الأحزاب واستعمال سلطة المال في الوصول إلى قبة البرلمان

الثلاثاء 25 شتنبر 2007 - 07:18

حينما نريد تقييم الاستحقاقات الأخيرة، فإنه بدون شك، لا نعني من وراء ذلك استصدار أحكام قاسية وجاهزة، في حق رهان سياسي يهم جميع مكونات المجتمع وفاعليه، لكن هذا لا يمنع من الإشارة إلى أن مختلف التعليقات أو الآراء أو المواقف أو التحليلات لا تنطلق من فراغ.

حتى وإن كان بعضها تغلب عليه النوازع الذاتية والإيديولوجية والسياسية الضيقة، والبعض الآخر، لا يمكن أن يتجرد من المرجعيات السياسية، وإن كانت تحمل طابعا فكريا، في صيغة تمثل موضوعي سوسيولوجي أو سياسي، أو غير ذلك.

ومع ذلك يمكن القول، إن أغلب المتابعات تتحكم فيها اعتبارات خاصة وأحيانا انفعالية، أو لتصفية حسابات، أو ردّ الدين، أو تبرير عجز ما، أو إلقاء مسؤولية"التعثر" أو "الفشل" على الآخر، وغير ذلك من النَّظَرات التي ينبغي أخذها بحذر شديد.

إذن، بأي معنى يمكن تناول هذه الاستحقاقات، وما هي الرهانات التي تحققت أو تلك التي تعطلت، ثم كيف يمكن قراءة كافة معطياتها وأرقامها وظروفها وتفاعلاتها، وكل الاستشكالات الموازية، وأين تكمن مسؤوليات كل الأطراف »متضامنة«، وليس من فصيلة تلك التي يرمي بها كل واحد الطرف الآخر، وكأنه في حلٍّ مما وقع، ولا يد له فيه.

من المؤكد، أيضا، أن الكثير من التناقضات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية برزت بشكل كبير، قلبت بعض المعطيات، التي كانت تمليها إما حسابات أو "تكهنات"داخلية وخارجية، وهذا ما كنا نتجنب مسايرته في تحليلاتنا ومتابعاتنا.

ويكفي أن نقف، في هذا المقام، عند بعض القضايا المرتبطة بالاستحقاقات، وعلى رأسها أنه لم يعد من المفيد إثارة الأسباب الموضوعية التي ساهمت في إفساد الاستحقاقات لعقود، وخلفت تركة ثقيلة، وصنعت"بارونات"للانتخابات لهم آلياتهم الخاصة التي تتحايل على القانون وتتفادى الوقوع في كمَّاشته، بحيث نجد أن العديد من السلوكات المشينة والتي تضر بمصداقية الانتخابات ما زالت سائدة، وأولها استعمال المال وابتكار وسائل أخرى من التدليس والإفساد، بيد أنه من الضروري طرح ضرورة وضع آليات قانونية وسياسة صارمة لمجاوزة هذه الأوضاع، التي لم تعد مستساغة أو مقبولة، وإجراء مراجعات شاملة وبنيوية من شأنها العمل على حماية كل الاستحقاقات الوطنية، خصوصا وأن أغلب الأحزاب التي تعتبر »كبرى«، وصلت إلى سدة الحكم، ومارست السلطة، وجرت الانتخابات تحت إشرافها سياسيا، ولعل الحصيلة الحكومية أدت إلى تقليص حجم المشاركة، مع انعدام الثقة وفقدان المصداقية، وهذا لا يكبو في رؤيته أيُّ كان، فالمطلوب البحث عن أدوات تخليق معنى الالتزام والانخراط السياسي بما يفيد المواطن، ويرفع عنه الظلم والحيف، ويجعله عنصرا فاعلا في المجتمع، ويضمن له كرامته وحقه في العيش بطمأنينة له ولمحيطه الخاص والعام.

وقبل ذلك، لابد من التأمل في هذه المفارقة المثيرة، بحيث إن جل الأحزاب وقتما "تنصفها" النتائج وتضعها في مراتب متقدمة تحتفي بـ "الديمقراطية"، وحين تتقهقر تصب صليل غضبها على الآخرين من "خصوم" و"أعداء" وغير ذلك، وهذا ينسحب على جل التيارات، بمعنى أننا لم نصل بعد إلى تحمل قدر من المسؤولية ونقد الذات عوض الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين، وكأننا أمام أطراف وهمية، والأَطْرَف من ذلك، أن كل الأحزاب تدين وتستهجن استعمال سلطة المال في الوصول إلى قبة البرلمان، لكنها تتناسى أنها تصور الأمر بصورة "مثالية" لا تشخّص الواقع، حيث يبدو وكأن الخطاب السياسي بمواقفه وتشنجاته واستنكاراته يتحدث عن مرشحين أشباح، وليس مرشحين ينتمون إلى هذه الأحزاب ليس إلا، دون أن تعمل على ردعهم أو صدهم أو إقصاء كل من يدنس الاستحقاقات الوطنية.

إن الحاجة إلى منظورات جديدة لمعالجة القضايا والأسئلة والاستشكالات السياسية الراهنة، تبدأ من تكريس ثورة ثقافية وسط الحقل السياسي، وداخل دواليب المنظمات السياسية مهما تباينت توجهاتها، بالتركيز على النقد الذاتي الهادئ والعقلاني كإحدى الوسائل، التي تفيد في عدم طمس وردم المآزق والأزمات، التي قد تعاني منها المؤسسات.

لكن كل هذا لا يعفي الدولة من واجباتها، بالعمل على تثوير فضاء قانوني وسياسي صارم وواضح وحازم في صدّ وردع كل التجاوزات.




تابعونا على فيسبوك