صدر عن منشورات وكالة الجنوب كتاب توثيقي بعنوان الصحراء الأطلنتية / المجال والإنسان ويتناول الكتاب الذي يقع في 331 صفحة من الحجم الكبير، خمسة محاور.
تطرق فيها نخبة من الأساتذة والباحثين بكل دقة إلى المجالات الطبيعية والبشرية التي نسجت البيئة الصحراوية جيولوجيا واجتماعيا منذ التاريخ القديم وإلى العصر الحاضر مرورا بحقب تداخلت فيها مشاهد طبيعية واجتماعية واقتصادية وكذا دينية وسياسية
الكتاب يعد وثيقة ناذرة لتأريخ ما اصطلح عليه بـ الصحراء الأطلنتية في إشارة إلى المجال الجغرافي المحادي لهذه الصحراء والمتاخمة للمحيط الأطلسي
وقدم له الدكتور محمد الناصري الذي أطر هذا العمل الأكاديمي في ديباجة اشتملت على المشهد الطبيعي وذاكرة المكان وهنا يعرض الكتاب دراسات سوسيولوجية مرفوقة ببيانات وخرائط وصور توثق للتطور البيئي والاجتماعي الذي عرفته منطقة الأقاليم الجنوبية
ثم المقاربة المتأملة للصيرورة التاريخية وهنا أقحم الباحثون مناهج علمية لقراءة الأحداث التاريخية التي عرفتها هذه الجهة منذ انطلاق دولة المرابطين في القرن 11م إلى توافد القبائل العربية المتعاقبة على غرب الصحراء ابتداء من القرن 14م
كما اشتمل التقديم على التماثلات الجديدة في طبيعة السلطة والمجتمع، حيث يرصد الكتاب في هذا الباب التحولات التي طرأت على المجتمع الصحراوي بسبب الأدوات التي استعملت في التأطير السياسي لمجموعات قبلية متناثرة، صاحبها تحول انتربولوجي أضفى تأثيرات على الصحراويين ما زالت سماتها تؤثر فيهم إلى يومنا هذا
كما وضع مقدم الكتاب محمد الناصري أصابعه على ما اشتمل عليه هذا العمل التوثيقي, من الجانب الاقتصادي، والدور الذي لعبته الصحراء جغرافيا وبشريا في تاريخ المغرب والمنطقة (شمال غرب إفريقيا) وتحت عنوان التجارة الصحراوية والانحطاط : هل من علاقة؟ يستفسر الكتاب عن آثار الاقتصاد التجاري الصحراوي على صيرورة الهياكل الاجتماعية والسياسية التي أخذت في التقلص والانغلاق رغم توالي فترات تاريخية عرفت محاولات لفك العزلة والإصلاح الاقتصادي منذ تدهور سجلماسة ووقوع سبتة في قبضة البرتغال بداية القرن الخامس عشر 1415م
وبخصوص مرحلة الاستعمار الذي قسم المغرب واحتل أراضيه، يتطرق الكتاب إلى هذه الحقبة التاريخية من زاوية الأهداف الاستعمارية وتأثيرها على الطبيعة السكانية وكذا المناخ الاجتماعي والسياسي
وتحديدا في منطقة الصحراء تركز الدراسات التي تضمنها المؤلف على الاستعمار بين التواطؤ والمنافسة، وتوصل إلى استنتاجات مفادها أن الاستعمار الاسباني الذي بسط نفوذه على الصحراء
كان رهانه الأول ليس باتجاه الأرض بقدر ما كان يستهدف التركيبة القبلية برمتها، وبالتاي فسيطرته على قبائل دائمة الترحال لاترتكن إلى الحدود أمر من شأنه أن يوسع سيطرته حيثما ارتحلت تلك القبائل سواء باتجاه الشمال أو الجنوب أو الشرق
كما خصص الكتاب حيزا مهما لمعالجة التطورات البشرية والاقتصادية التي حدثت خلال الثلاثين سنة الأخيرة التي مهدت على أرض الواقع التئام المناطق الشمالية بالأقاليم الجنوبية
وسجلت بهذا الشأن التطور الديموغرافي الذي عرفه المجال البشري حيث وصل عدد سكان المنطقة 800 ألف نسمة يقطن معظمهم في المدن التي عرفت تطورا كبيرا
وهذا ما اعتبرته الدراسات التي تضمنها الكتاب أهم وأكبر تغيير طرأ على المجتمع الصحراوي عبر التاريخ استهل الباحثون عملهم في هذا الكتاب بتسليط الضوء في المحور الأول على المجال الطبيعي، التاريخ القديم طوبونيميا
ويتضمن هذا المحور الخصائص الطبيعية الجيولوجية البنيوية والمناخ، إلى جانب لمحة عن التاريخ القديم ثم مشهدا طبيعيا في طوبونيميا المجال الصحراوي
أما المحور الثاني فيتطرق إلى الإسلام : المرابطين، القبائل العربية، والتجارة ويناقش الصيرورة التاريخية للأسلمة وتبعاتها الثقافية والسياسية، ثم دور دولة المرابطين، والتجارة الصحراوية، ثوابتها ومتغيراتها
وفي المحور الثالث تحت عنوان الاستعمار، المقاومة، مسار التحرير يرصد الكتاب أهم المحطات السياسية التي قامت بدور كبير في مورفولوجية البنية الاجتماعية والاقتصادية للصحراء
وفي ثنايا المحور الرابع يستعرض المؤلف المجتمع الصحراوي في صورة سكان القرن التاسع عشر من خلال نماذج الرحالات الغربية، وكذا النظام الاجتماعي التقليدي السائد, كما يلقي نظرة عن الثابت والمتحول في هذا المجتمع الغريب الأطوار
أما المحور الخامس والأخير، اشتمل على دراسة تعكس التطور السكاني، المدن، السياحة، وجرى التركيز في هذا المحور على تكاثر السكان وتطور التمدن، والتنمية البشرية والاقتصادية بين التحديات الديموغرافية وإكراهات الوسط الصحراوي، ثم السياحة باعتبار الأقاليم الصحراوية تتوفر على مؤهلات تعد بآفاق كبيرة لمزيد من التغيير والتطور
الكتاب اشتمل على وثائق وأبحاث اجتهد في جمعها وتنسيقها الأستاذ رحال بوبريك بالإضافة إلى خرائط ناذرة جمعها الأستاذ عبداللطيف رومان
كما شارك في إعداد هذا الكتاب عدد من الأساتذة الباحثين من جامعات وأكاديميات من مختلف المدن المغربية
مثل عبدالله صالح من المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية وأحمد الهاشمي وحسن الطالب وخديجة الراجي وأحمد بالقاضي وعثمان هناكا من كلية الآداب والعلوم الانسانية بأكادير، وأحمد شكري وخالد الشكراوي وادريس شداد من معهد الدراسات الإفريقية بالرباط وعمر ناجيه من الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين بكلميم ومحمد دحمان من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالقنيطرة.