المغرب في حلي المغرب لابن سعيد الأندلسي

موسوعة تضم كتبا تصل إلى الخمسين

الجمعة 21 شتنبر 2007 - 09:45

يعد كتاب المغرب في حلي المغرب موسوعة قائمة بذاتها، والذي لم ينفرد ابن سعيد بتأليفه وحده، وإنما ينسب إليه اختصاراً أو جهلاً، وإنما ألفه بالموارثة ستة من أدباء الأندلس.

تناولوه بالتنقيح والإضافة واحداً بعد الآخر، وقد استغرق زمن تأليفه مائة وخمسة عشر عاماً .

وقد سجل ذلك في أكثر من موضع في المخطوطة المحفوظة بدار الكتب بالقاهرة ، ففي فاتحة الجزء الرابع نجد العبارة الآتية : الرابع من كتاب المغرب في حلي المغرب الذي صنفه بالموارثة في مائة وخمس عشرة سنة، ستة هم : أبو محمد الحجاري، عبدالملك بن سعيد، أحمد بن عبدالملك، محمد بن عبدالملك، موسى بن محمد، علي بن موسى
ومن بين هؤلاء العلماء الستة يوجد خمسة من أسرة واحدة هي أسرة بن سعيد التي كانت لها منزلة فريدة في الحياة العقلية الإسلامية بالأندلس.

نواة هذه الموسوعة كانت كتاباً اسمه المسهب في غرائب المغرب، ذلك أن أبا عبدالله محمد بن إبراهيم الحجاري، صنفه لعبدالملك بن سعيد، صاحب قلعة بني سعيد من أعمال غرناطة، فأحسن صلته، وتمكنت بينهما الألفة، وأعجبته خبرته بأدباء الأندلس، وأنه أعرف الناس بآثارهم، وأقبل عبدالملك على هذا الكتاب، واستنفد في قراءته طاقته وحير مطالعته ديدنا، ثم ثار في خاطره أن يضيف له ما أغفله الحجاري، ويختصر ما لم يوافق غرضه، وفيه تطويل غير مفيد.

وخلفه ابناه أبو جعفر الشاعر ومحمد، وأضافا له ما استفاداه.

ولم يزل لهما خزانة أدب يتزايد عمرها، إلى أن استبد به موسى بن محمد بن عبدالملك، وكان أعلمهم بهذا الشأن، وذكره بالمغرب في فنون الآداب لا يحتاج إلى تنبيه عليه، فاعتني به أشد الاعتناء، وأضاف إليه ما طالعه في الكتب والتقطه من الأفواه، وجاء من بعده ابنه علي بن موسي فأفرغه في قالبه النهائي، الذي وصل إلينا والمعروف باسم المغرب في حلي المغرب

وابن سعيد الذي ينسب إليه هذا الكتاب الضخم، عاش خمسة وسبعين عاماً، خالط فيها العلماء والأدباء، وأفاد من نقاش المخطوطات، وأقبل على التأليف حتى خلف ثروة ضخمة من المؤلفات والمصنفات، وصل بعضها إلينا وضاع أكثرها للأسف، ومن هذه المصنفات :

1- المغرب في حلي المغرب، 2 ـ المشرق في حلي المشرق، 3 ـ عنوان المرقصات والمطربات، 4 ـ الغصون اليانعة في محاسن شعراء المائة السابعة، 5 ـ رايات المبرزين وغايات المميزين، 6 ـ نشوة الطرب في تاريخ جاهلية العرب، 7 ـ المقتطف من أزاهر الطرف، وهو كتاب في الموشحات قدمنا عرضاً له من قبل وترجمة وافية لابن سعيد الأندلسي

المغرب في حلي المغرب ليس كتاباً واحداً، بل هو مجموعة من الكتب في كتاب واحد، وخطته في هذا الكتاب وكتاب المشرق تحدث عنها في المقدمة حيث يقول : كل من التصنيفين مرتب على البلاد، متى ذكر بلد ذكرت كوره، وأتكلم عليه وعلى كل كورة منه

وأبتدئ بكرسي مملكتها وقاعدة ولايتها بحسب مبلغ علمي من إعلام بمكانها من الأقاليم ومن بناها وما يحف بها من نهر أو منزه أو خاصة معدنية ونباتية، ومن تداول عليها من أبناء الملوك أولي التواريخ التي لا يجب إغفالها .

ثم نأخذ في الطبقات واحدة بعد أخري، وهي خمس : طبقة الأمراء، وطبقة الرؤساء، وطبقة العلماء، وطبقة الشعراء، وطبقة اللفيف، والأربع الأولي، يقصد الطبقات، مخصوصة بمن له نظم من أولي الخطط المذكورة، ولها تفسير تقف عليه في مواضعه، وطبقة اللفيف مخصوصة بمن ليس له نظم من أي صنف كان، ممن لا يجب إغفاله، وفيها من النوادر والمضحكات ما يكون مثل الأحماض.

والقاريء لكتاب المغرب في حلي المغرب قد يتوه أثناء قراءته لهذه الموسوعة التي تضم كتباً كثيرة تصل إلى الخمسين، وهو يشبه شجرة عظيمة، تخرج من جذعها فروع مختلفة، وتخرج من الفروع غصون كبيرة، ومن الغصون الكبيرة غصون صغيرة، ومن الغصون الصغيرة أوراق كثيفة متنوعة، ومن هنا كان تأليف هذا النص معقداً يحتاج إلى دراية بقراءة هذا النوع من الكتب.

فكلمة كتاب مثلاً تتردد فيه مع كل فرع أو غصن أو ورقة، ففي القسم الخاص بالأندلس قسمه إلى سبعة كتب مثل كتاب الحلة المذهبة في حلي مملكة قرطبة، أو كتاب الذهبية الأصيلية في حلي المملكة الأشبيلية، وهكذا جرى تقسيم الأقاليم إلى أربعة كتب، وقسم الشرق إلى ستة كتب، وكل كتاب لمملكة من هذه الممالك ينقسم بدوره إلى كتب.

فالكتاب الأول مثلاً والخاص بمملكة قرطبة ينقسم إلى أحد عشر كتاباً إلخ

القسم الخاص بمصر من الكتاب كان يعرف باسم كتاب الإكليل في حلي بلاد النيل وقد سجل ذلك ابن سعيد، فكتب في نهاية الجزء السادس : كمل السادس من كتاب المغرب في حلي المغرب، وبتمامه كمل كتاب الإكليل في حلي وادي النيل

والقسم المصري يضم كتباً كثيرة مثل كتاب الدر المكنون في حلي دولة بن طولون ، وكتاب الروض المهضوب في حلي دولة بني أيوب

ولد المؤرخ والشاعر والرحالة الأندلسي ابن سعيد بغرناطة في أسرة عريقة الحسب والنسب، كان لأفرادها صلة بالملوك، وكان أبوه من أهل الأدب والتأليف، فقد عمل هذا الأب على اتمام كتاب المغرب في حلي المغرب الذي كان الجد قد بدأه، لكن الوالد مات قبل أن ينجز العمل فتعهده ابن سعيد وأكمله

عمل ابن سعيد لوزير الموحدين ابن جامع، وكان له ابن عم يعمل للموحدين ايضاً،
فوقعت بين القريبين فرقة خشي ابن سعيد عاقبتها فاستأذن في الرحيل إلى المشرق بحجة الحج، وصل إلى الإسكندرية بمصر سنة 1241م، وكان والده قد سبقه إليها وأقام فيها، ولما كان وصوله متأخراً عن موعد الحج، ذهب إلى القاهرة ولقي فيها أيدمر الترك، والبهاء زهير وابن يغمور، الذي كان يعمل رئيساً للأمور بالديار المصرية

ترك لنا ابن سعيد وصفاً نفيساً لمصر والفسطاط، أعطانا فيه صورة حية لما كانت عليه الحالة يومئذ، فوصف شوارع المدينة وابنيتها وأزقتها، وتحدث عن نواحٍ من الحياة في الأحياء المخصصة للهو والطرب، إذ قال عنها إنه قد يرقص الواحد في وسط السوق، وقد يسكر الناس من الحشيش

جاء مصر في تلك الفترة كمال الدين بن العديم رسولاً من الملك الناصر، صاحب حلب فتعرف إليه ابن سعيد، ولما عرف ابن العديم عن قصد ابن سعيد من رحلته، وعده بالمساعدة قائلاً : نعينك بما عندنا من الخزائن، ونوصلك إلى ما ليس عندنا كخزائن الموصل وبغداد، وتصنف لنا

انتقل ابن سعيد إلى حلب حيث أكرمه الملك الناصر، وعرّفه إلى عدد كبير من رجال العلم والقلم ،الذين كان أكثرهم يعمل في حاشية الملك، ثم تحول إلى دمشق ودخل مجلس السلطان المعظم، وحضر مجلس خلوته، وذهب بعد ذلك إلى الموصل فبغداد فالبصرة وحج وعاد إلى المغرب فنزل في اقليبة بتونس واتصل بخدمة أبي عبد الله المستنصر
عاد ابن سعيد مرة ثانية إلى المشرق، وذُكر أنه لما دخل الإسكندرية سأل عن الملك الناصر، فأخبر بحاله، وما جرى له من قتل التتار له، ويروى أن ابن سعيد أطلع على أخبار هجوم هولاكو على حلب وما تركته حملته من آثار التخريب والدمار

ترك ابن سعيد مؤلفات عديدة منها : عنوان المرقصات والمطربات، في الشعر والأدب، والطالع السعيد في تاريخ بني سعيد و المغرب في حلي المغرب، الذي اشترك في تأليفه جده ووالده وهو، و المشرق في حلى المشرق، وأخيراً المستنجز وعقله المستوفز بقيت الإشارة إلى محققي هذه الموسوعة النفيسة، وهم الدكاترة زكي محمد حسن، شوقي ضيف، سيدة الكاشف، فهؤلاء الثلاثة من العلماء الكبار، وقد استطاعوا بما بذلوه من جهد خرافي، كل في تخصصه، أن يصدروا هذا الكتاب لقراء اللغة العربية في طبعة جديدة، محققة تحقيقاً علمياً، صدرت عن سلسلة الذخائر .




تابعونا على فيسبوك