ترأس أمير المؤمنين، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، مرفوقا بصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، أمس الأربعاء بالقصر الملكي بالدار البيضاء، درسا دينيا جديدا من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.
وألقى درس أمس بين يدي أمير المؤمنين، الأستاذ الشيخ إبراهيم صالح الحسيني، رئيس هيئة الافتاء بنيجيريا، وتناول فيه بالدرس والتحليل موضوع"مكانة أولي الأمر في الإسلام«، انطلاقا من الآية الكريمة »يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم" (سورة النساء).
وبعدما استهل الشيخ إبراهيم صالح الحسيني، درسه بتفسير أسباب نزول الآية الكريمة، تناول بالشرح المستفيض مفهوم أولي الأمر، الذي يراد به أولياء أمر الأمة، وهم مركز المرجعية الدينية والدنيوية.
وأوضح أن الطاعة للحكام والأمراء حق لمن فرضها الله له، مبينا أن استيفاء هذا الحق يجب أن يجري في حدود الطاعة المسموح بها شرعا، وإلا انعكس إلى الضد فبطل الحق وعاد بالنقض على الأصل.
وأبرز الأستاذ الشيخ إبراهيم صالح الحسيني أن الآية الكريمة اشتملت على ثلاثة أسس من الطاعة، الأصل الأول طاعة الله بالأصالة، والثاني طاعة رسول الله بالأصالة أيضا، أما الأصل الثالث فهو طاعة أولي الأمر بالتبع، مضيفا أن الطاعة هي الخضوع والإذعان للآمر.
وقال إن الله يأمر في هذه الآية الكريمة المؤمنين بطاعته التي تتحقق بالالتزام بتعاليم القرآن بما فيه من عقائد وشرائع تحكم أسس المعاملات القائمة على القيم العليا والأخلاق السامية.
كما يأمر المولى عز وجل ـ يضيف الشيخ إبراهيم صالح الحسيني ـ عباده بطاعة رسول الله صلى الله عليه سلم بالالتزام بما جاء به وبسنته خلال حياته وبعد مماته، كما يأمر بطاعة أولي الأمر الذين هم خلفاؤه ونوابه ويعلمون القرآن في سياق توجيهه الأساسي، مضيفا أن طاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان، مستشهدا بقوله تعالى"من يطع الرسول فقد أطاع الله".
ولاحظ أن طاعة الله ورسوله مطلقة لا حدود ولا قيود لها، وليس لها علة سوى العبودية لله، بخلاف طاعة أولي الأمر التي يشترط فيها أن تكون تابعة للطاعة المطلقة لله ورسوله، مشيرا في هذا الصدد إلى استقلالية الرسول، بمعنى أن طاعته صلى الله عليه وسلم تجب استقلالا من غير حاجة إلى عرض لما أمر به على الكتاب، بل إذا أمر بشيء وجبت فيه طاعة مطلقة.
وقال الأستاذ المحاضر، إن الله سبحانه وتعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأراد بهم نخبة من قادة الأمة، وهم قطعا أهل الحل والعقد من صفوة الأمة الذين صنعهم الإيمان برعاية الحق سبحانه وتعالى وعنايته، ويرجع في تكوين هيئتهم بعد العناية الربانية إما إلى التعيين المباشر من الإمام أو الانتخاب من الأمة لمن تتوفر فيه الشروط.
وذكر بأن الإمامة أو الخلافة أو إمارة المؤمنين هي النيابة عن رسول الله الكريم في تنفيذ أحكام الشريعة التي هي مرآة تعكس إرادة الحق تبارك وتعالى، صاحب السيادة المطلقة, وعرفها العلماء بأنها ولاية عامة في الدين والدنيا توجب طاعة موصوفها في غير منهي.
وأشار إلى أن حكم البيعة في الإسلام الوجوب، وهي كما يقول العلماء مأخوذة من البيع، ذلك أن المبايع للإمام يلتزم أن يقيه بنفسه وماله، مضيفا أن بيعة الإمامة، هي أول الطاعات الواجبة ولا يحق لأحد أن يتنصل منها، مشددا على ضرورة أن تكون البيعة علنية الدوام والاستمرار وأنها لا تتعدد.
وأضاف الشيخ صالح الحسيني أن البيعة إذا وقعت واجتمعت عليها كلمة الأمة حرم نقضها، وأن الخروج على أئمة العدل لا يجوز، مشيرا إلى أنه من البدع المحدثة ما انتشر في هذا العصر بين الشباب من استغلال بعض المتطرفين لهم بدعوتهم إلى مبايعة بعض زعماء التطرف بيعة الإمام، والخروج معهم إلى الجهاد دون إذن الإمام الأعظم، وهو نوع من نقض البيعة ومن الخروج على الأئمة، وهو ما لا تقره الشريعة الغراء .
في نهاية الدرس نبه الشيخ الحسيني إلى أن هذه الآية تشير إلى ميلاد أمة مسلمة، وقيام نظام أساسي شامل في الحياة يحل محل نظم الجاهلية التي كانت تسود العالم آنذاك، مؤكدا أن هذا النظام يتميز بالعدل المطلق في الحكم بين الناس وأداء الأمانة، وبمعناها الأوسع، والمحافظة عليها، ويحدد مجال العمل من كل فرد من أفراد الأمة في إطار الانتماء والإيمان والحكم والطاعة والجهاد والاجتهاد.
كما تشير الآية الكريمة، حسب الشيخ الحسيني، إلى أنه لا يقوم للأمة كيان ولا هيكل متامسك إلا بالطاعة المطلقة للخالق العظيم ولرسوله الكريم في جميع ما اشتمل عليه هذا المنهج الرباني من عقائد وعبادات وواجبات وتكاليف، تتناول كل أوجه الحياة في الظاهر والباطن، وفي المظهر وفي السلوك، وكذا بالطاعة لأولي الأمر، الذين هم قادة الأمة في شأنها العام والخاص.
وأوضح رئيس هيئة الافتاء بنيجيريا أن الحق سبحانه وتعالى هو مصدر كل تشريع وكل توجيه، كما أنه هو مصدر الخلق والهداية، والمختص بحق الحاكمية المطلقة والمستحق للعبودية على الكون كله، وأن رسوله الكريم هو المتلقي عنه كل التشريعات، فتجب الطاعة له بدءا ومآلا، وأن الطاعة لله لا تكتمل إلا بطاعته، وأن طاعة أولي الأمر في حكمهم أو بيعتهم واجبة، وهي من طاعة الله وطاعة رسوله.
وقال إن الآية تضمنت أيضا، تحديد نوع العلاقة بين الحاكم والمحكوم، كما شرعت قاعدة ثابتة وميزانا مستقيما توزن به كل المستجدات، مما لا نص فيه، حتى لا تبتعد الأمة على منهج الحق الرباني وهدايته التي تكفل بها لعباده المجاهدين فقال"والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا، وإن الله مع المحسنين" مما يدل ـ حسب الشيخ صالح الحسيني ـ أن بذل الجهد في تنمية القدرات والملكات الجديرة باستنباط الأحكام التي تغطي فضاء المستجدات، وكل ما يفرضه تطور الحياة إلى قيام الساعة، هو من الجهاد.
وفي ختام هذا الدرس الديني، تقدم الأستاذ المحاضر الشيخ إبراهيم صالح الحسيني رئيس هيئة الافتاء بنيجيريا، للسلام على أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس.
كما تقدم للسلام على جلالته العديد من العلماء الضيوف المشاركين، الذين يحضرون هذه الدروس، وهم الشيخ أحمد التيجاني إبراهيم نياس من علماء السينغال، والأستاذ محمد صهيب الشامي أستاذ جامعي، ومدير أوقاف حلب بسوريا، والأستاذ أحمد بن عمر التيجاني من علماء الولايات المتحدة الأميركية، والأستاذ الحاج إبراهيم ندياي عثمان رئيس تنسيقية التيجانيين بدكار بالسينغال، والأستاذ أبو عركي الشيخ عبد القادر من علماء السودان، وهو من الإمارت العربية المتحدة، والأستاذ مفلودين أرسلني إمام مسجد زغرب بكرواتيا، والأستاذ عبد الرحمان عبد الله الكيلاني نقيب الأشراف من العراق، والأستاذ محمد العيد التماسيني من علماء الجزائر، والشيخ محمد يوسف سباهيتش مفتي صربيا.
بالمناسبة نفسها، تقدم للسلام على جلالة الملك، الأستاذ منير القادري بوتشيش مدير المركز الأورو متوسطي لدراسة الإسلام اليوم بفرنسا، وهو من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالديار الفرنسية، والأستاذ محمد إقبال زيدوني مسؤول أئمة تجمع مسلمي فرنسا، والأستاذ محمد موساوي نائب رئيس تجمع مسلمي فرنسا، والأستاذ محمد حلحول الناطق الرسمي بالمجلس الإسلامي بكطالونيا، والأستاذ ميلود الحسيني إمام بمسجد التقوى بفرنكفورت، والأستاذ البقالي الخمار من أئمة هولندا.
كما تقدم للسلام على أمير المؤمنين، عدد من أفراد الجالية المغربية المقيمة بالديار الأوروبية، وهم محمد حجي من فعاليات الجالية المغربية المقيمة بالديار الفرنسية، ومحمد خرشيش من فعاليات الجالية المغربية بمدريد (إسبانيا)، والأستاذ فؤاد الدواي من فعاليات الجالية المغربية المقيمة بفرنسا، والأستاذ أمين البقالي من فعاليات الجالية المغربية المقيمة بالسويد، والأستاذ محمد علي بوصالح من فعاليات الجالية المغربية المقيمة بهولندا.
وبعد ذلك، قدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية أحمد التوفيق إلى أمير المؤمنين المصحف المحمدي المرتل بطريقة ورش عن نافع الرواية المعتمدة بالمغرب للمقرء العيون الكوشي، وذلك على الأشرطة السمعية وأسطوانات الليزر، وأشرفت لجنة علمية مكونة من فقهاء ومقرئين وحفاظ على تتبع تسجيل هذا المصحف، وحررت شهادة بصحته ومطابقته لرواية ورش.
كما تقدم للسلام على أمير المؤمنين محمد بنيوسف المدير العام للمنظمة العربية للتنمية الصناعية والتعدين، الذي سلم لجلالة الملك آخر إصدارات المنظمة.