جدد محمد بن عيسى وزير الشؤون الخارجية والتعاون، أول أمس الاثنين، أمام الدورة الثانية والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك، تأكيد التزام المملكة المغربية بالمضي قدما في مسلسل المفاوضات بغية الوصول إلى حل نهائي للنزاع حول الصحراء في نطاق السيادة ال
وعلى أساس مبادرة الحكم الذاتي كهدف حتمي لهذا المسلسل التفاوضي، وكعرض منفتح ومرن غير قابل للانتقاء والتجزئة.
وأوضح بن عيسى أن قضية الصحراء المغربية، كأحد النزاعات الإقليمية المزمنة بالقارة الإفريقية، تمر بمنعطف تاريخي مهم في ضوء انطلاق مفاوضات منهاست بين أطراف هذا النزاع، تحت إشراف الأمم المتحدة، وفي ظل الدينامية التي أفرزتها المبادرة المغربية المتعلقة بنظام الحكم الذاتي، والتي فتحت آفاقا واعدة لتجاوز المأزق الذي يواجهه هذا الملف على المستوى الأممي، وطرحت مقومات حل سياسي واقعي ونهائي وقابل للتطبيق لنزاع إقليمي يعيق قيام تجمع مغاربي قوي ومتجانس كشريك متفاعل مع محيطه الجيو- سياسي.
وأبرز أن مجلس الأمن تبنى، في ظل هذه الدينامية الإيجابية، القرار 1754 الذي شكل قطيعة مع المقاربات السابقة والمقترحات المتجاوزة في التعامل مع هذه القضية، إذ دعا المجلس للتفاوض مع الأخذ بعين الاعتبار التطورات الحاصلة على مدار الشهور الأخيرة، وفي صميمها المبادرة المغربية القائمة على جهود وصفها بـ "الجادة وذات المصداقية"
وأشار إلى أن المبادرة المغربية، التي تستجيب لنداءات مجلس الأمن منذ 2004، بشأن ضرورة البحث عن حل سياسي لهذا النزاع، تنسجم مع أحكام الشرعية الدولية، وتعتبر نتاج مشاورات دولية موسعة واستشارات داخلية معمقة، شارك فيها سكان المنطقة من خلال المجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية .
وأبرز بن عيسى أن هذه الدورة الثانية والستين للجمعية العامة تنعقد عشية تخليد الأمم المتحدة للذكرى الستين لحدثين تاريخيين مهمين طبعا أنشطة المنظمة، ورسخا هويتها، وأثبتا قيمتها المضافة وإسهامها الفريد والوجيه في تعزيز التعاون الدولي، وصون الكرامة الإنسانية، وتثبيت السلم والأمن العالميين، وهما إقرار الجمعية العامة سنة 1948 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وإرسال أول بعثة أممية لحفظ السلام في السنة نفسها.
إن أهمية هذين الحدثين ـ يضيف بن عيسى ـ تستدعي القيام بوقفة تأمل بخصوص حصيلة ما تحقق في هذين المجالين الحيويين، ورسم آفاق عمل المنظمة لتطوير وتعظيم المكتسبات المشتركة في ظل مناخ دولي معقد.
وأكد أن المجموعة الدولية مدعوة اليوم من خلال الأمم المتحدة إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لتفعيل مقتضيات هذا الإعلان، وتأكيد قيمته السياسية والقانونية على أرض الواقع، مضيفا أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان أرسى معالم توافق دولي حول القيم الكونية، وأسس لمجهودات دولية لاحقة لتقنين وحماية واحترام الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
وأضاف بن عيسى أن المغرب اقترح، في هذا الإطار في شهر مارس الأخير، على مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة اعتماد إعلان عالمي حول التربية والتكوين في مجال حقوق الإنسان، مشيرا الى أن المغرب يأمل أن يحظى هذا الاقتراح بتأييد كل الدول حتى يشكل مساهمة قيمة لتخليد الذكرى الستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.
وفي معرض حديثه عن دور عمليات السلام كعنصر مهم في نشاطات الأمم المتحدة، أكد بن عيسى أن المملكة المغربية كانت سباقة الى الانخراط في هذا المجهود الأممي، حيث شاركت منذ سنة 1960 بأزيد من 50 ألف شخص في 13 عملية حفظ سلام في أربع قارات.
وقال بن عيسى إن أفراد القوات المسلحة الملكية وغيرهم من القبعات الزرق ساهموا بفضل تضحياتهم ودفاعهم عن قيم المنظمة في الحصول مرتين على جائزة نوبل للسلام
وأشار إلى أنه"انطلاقا من هذه التجربة المتراكمة والخبرة الميدانية، فإن المغرب يعتقد أنه حان الأوان للبحث في سبل توطيد الأساس القانوني لعمليات حفظ السلام وتقوية إطارها التنظيمي ليأخد بعين الاعتبار المتغيرات التي عرفتها هذه الآلية والحاجة إلى تحسين ظروف نشرها وعمل أفرادها".
ولهذه الغاية، يضيف بن عيسى، يقترح المغرب عقد اجتماع رفيع المستوى خلال السنة المقبلة لتناول هذا الموضوع في شتى جوانبه وأبعاده واعتماد توصيات من شأنها وضع قواعد جديدة وآليات عمل متطورة كفيلة بضمان نجاعة عمليات حفظ السلام وتوسيع قاعدة المشاركة فيها وتجاوز وقوع بعض الأحداث المأساوية المتعلقة بحماية المدنيين خلال النزاعات المسلحة أو بعض الممارسات اللاأخلاقية المعزولة.
وأكد في السياق ذاته أن المغرب، وانطلاقا من انتمائه الإفريقي المتجذر والروابط التاريخية والإنسانية والدينية العريقة التي تجمعه مع الدول الإفريقية جعل، بتوجيهات من صاحب الجلالة الملك محمد السادس، من علاقاته مع القارة الإفريقية إحدى أولويات سياسته الخارجية، وذلك وفقا لمبادئ الاحترام المتبادل والتضامن الفاعل والتعاون المثمر والانخراط البناء في المبادرات الإقليمية والاستراتيجيات الدولية الموجهة لفائدة القارة الإفريقية وذكر بن عيسى بانعقاد المؤتمر الإفريقي الأول للتنمية البشرية في أبريل الماضي 2007 بالرباط بتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للتنمية الذي شكل مناسبة لوضع استراتيجية متكاملة تتمحور حول تلبية حاجيات إفريقيا الخاصة، وذلك تنفيذا لأهداف الألفية.
وأكد أن المغرب يتطلع إلى أن يتضمن التقرير، الذي سيقدمه الأمين العام خلال هذه الدورة حول »أسباب النزاعات ودعم الأمن والتنمية المستدامة بإفريقيا«، توصيات عملية ورؤية سياسية واضحة لإرساء دعائم الاستقرار والأمن والسلم بالقارة، وترسيخ الديمقراطية والنهوض بحقوق الإنسان، واحترام سيادة الدول الإفريقية ووحدتها الترابية، وتماسك نسيجها الوطني وتسوية النزاعات بالطرق السلمية القائمة على مراعاة حسن الجوار.
وحول الوضع في الشرق الأوسط، قال بن عيسى، إن الظروف الدقيقة التي تمر بها المنطقة تتطلب من الجميع بذل أقصى الجهود لإنهاء صراع مرير ومؤسف عانت منه شعوب المنطقة طوال أزيد من نصف قرن.
وشدد على أن المملكة المغربية، "التي تتابع عن كثب كل هذه التطورات، تؤكد من جديد على الحاجة الملحة لإحياء عملية السلام في الشرق الأوسط، وفق مقاربة شمولية، على أساس الاتفاقيات المبرمة بين الأطراف بما فيها خارطة الطريق، واعتماد مبادرة السلام العربية كخيار استراتيجي يترجم الرغبة الصادقة للدول العربية في تحقيق سلام دائم وعادل في الشرق الأوسط يضمن الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني بما فيها حقه في إنشاء دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف والانسحاب من الأراضي العربية المحتلة، مما يمكن دول وشعوب المنطقة من العيش في أمن وسلام واستقرار".
وأكد بن عيسى أن المغرب يتطلع بكل تفاؤل إلى الاجتماع الدولي المزمع عقده، حول الشرق الأوسط، قبل نهاية السنة .
وبعد أن ذكر بأن المملكة المغربية، التي تترأس لجنة القدس الشريف في شخص صاحب الجلالة محمد السادس، تشدد مرة أخرى على ضرورة احترام الوضع الخاص لمدينة القدس وهويتها الحضارية والروحية، أكد أن جلالة الملك حرص على إثارة انتباه المنتظم الأممي ومخاطبة القوى الفاعلة لبذل مساعيها الحميدة لوقف الحفريات الباطلة واللامشروعة في محيط المسجد الأقصى المبارك.
من جهة أخرى، أبرز بن عيسى أن المملكة المغربية تتابع بانشغال كبير الظروف العصيبة التي يمر بها العراق الشقيق وتدعو بهذه المناسبة إلى ضرورة التحلي بالحكمة والتبصر والجنوح إلى الحوار الجاد والمصالحة الوطنية بين كل الطوائف والتيارات، وذلك للحفاظ على سيادة العراق ووحدته الترابية، والقضاء على دوامة العنف الذي يهدد استقراره وأمنه.
وأشار إلى أن العالم اليوم يعيش تحولات جد مهمة، ويواجه تحديات ملحة وذات طابع شامل، تفرض وجود مؤسسات متعددة الأطراف لها القدرة على إقامة تعاون متناسق وفعال بين الدول وخلق تآزر وانسجام بين مختلف المبادرات الوطنية والإقليمية، مؤكدا على الأهمية القصوى لوجود منظمة أمم متحدة قوية تحظى بثقة والتزام الدول الأعضاء، مدعمة بانجاح برنامجها الإصلاحي، وأكثر مصداقية بمواءمة أجندتها مع الاستحقاقات الحاسمة ومتطلبات صنع مستقبل أفضل للبشرية في إطار علاقات دولية أكثر توازنا وتضامنا.