مرور 150 عاما على الصدور الأول لـ أزهار الشر لشارل بودلير

الأوساط الثقافية تحتفي بالطبعة العربية من سأم باريس

الإثنين 24 شتنبر 2007 - 09:50

رفع الحجز عن ديوان الشاعر الفرنسي شارل بودلير سأم باريس في نسخته العربية وهي من ترجمة بشير السباعي، بعد ان بقي حبيس أدراج الرقيب المصري طيلة ثلاثة أشهر من احتجازه.

باعتباره من مطبوعات أجنبية ينبغي فحصها للتأكد من خلوّهما مما قد يهدد الأخلاق والآداب العامة، ففي ندوة صحفية اعلنت دار آفاق للنشر عن صدور الكتاب ، ومعلوم أن كتاب »سأم باريس«، ، صدر في القاهرة ونشر عام 2001 عن مطبوعات الكتابة الأخرى، وبالترجمة نفسها، أي لبشير السباعي كما صدرت طبعة أخرى للكتاب نفسه عن المشروع القومي للترجمة في عام 2002 بتعريب المترجم محمد أحمد حمد، ما يعني أن الكتاب ليس مطبوعة أجنبية تدخل مصر للمرة الأولى، لكن لامر ما أبقى الرقيب المصري على بودليـر يشـعـر بالـســأم لمدة تسعين يوما

ويبدو ان بعض الكتب يعلن عن عرضها، ثم تبقى في أدراج الرقابة مدة طويلة حتى ييأس القارئ في الحصول على نسخة منها

ويأتي إصدار هذا الديوان باللغة العربية او على الاصح اعادة اصداره في وقت تحتفل فيه الاوساط الادبية والنقدية الفرنسية والعربية بالشاعر الفرنسي شارل بودلير بمناسبة مرور 150 عاماً على الصدور الأول لكتابه المعروف أزهار الشر ومرور 120 عاماً على وفاته

ولعل مابرر للرقيب المصري هذا التلكؤ في الإفراج عن الكتاب هو كون الشاعر الفرنسي شارل بودلير أثار ضجة هائلة غداة اصدار ديوانه »أزهار الشر« الذي وجهت له تهمة خدش مشاعر معاصريه، فاقتيد وناشره إلى المحكمة، بتهمة الإساءة إلى الأخلاق العامة اجتثت من الديوان قصائد ست، عرفت بالقصائد الممنوعة

لكن المزعج حقاً في أزهار الشرّ، كان ذلك الدفق النثري المفاجئ الذي سيشرّع الشعر على الحياة، قبل أن يفتح لاحقاً، مع سأم باريس، باب قصيدة النثر فـ الحداثة بدأت مع شارل بودلير الذي انقلب على المعايير الجمالية والأخلاقية لعصره

وأعلن القطيعة مع الغنائية المنسابة والرومانسية السقيمة شارل بودلير في رائعته سأم باريس استطاع بعبقريته أن يحوّل عاصمة النور إلى مرادفٍ للضجر الفادح والسأم الكبيرواحتفى في هذا السياق بمن كرههم المجتمع البورجوازي، بمجرمي المدن الكبيرة، واستمد الشعراء موضوعهم البطولي من نفاية المجتمع في شارعهم
وفي الوقت نفسه احترم التراث الكلاسيكي واستفاد منه، إلا أنه كان يري أن تقتصر هذه الاستفادة على البناء ، كاشفا عن باريس القرن التاسع عشر التي كان بودلير من أكثر المخلصين لنتائجها سواء علي المستوى المعماري : الشوارع والأزقة والبواكي والنفاية، أو المستوى الفردي : جماهير العمال البؤساء والمتسكعون والبوهيميون والشعراء والمثقفون

وكانت مأثرته الكبري في هذا الخصوص التفتيش عن الحوادث المبتذلة وتقريبها من الأحداث الشعرية، والقارئ لديوانه سأم باريس سيلاحظ علي الفور أنه لا يستخدم فقط الكلمات ذات الأصل الشائع، بل أيضا الكلمات ذات الأصل الحضري الباريسي
وبودلير لم يكن يترفع عن استخدام أشد الكلمات ابتذالا

يجد بودلير نفسه في ديوانه، مشدوداً، إلى ميراثه الثقافي الغربي الباريسي، إلى المحكيات الإنجيلية والميثولوجيا الإغريقية / الرومانية، وهو يتوخى بناء ماهيات شعرية جديدة للذات الإنسانية، المرأة، الجمال، الألم، المكان، والألفة، وتصوير معاودة الإنسان الحديث للسقوط الرمزي جرّاء نهمه إلى ثمار المدنيّة الحديثة المغرية بواجهتها البرّاقة، الهشّة

إن قصائد بودلير نوع من الافتتان العميق والمعقد والعصري جدا بمدينة باريس باعتبارها مدينة حية حقيقية وحافلة بكل القيم الإنسانية من جمال وقبح وقسوة وضعف وخير وشر وصواب وخطأ، باعتبار أن كل طرف من هذه النقائض لا يوجد من دون الطرف الآخر خصوصا في الوعي الحديث عكس الوعي القديم، الذي يعتبر ما هو مثالي قائما وحده أو هناك فاصل قاطع وحاسم بين ما هو مثالي وما هو فني وعابر ودنيوي، لقد كان بودلير محتاجا إلى شكل فيه قدر كافٍ من الحرية يسمح له بأن يقول ويعبر عن هذا الوعي في شكل لم تصبح له من المقومات والشروط ما لا يستطيع الشاعر الخروج عليها في لغة أخرى، أراد أن يعبر عن وعي جديد في لغة جديدة، وتمثل ذلك الشكل في قصيدة النثر وإن كان قد ختم هذه المجموعة بقصيدة موزونة مقفاة

وتتراوحُ قصائدُ سأم باريس بينَ الخياليِّ والتّأمُّليّ إلى قصائدَ عنِ الحياةِ المَدِيْنِيَّةِ وانشغالِ بودلير المُمَيَّزِ بالسُّوقِيِّ والمَاجِنِ

ورغمَ أنه لم يُنشَر إِلاّ بعدَ وفاةِ الشّاعرِ، فلقد كانَ لِـ سأم باريس أثرٌ عظيمٌ على جيل الشعراءِ اللاحقِ، بما في ذلكَ آرثور رامبو وستيفان ملارمي

ان شارل بودلير فتح الباب واسعاً أمام التجريب الغرائبي والجارح والمكلل بالجمال والشفافية، مطلقاً احتجاجه ضد مخملية باريس وعلاقاتها السرية وجحودها بالمشاعر الإنسانية، يعتبر بودلير من أبرز شعراء القرن التاسع عشر ومن رموز الحداثة في العالم

ولقد كان شعر بودلير متقدما عن شعر زمنه فلم يفهم جيدا الا بعد وفاته
فهو شاعر التجربة والتجريب بامتياز ولايمكن تصنيفه تصنيفاً نهائياً كسواه من الشعراء ضمن مذهب أدبي محدد، ففي شعره شيء غير قليل من رومانسية جديدة مختلفة، فقصائده تختلف عن فيكتور هيجو، وتكفي الإشارة إلى ان الشعر في فرنسا يقسم الى شعر ما قبل بودلير وشعر ما بعد بودلير وشعر بودلير كان ضربة بوجه السائد من الأدب الفرنسي آنذاك وهيمنة الأصوات الرومانسية، فلديوان أزهار الشر الذي تعرض للمراقبة والمنع والتشهير يحفر في القاع القاسي لحياة المدينة ومشاكل الإنسان الحديث ويطرح الأسئلة على جوهر الوجود الإنساني وكشف مكامن البؤس البشري وانقسام الذات وهو ما صرح به بودلير بجرأة طرح تاريخية لم يحتملها مجتمع فرنسا وقتها حتى أوصل الديوان شاعره للمحاكم بتهمة التجاوز على الذوق العام

وسوداوية بودلير التي عبر عنها في كتاب سأم باريس لم تكن سوداوية نصية أو مشاكساتية، بل هي ذلك المركب الكيميائي الذي يحيي روح الشعر فيه، ويدفعه دائماً الى ابتكار فضاء كتابة غامض وشفيف في الآن ذاته، فبودلير يتصرف منذ أن كسرت آنية الأزهار بروحه، وتشظت الى كل ما هو عدمي، فوضوي، عابث، مؤلم، ومستهجن، بوعي تام منه، وعمق استبطن سلوكيته، رسخها دائما بنزوعه المستمر إلى رفض الاستقرار والتناغم وصورة العلائق البغيضة المحافظة على صورة المجتمع الباريسي المخملي الكاذب آنذاك، كان يرفض أن تستمر هذه الخديعة والنفاق الاجتماعي دون ان يصفع ويهشم هذه الصورة التي تزعزت ثقته وانتماؤه اليها، كابن للبرجوازية الفرنسية الأكثر محافظة على المظاهر من مراعاة المشاعر الإنسانية

وكان الشاعر الفرنسي شارل بودلير (1821/1867) Charles Baudelaire قد عانى من الناحية السيكولوجية، معاناة كبيرة في حياته، جراء تطورات وأحداث معينة في عائلته، بالإضافة إلى استعداداته الشخصية، وبعد انفصاله عن والدته وزوجها، عاش حياة بوهيمية في الحي اللاتيني في باريس حياة جعلت منه واحدا من أعظم شعراء فرنسا.




تابعونا على فيسبوك