أعتقد أن تعيين عباس الفاسي وزيرا أول اختيار صائب لكونه من الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، كما جاء في وقته لأن المغرب في حاجة إلى رجل سياسي.
وأظن أنه من الخطأ الاعتقاد بأن وزيرا تيقنوقراطيا قادر على قيادة الحكومة، لأن تدبير البشر أصعب من تأهيل بعض القطاعات الاقتصادية.
كما أن المملكة أمام رهان خارجي مهم ألا وهو قضية الصحراء المغربية، وهذا يستدعي وجود رجل سياسي يتمتع بتجربة في المرحلة المقبلة.
وهناك بعض الأمور الإضافية التي حصل عليها حزب الاستقلال تتعلق بالتسيير الاقتصادي، وهي مهام يجب أن يضطلع بها الوزير الأول الذي سيكون الأكثر علما بالشخصيات التي تتمتع بالخبرة والقادرة على العمل بمحيطه ومواصلة عمليات الإصلاح ومواكبة الأوراش الكبرى المفتوحة.
ويجب ألا يغفل عباس الفاسي الرسالة التي بعث بها الناخبون للأحزاب السياسية عبر صناديق الاقتراع التي شهدت مشاركة ضعيفة لم تتجاوز 37 في المائة، وكان غالبية المصوتين يتحدرون أو يقطنون في البوادي.
لهذا أؤكد للمرة الثانية أن المغرب كان في حاجة إلى رجل سياسة وخبرة للعب دور معين، أما التيقنوقراط فلديهم بعض الوزارات التيقنوقراطية التي يمكنهم أن يقدموا فيها الكثير
وكنت أتمنى لو استمر الكاتب الأول السابق للاتحاد الاشتراكي عبد الرحمن اليوسفي في الحكومة لولاية ثانية، لأن بقاءه كان ربما سيجنب المغرب الوقوع في بعض المثطبات، لكونه معروفا على الصعيد الدولي، وله رصيد تاريخي، بالإضافة إلى أنه كان رجلا اجتماعيا
وأرى أن على حزب الاستقلال استلام وزارة التربية الوطنية والعدل، لأنهما في حاجة إلى إصلاح كبير، وهذه هي نقاط الضعف التي انزلق فيها الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إذ لم يقم بأي شيء في هاتين الوزارتين.
ولا ننسى أن جلالة الملك أكد على هذين المرفقين، فهذا هو الإصلاح الكبير، وبالتالي فإننا ننتظر الكثير من عباس الفاسي بخصوص هاتين النقطتين، فلا أحد الآن ينسى ما وقع.
ولا أعرف إذا كانت الأغلبية نفسها ستستمر في قيادة دفة الحكومة المقبلة، فعودتها أمر وارد إذا كانت هناك إرادة سياسية باستثناء ما إذا تبين للاتحاديين بأنهم سيذوبون في الحكومة، وبالتالي لن يبقى منهم شيء في الانتخابات المقبلة، فإذا بقوا فإنه من المرجح أن يندحروا أكثر في المستقبل.
فهذا الحزب يجب أن يظهر بأن لديه أشياء جديدة، لأن ما كان يتميز به في الماضي فقده، وإذا استمر في التشكيلة المقبلة سيزيد فقدانه أكثر .
وبالنسبة إلى الجانب الاقتصادي، فإن أكبر التحديات التي تنتظر حكومة الفاسي تتمثل في الإصلاح الضريبي، فلا يمكن للدولة أن تقوم بسياسة اقتصادية قوية، كما لا يمكن للمملكة التوفر على طبقة متوسطة شاملة التي ستكون ركيزة هذا المجال، دون أن يضع ضمن أولوياتها اتخاذ إجراءات معقولة لكسب هذا الرهان، تبدأ بمواجهة من لا يؤدي الضرائب والقطاع غير المهيكل وتخفيضها على الشركات.
وهناك تحد آخر يهم المجال السياحي، فيجب على المغرب التحكم في توازناته الاقتصادية لجلب أكبر عدد من السياح بمواصلة اعتماد أثمان مناسبة تشجع تدفقهم على بلادنا
فعدد من الأوروبيين من الفئة العمرية الثالثة يستقرون في المملكة لأن راتب تقاعدهم يمكنهم من العيش هنا في مستوى لا بأس به .
كما أن المغرب مطالب بوضع حد، في أقرب وقت، للفقر والبؤس اللذين سيتسببان في الكثير من الأشياء، من جملتها أن السياحة ستتأثر كثيرا بهذه المعضلة، إلى جانب الاهتمام أكثر بالجوانب الأمنية.
ومجمل القول، يجب تأهيل الميدان الاقتصادي أكثر، لأن هذه العملية لم تعط ثمارها لحد الآن، إلى جانب أننا ملزمون بأن نكون في الموعد خارجيا مع الدول التي تربطنا بها اتفاقيات مهمة في هذا المجال حتى لا نفقد مصداقيتنا وتضيع علينا الكثير من الفرص
غير أن هذا لا يمنعني من طرح تساؤل حول ماهو البرنامج الذي ستطبقه الحكومة من برامج الأحزاب التي ستكون مشكلة للأغلبية.
وأرى أنه من الضروري إعطاء تصريح حكومي في الأول يعلن فيه الفاسي عن برنامجه، وأتمنى أن تكون في المملكة أحزاب مستقلة.
(باحث ومحلل اقتصادي)