الكتاب في زمن الإنترنت

هل سيبقى المصدر الأول والأخير لاكتساب المعلومة

الأربعاء 12 شتنبر 2007 - 12:10

إن أخطر سلاح نووي يعانيه الوطن العربي هو العزوف الفظيع عن المطالعة، علاقة متوترة هي التي تجمع العرب بالكتاب، وهي علاقة تكاد تكون تنافرية لا تستجيب البتة للتغيرات.

التي تطبع زمن الحداثة، زمن تظل فيه الثقافة والمعلومة سيدة الموقف، مع موجة الفضائيات والإنترنيت وكل الوسائل التكنولوجية التي تروج للمعلومة، لم يعد الكتاب يحظى بتلك القيمة ولا بتلك المكانة، باعتباره المصدر الأول والأخير لاكتساب المعلومة ولتوسيع رقعة الإدراك في جميع المجالات والميادين، تماهيا مع التحولات التي يعرفها العالم، تقول فاطمة 24 سنة : المعلومة والثقافة لم تعد حكرا على الكتاب، فقد شكل فضاء الانترنيت وسيلة سهلة، وأحيانا مجانية للمعرفة، إضافة إلى كل الفضائيات ...ملايين المعلومات والأخبار تتردد على مدار 24 ساعة، فلا داعي لاقتناء كتاب يأخذ من وقتي ومن جيبي أيضا

حتى المؤسسات الثقافية والعلمية أصبحت تتعامل بالنشر الإلكتروني، حيث أضحت أمهات الكتب والمراجع جاهزة على المواقع المختلفة على شبكة الإنترنيت والإصدارات الحديثة من الكتب في مجملها لها طبعات إلكترونية، يقول سعيد 30 سنة : آخر ما أفكر فيه شراء كتاب، الكتاب لم يعد موضة العصر، فهو يرتبط بجيل وبزمن ولى، نحن جيل العولمة وعلينا أن نتعاطى مع وسائل الحداثة، لذا فالإنترنيت أسهل وأحسن وسيلة للتثقيف، مع (كوكل(كل شيء بين يديك دون أي عناء، إنه أسهل تعاملا وحيوية من الكتاب
إن ولوج أي مكتبة من شأنه أن يبرز وبجلاء مخاصمة الكتاب، وإذا حصل ووجدت أحدهم يتناول كتابه بين يديه وقد رسمت على محياه ملامح رافضة لهذه الوضعية، فتأكد أن مكره أخوك لا بطل تقول سامية 23 سنة طالبة : بالنسبة إلي حضوري للمكتبة أمر ملح وضروري واضطراري أيضا، لو أرجع الأمر لي لما كانت المكتبة وجهتي، ولكن بحث التخرج يتطلب معلومات دقيقة ومفصلة وهي تتطلب وقتا طويلا الشيء الذي دفعني للانخراط ضمن قائمة مرتادي هذه المكتبة ومع ذلك فقدومي إلى هنا ليس منتظماالأمر ممل جدا
كثيرة هي المسببات التي تكرس الهوة بين الكتاب والقارئ، فقد يتعلق الأمر بالظروف، وأحيانا أخرى بالتربية الثقافية في حد ذاتها، يقول مصطفى 45 سنة : عندما نتحدث عن المطالعة فنحن نتحدث عن مسألة العادة والتعود، لا يمكن للطفل أن يحب ويتعلق بالكتاب إذا لم ينشأ في أسرة مولوعة بالكتب، الطفل ينمو في جو مشحون بالأجهزة الإلكترونية التي تصدر أشياء مجانية صباح مساء، قد تكون ذات طابع إيجابي أو سلبي، وأكيد أن هذا الطفل سيلجأ لما هو إلكتروني ويضيف بنبرة حادة لا تخلو من عتاب وحتى المدرسة لا تشجع التلاميذ على المطالعة، أغلب المؤسسات التربوية تفتقر للمكتبات ولقاعات المطالعة، وفي حالة توفرها، فالطفل لا يستفيد من هذه الكتب، لأنها توظف كديكور وكماليات فقط

والملاحظ أن العنصر الأجنبي يتعلق بالكتاب كتعلق الطفل بأمه، عكس العنصر العربي الذي نجده دائما يختبئ وراء مبررات غير مقنعة، و يعتبرها سببا مباشرا لهجران الكتاب وتصفح أوراقه .

يقول عبد الإله 26 سنة طالب : أتمنى فعلا أن تكون لي مكتبة خاصة، أضمنها جملة من المراجع التي أميل إليها، لكن غلاء الأسعار و المحدودية المادية تحول دون ذلك، فالطالب العادي لا يمكنه بتاتا إنشاء مكتبة خاصة في ظل انعدام سياسة التحفيز على القراءة، أولها تخفيض الأسعار الصاروخية في ثمن الكتاب مع مراعاة جودة المادة العلمية أو الأدبية المطروحة في السوق .

قد يؤثر غلاء بعض الكتب على نسبة القراءة وبالتالي تدني المستوى الثقافي للمواطن، ولكنه ليس سببا رئيسيا في ذلك، إن المسألة تتعلق بجهل الجيل بأهمية الكتاب
إن آخر الإحصائيات لعام 2005 تشير إلى أن معدل نشر الكتاب في العالم العربي لم يتجاوز نسبة 7 بالمائة، وأن نصيب كل مليون عربي من الكتب المنشورة في العالم لا يتجاوز الثلاثين كتابا، مقابل 548 كتابا لكل مليون أوروبي و 212 لكل مليون أميركي حسب تقرير منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة والتربية (اليونسكو) ما يؤكد أن مستويات القراءة في العالم العربي متدنية جدا مقارنة بالمعدلات العالمية.

نظرة خاطفة في فضاءات الإنترنيت، كفيلة لإيجاد أجوبة شافية لكل التساؤلات حول أسباب تراجع المطالعة، كل شاب أو شابة تجده قابعا في ركن أو جانب من )السيبير(،كما يسميه أغلبيتهم غير آبه بما يجري حوله، وربما تحسبه مغمى عليه نتيجة ما يتلقاه من موجات معلوماتية لا تعد ولا تحصى، كل يجني ما تشتهي نفسه مما لذ وطاب لها، وكثيرا ما يتخلص أغلبيتهم من عبء الثقافة والتثقيف كما أكد البعض، إذ يكتفي بالغوص في بحر التعارف والدردشة بنكهة عالمية، غير آبه بوقته وبالقيمة المادية التي يؤديها مقابل جلوسه أمام جهاز الكمبيوتر، حتى إذا انتهت المدة التي دفع قيمتها لم يخرج بفيض من المعلومات ولكنه خرج بفيضان جارف بالعناوين الإلكترونية التي لا تشبع ولا تغني من جوع على حد تعبير أحد الشباب الذي بدا أكثر جدية في تعامله مع جهاز يعتبره كائنا ينبض بالحياة والعلم يقول عبد الحق 30 سنة موظف : « لا يمكن لأحد أن ينفي أو ينكر إيجابيات الإنترنيت ومزاياها بالنسبة إلى كل فرد قادر على التعامل معه، الصديق قد يتخلى عن صديقه أحيانا لكن الانترنيت صديق وفي لا يتخلى، إن أنت سألته أجابك بلا تردد أو مراوغة أو تحفظ، وإن عجز عبر لك عن السبب بلطف وأدب، للأسف نحن العرب لا نحسن التعامل والاستفادة من بعض الأشياء، بل تجدنا دائما نبحث عما يكرس فينا التخلف والجهل، الأغلبية تجدهم يدخلون مواقع مخلة بالأخلاق أو يدخلون في علاقات مجانية محكوم عليها بالفشل حتما ويضيف »لا فرق عندي بين الانترنيت أو الكتاب الأمر عندي سيان الأساسي هو الاستفادة ولكل وسيلة نكهتها الخاصة القراءة لحظة مهمة أهرب من خلالها عن مشاكل الحياة.

سيطرت الانترنيت، سيطرة واضحة المعالم جلية التأثير، خطفت أفكار جيل تشبع بكل ما هو إلكتروني، وطفت عليه معالم الانبهار بأجهزة سمتها السرعة وتقديم كل ما هو جاهز لا يستهلك الذهن أو المجازفة بالوقت الذي أضحى عملة ناذرة في زمن لا يعترف إلا بالسرعة .

قد تختلف الوسيلة لكن الهدف واحد، كما قد تختلف الأذواق لكن الهدف أيضا واحد، المطالعة والانفتاح على العلم والتثقيف سيد الموقف في الحالتين يقول أحمد 27 سنة : كثيرة هي الوسائل في عصرنا الحالي التي تسوق وتتاجر في المعلومة بجميع أصنافها ، ولكل وسيلة طابعها ونكهتها الخاصة، إلا أني لا أجد أروع ولا ألذ من المطالعة ، الكتاب كان ومازال وسيظل صديقي وأنيسي في كل زمان ومكان أنا أعشق وأتنفس المطالعة ...




تابعونا على فيسبوك