الإسلام جنوب الصحراء الكبرى أو الإسلام الأسود، عبارة تُطلق في الدراسات الحديثة، ولا سيما الاستشراقية منها، على الإسلام السائد في المنطقة الممتدة من جنوب الصحراء الكبرى إلى رأس الرجاء الصالح في أقصى القارة الإفريقية.
ونعت الإسلام في تلك المنطقة الشاسعة بـ الأسود، وجعله واحدا ومختلفا عن غيره عند الشعوب الأخرى، فكرة غربية تعتمد العرق أساسا، وتبحث عن الاختلاف وتُرَكِّز عليه لغايات تلاقت مع مآرب الموجة الاستعمارية مستهل القرن الماضي.
(الإسلام الأسود المؤلف : محمد شقرون دار الطليعة دمشق الطبعة الأولى 2007)
وقد شاعت عبارة الإسلام الأسود منذ أن استعملها بول مارتي وس أندريه في أوائل القرن العشرين (1924) ومارسيل كاردير في أواسطه (1949)،وطبيعي أن العبارة في الحاجة إلى تمحيص تؤكد مدى وحدة الإسلام جنوب الصحراء واختلافه عن غيره
يجتهد المؤلف في هذا العمل، وهو العليم بأحوال المنطقة من خلال الوقوف عند خصائص إسلام في تلك المنطقة، وذلك عبر حصر الفوارق التي تميزه عن الإسلام في المناطق الأخرى، وخاصة منها المنطقة العربية، في محاولة لاختبار مقولة الإسلام الأسود والتحقّق من مدى تمثيلها لواقع الشأن الديني في المنطقة بأطيافه المتنوعة وألوانه المتعددة
لم يدخل الإسلام منطقة جنوب الصحراء فاتحا مثلما دخل شمالها، حيث لم تتبعه حركة نزوح للقبائل العربية، تسمح بتعريب المنطقة مثلما حدث في مصر وفي شمال إفريقيا، ولم تقم فيه دولة لأسره عربية تشجّع نشر لغتها وثقافتها بين السكان المحليين، حيث اتخذ دخوله المنطقة مسالك متعددة، منها العنيف والسلمي، فالإسلام الذي دخل على ظهور الجياد وأسنة الرماح يختلف عن الذي دخل على ظهور الجمال وقوارب التجار
لقد مر دخول الإسلام إلى إفريقيا جنوب الصحراء بمراحل اختلفت فيها أوضاع المناطق التي جاء منها، فالإسلام الذي دخل من الجزيرة العربية مرورا باليمن أو عمان أو بلاد النوبة ومصر، لا بد أ يحمل سمات لا نجدها في الإسلام الذي دخل عن طريق المغرب أو الصحراء الليبية، أو الذي جاء عبر المحيط الهندي، بل إن الإسلام الذي نشره الأفارقة أنفسهم يختلف باختلاف القبائل التي تكفلت بالمهمة، وتكوين الزعماء الذين قادوا حملات نشر الإسلام بين شعوب قد عرفته من قبل أو لم تعرفه، ودرجة حرصهم على نشر صنف معين يعتبرونه الأصح أو الأقرب إلى إسلام الأولى في الجزيرة العربية
وإجمالا، يقسم الكاتب مراحل دخول الإسلام إلى المنطقة إلى ثلاث مراحل كبرى : ـ التسرب المنظم والعشوائي القادم من شمال الصحراء : الإسلام الوافد (حيث تشير بعض الروايات إلى أن تاريخ دخوله المنطقة تزامن مع دخوله إلى شمال إفريقيا)
ـ حروب الممالك الإفريقية بعد إسلامها : الإسلام الرسمي
(وتتوزع على ثلاثة قرون، من القرن الثالث عشر الميلادي إلى القرن السادس عشر) ـ حركات الجهاد في القرن التاسع عشر : الإسلام الصوفي
(وتزامن مع بدايات التدخل العربي الاستعماري في المنطقة، حيث أصبح إسلام جنوب الصحراء الكبرى، دينا حركيا يقوده المتصوفة الذين لم يتفرغوا عن الدنيا، بل كادوا أن يتفرغوا لها)
كما يصنف المؤلف أهم التيارات السائدة اليوم في المنطقة كالتالي : الإسلام الصوفي التقليدي (حيث ينتمي حوالي 51 % من سكان السنغال إلى الطريقة التيجانية)، والإسلام الإصلاحي(ويعتبر الكاتب الحركة الوهابية حركة إصلاح ديني من حيث دعوتها إلى تنقية الدين مما علق به من شوائب)والإسلام الحركي )(نسبة طبعا إلى الحركات الإسلامية)
ولعل في بروز الصنفين الأخيرين ما يُفسّر تزايد الاهتمام بالإسلام في هذه المنطقة والذي أدى بدوره إلى بروز دراسات ترصد كل تحرك يقع في بلد أو كلمة تحرر في صحيفة فيها ذكر للإسلام
ويرتب الكاتب أهمية وثقل التيارات سالفة الذكر، عبر وضع الإسلام الطرقي في الرتبة الأولى، على الأقل من حيث عدد الأتباع المنتمين إليه، إذ هم الأكثرية من عامة شعوب المنطقة، ويليه الإسلام الإصلاحي، ويضم الطبقات المتعلمة من الذين درسوا في المشرق العربي أو الخليج العربي، وبعض تلامذتهم المتأثرين بآرائهم، ثم الإسلام الحركي، ويضم أقلية من الذين أمكن لهم الاتصال بالإسلام الحركي في المشرق العربي أو في المغرب أو في أوروبا
أما مرد انحسار الإسلام الحركي، فيعود أساسا إلى وجود هامش من الحرية يتمتع به المسلمون في بلدان جنوب الصحراء نتيجة عدم تدخل الدولة في الشأن الديني، ونشاط الطرق الصوفية في المنطقة من حيث تأطير السكان دينيا واجتماعيا، وسيطرتها على العقول والأبدان في مجتمعات ينخفض فيها مستوى التعليم إلى أقل من 50% من عدد السكان
جدير بالذكر، أن الكتاب صدر عن رابطة العقلانيين العرب، وتسعى ـ حسب التعريف الوارد في العمل ـ إلى نشر الفكر العقلاني النقدي الجذري، وقد نشرت حتى الآن للعديد من الكتاب العرب والأجانب، نذكر منهم جورج طرابيشي وهاشم صالح وشاهدورت تجافان وج فولغين