ومجالات لا محيد عنها مثل التعليم والشغل والصحة، ومن المؤكد أنه لولا التضامن الأسري والعائلي، الذي ما زال موجودا بمستويات متباينة داخل مجتمعنا، لكنا أمام اختناقات اجتماعية واسعة .

ولذلك لا يمكن لمؤسسة الحكومة أن تتخلى عن وظائفها وأدوارها كاملة بدعوى »قانون السوق« أو غير ذلك، وإلا من هذا المنظور لن تصبح سوى إدارة لتصريف بعض الأمور والأعمال، من منطلق تدبير تقنوي، خاصة أن الدول الأجنبية التي نتحدث عنها لا تعاني أزمات اجتماعية، من فقر وثقل في الأزمات الاجتماعية، وانحسار الشغل، ونكبات يومية في المداخيل بالنسبة إلى أغلب الأسر وهكذا، أي بمعنى آخر فإن الحركية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب لا تسير بإيقاع ثابت ودينامية شاملة تمس كل القطاعات والشرائح، فنحن أمام مفارقات ضخمة بين صورة المؤسسات والمشاريع الكبرى، ومجتمع واطئ يشكل القاعدة العامة، أي يختزل مآسي السكن والعمل والغذاء والالتزامات الصحية والتعليمية وغير ذلك، وفوارق صارخة بين مجالات تتكدس فيها الثروة وشروط استثمار العنصر البشري وباقي الإمكانات، وأخرى وهي الغالبة، تعيش أقصى حالات العزلة والإقصاء، وغير ذلك، من الاختلالات البنيوية التي تتطلب معالجات جديدة استثنائية متوسطة وطويلة الأمد، حتى لا يبقى المغرب أسير كل التقلبات الظرفية، التي لا يمكن أن يتجنبها جسد المجتمع المغربي الهش دون تلقيحه بأسباب المناعة.

ولا نعتقد أننا نبالغ إذا اعتبرنا أن الضجر الاجتماعي( الذي ظهرت بعض صوره في بعض المدن، وحسب ما يمكن أن نستنتج ) غير مقصور على منطقة بعينها، أو فئة معينة، وإنما يمتد إلى مجالات وقطاعات اجتماعية عديدة، بحيث يمكن أن نتحدث عن ضجر معلن وطافح، وضجر صامت، مما يشكل إنذارا بائنا لما يعتمل داخل المجتمع، وبهدوء في أحايين كثيرة، يتطلب معه اتخاذ إجراءات حتى لا يتحول هذا الهدوء إلى صخب لا يمكن الاستهانة بعواقبه في مرحلة شديدة التعقيدات والتحديات الداخلية والدولية.

لقد أدمنت الحكومات المتعاقبة على الإخلاص للتوازنات المالية والماكرو-اقتصادية، وقد حان الوقت لإعطاء الأولوية المطلقة للتوازنات الاجتماعية بين الجهات وطبقات وفئات المجتمع لأنها الضامن الحقيقي للاستقرار والأمن.

إن الجهاد الأكبر بالنسبة إلى المغرب هو أن يتجه بعقلية ومنظور جديدين و"ثوريين" ووسائل مغايرة، إلى التصدي لمشاكله الاجتماعية بحس وطني عال ضمن استراتيجية شاملة.




تابعونا على فيسبوك