وهو يعارك الموج من بحر العرب الى بحر الصين

سيف الرحبي يلقي التحية على قراصنة ينتظرون الاعصار

الإثنين 03 شتنبر 2007 - 08:52

من عمان هذا الصوت المكتظ بالعذاب، يطرح علنيا سيف الرحبي الصوت المرتجف رعباً والممعن في الهجوم والمباغتات، منذ أن بدأ مشاغبته مع الكتابة جديده المبحر في دنيا الألم الانساني.

يعد سيف الرحبي أحد الشعراء الحداثيين الرواد في الوطن العربي عامة وفي منطقة الخليج خاصة وكتابته تنتمي تصنيفا إلى شعرية الحساسية الجديدة ومجايلة على حقبة السبعينيات .

وفي سياق التجربة الشعرية التي برزت في حداثة السنوات العشرين الأخيرة، سوف يبدو سيف الرحبي صوتاً حمل قدراً منسجماً من الجرأة مع جرأته الفكرية تلك الجرأة التي رشحته للاتصال المباشر بعناصر اللغة الشعرية الجديدة.

وربما يمكن القول أنه الوحيد الذي نجا بتجربته من سلطة التقليد الحديث، التي تمثلت في الوزن، التفعيلة، والتي عرضت بعض التجارب لمعاناة التأرجح بين الوزن والنثر في النص الواحد، رغبة في استغلال أقصى طاقات التفعيلة في تجارب جديدة، وحيناً آخر بغير إدراك ظناً أن هذا الشرط هو الذي يرشح القصيدة لأن تكون الأساسية الأخرى

سيف الرحبي شاعر عمان الاول، في مجموعته الصادرة حديثاً عن دار النهضة العربية في بيروت، بعنوان سألقي التحية على قراصنة ينتظرون الإعصار
يقدم لنا ثلاثة نصوص مطوّلة يفرد لها 79 صفحة من القطع الصغير
أولها بعنوان الكتاب نفسه
ثانيها : موسيقى اليمامة الهاربة من سطوة الهاجرة
ثالثها : كقطيع كباش بيضاء أثخنها الهياج
يمارس فيها سيف الرحبي، هوايته المفضّلة، على الأرجح، وهي استعادة الزمن العربي من وراء القضبان التي أُقحم خلفها زوراً وبهتانا، ومن ثم قهراً وتدجيناً، وبعد ذلك تعذيباً لحمله على الاعتراف بشهادات كاذبة.

لا نلحظ، في هذه النصوص، على الأغلب، ما يحملنا على الاعتقاد بأن الشاعر يستمتع بإلغاء الزمن العربي واعتباره عظاماً لجثة مهترئة ضاع مثواها الأخير
لا يتنكر للزمن العربي بوضع الرأس في الرمال المالحة
لا يبدأ من فراغ في المكان والزمان
ولا رغبة لديه في أن يخترع مرادفاً لهذين الإثنين
ليس عدمياً، على هذا الأساس
ولا يستلهم أدواته الشعرية من ذاكرة مغرقة في الانتحار الإرادي
ولا يسطّر بلاغات في حتمية الموت الآتي الى الشرق العربي
ولا يبشر بالخديعة الكبرى ومشاهد يوم القيامة
ولا يترقب الجراد الزاحف من أعماق الذات المتشققة على إيقاع العطش الأبدي
لا يفعل شيئاً من هذا القبيل
كما لا يمضي أوقات فراغه في المقابر ليرثي الحشرات، متأملاً الأشباح التي تبحث، من دون جدوى، عن أعينها الهاربة
سيف الرحبي في ديوانه الجديد هذا يرفض البائد من الموروث البالي، يخلع معطف التاريخ عن جسده ويجلس في حديقة الحرية، محلقاً مرحاً كريشة طائر، لا يحمل إلا تيه اللحظة في الفج العميق : حين اجلس اليك اخلع معطف التاريخ وزر البشرية اخطاء الالهة في الولادة والموت اجلس محلقا مرحا كريشة طائر لاتحمل الاتيه اللحظة في الفج العميق
هذا الشاعر عاشق البحر والطيور والأمكنة يؤرقه الانتظار ويجرح حناياه الرحيل
حمل قلمه وسرب إلى لحظة البحر، لحظة الانكسار وثقل الليل، ففي هدوئه صرخة ما, وفي صمته صراخ الذات الراعفة بالرفض لكل ما يسيء إلى الإنسان والحياة والوجود
في جديده يلقي التحية ويحلم بغيمة تعبر صحو وجوده
يقول : ها أنت أيها الغربي قد عدت إلى مرابع الطفولة بعد أن وصلت أطراف النهار بآناء الليل حالماً بالعودة بعناق النجم المضيء على شرفة الطين والنخلة التي زرعتها اليد المباركة للملاك
إنه الشاعر المغرد خارج سرب شعراء الخليج

يطلق العنان لقصيدته النثرية ويرى الزمن الجميل الذي غرب من غير رجعة وترك ورثة أكثر مأساوية وقتامة
ينطلق سيف الرحبي في بحثه المضني عن الزمن العربي من الزمن العربي نفسه
من تلك اللحظة النائية التي تاه فيها هذا الزمن وهو يبحث عن صداه المتنقل بين الجبال البعيدة
الزمن العربي المرتقب هو ذلك الكامن في أقاصي الروح
شد الرحال إليه هو المهمة المستحيلة التي تجعل منه أمراً ذا مغزى
تحيل الإنسان العربي سندباداً معاصراً يلقي نفسه في المتاهة الغامضة
يتلمّس نفسه في متاهة نفسه .

يسعى الى اكتشاف الأشياء في بريقها الأول قبل أن تتشكل في بلاد الأفاعي والأرواح التي هجرت مدافنها للتو .

صحيح أنه يعلن عصيانه على الزمن العربي، والمدينة العربية، والإنسان العربي
غير أنه لا يقدم، أبداً، على عرضها للبيع في المزادات العلنية
يكتب قائلاً : في الليل الفاحم البليد ليل المناجم والرق استيقظ مهرولاً نحو الصالة مهوّماً كمن يمشي في نومه على حافة سطح ولا يهدأ روعي إلا بتأمل ذلك العناق النوراني في بهو النافذة.

أرض كاذبة المدينة في نصوص الكتاب هي الأكثر تعبيراً عن تعثّر الزمن العربي، والأغلب ترهّل الزمن الإنساني برمته : (جنازة واحدة وإن تنوّعت الأماكن والطقوس ـ جنازة البشرية جمعاء ـ يدحرجها الطغاة والجلادون الى منفاها الأخير ) إحدى الإشارات القوية في الكتاب الى متاهة الثقافة الانسانية كلها.

يرتقي الشاعر بالزمن العربي والمدينة العربية الى حيث يدرجهما في سلسلة السقوط الكبرى للانسان المعاصر، ومع ذلك، يبدو معنيا، بالدرجة الأولى، بتحولات الذات العربية وهي تتكبد المشاق في رحلتها المرهقة من متاهة الى أخرى : قارب هرم مهشم الاضلاع يشبه صاحبه السكران ـ مبحراً في ليل البحر وخطر الحيتان ـ نحو الجزر التي شهدت طفولة القارب والإنسان.

من المتاهة الى المتاهة انها الرحلة اليومية، على الأغلب، التي يقطعها الشاعر في حلمه بحثاً عن التوهج، واستشرافاً لذلك التوحد مع الذات، واستنهاضاً للرؤيا المتعبة يقصد فيها الشاعر الجزر التي لا وجود حقيقياً لها الا في محيطات الذاكرة
غير ان قاربه متعب لا يصلح لابحار قاتل من هذا النوع بصحبة الحيتان ومع ذلك، يزمع على الرحيل بديلا من السقوط في متاهة المدينة المسكونة بأشباح السماسرة
من متاهة المدينة الجوفاء الى متاهة الابحار في الليل الدائم، على ايقاع التجرؤ على اقتحام مخاوف الذاكرة .

المتاهة في كل الأمكنة، في كل الأزمنة، في كل المدن التي تحولت مقابر للاحياء ومساكن للأموات.

لا شفاء من المتاهة الا بالمتاهة، يأخذنا الشاعر الى لب المتاهة حيث الجزر التي تنبعث منها رائحة القلق وظلال الخوف المدفون في ارضها الغامضة .

استفزاز مرهف للرؤيا الشعرية وهي تنتقل من رعب الى آخر، من دهشة الى اخرى، من موت محقق الى آخر، غير ان سيف الرحبي لا يعلن استسلامه للمتاهة.

ولا يترقب موته بين لحظة وأخرى، ولا يطبع شهادة وفاته مسبقاً، على النقيض من ذلك، نراه ينفذ بجلده، بأعجوبة، بدفق الرؤيا التي راح يبحث عنها في طفولة القارب والانسان
يصبح الزمن العربي الذي يستولده الشاعر في ذاكرته مدعاة للحياة وسط مشاهد الخراب.

يتحول الزمن، في هذا السياق، الى استيلاد داخلي للانسان الباحث عن ظله في غابة من الظلال.

يكتب في نص آخر : على الشرفة اياها ينبلج فجر من احشائي أرى جزراً وطيوراً تحلق في النعيم ألمح الراعي يلتقي ثبوره بعد ان ضاع في ظلام الوجود الرؤيا تميت وتحيي قصائد سيف الرحبي في هذا الديوان تتصف أولاً باقتحامها للفضاءات الرحبة الواسعة
إنها نوع من امتداد لا يتوقف عند حدود الأفق، لذلك تتميّز بغياب التكثيف الذي أعطى فسحة لاستراحة البصر التخييلي لدى القارئ، فيسرح في مساحة الصورة الواسعة
بهذا المعنى، يمكن القول إن النص ينبع من راحة داخلية لدى الشاعر، من تمكّن يشبه الاستسلام لشمس الشاطئ، أو لعله يخرج من صفاء اللامبالاة أو من فضاء داخلي شاسع يحاكي الصحراء في امتدادها.

بكلمات أخرى، يكتب سيف الرحبي اليومي بما هو فعل أرق نهاري، يجدّ في البحث عن تفاصيل ونتوءات وتمايزات، سرعان ما يذيبها في بعد واحد هو البعد الأفقي الذي يرمز ربما إلى مصالحة ما مع الذاكرة، إلى حكمة »ما بعد العاصفة.

فهو يتعامل مع مشاهد الطبيعة حوله فيحوّلها لوحات زيتية ذاتية مقتطعة من زمنها من دون الوقوع في شرك الرومنتيكية، فيقول عن زهرة الأوركيد مثلاً إنها »عادت بعد مأتمها الطويل/ لتغني مع عصافير الحديقة.

تلك العصافير، العائدة بدورها، هي اختصار لليومي لأنها تحمل الفصول بين أجنحتها
سيف الرحبي شاعر ينظر إلى الترحال والسفر في تحققه الواقعي، وهو ليس قليلاً عنده، فهو ضمن جيل وجد نفسه في تيه المكان وتيه الأفكار التي تصدعت معاييرها وشعاراتها على صخرة وقائع التاريخ العربي والعالمي من غير رحمة، فكان البحث في أنقاض المكان واللغة هاجساً أساسياً له ولجيله الذي وقف على الأرجح في بعض نواحي كتاباته الإبداعية المريرة.

وبجانب هذا الترحال المكاني، هناك الرحيل الأكثر خطورة نحو الداخل في تضاريس النفس وجوانبها المظلمة، الشاعر يمضي في خضم هذا الرحيل المكاني والشعري والحياتي مليئاً بالخوف والذعر والارتباك، فليس هناك من بوصلة تعين على تحديد الأفق والاتجاه : إننا نمضي مرتجفين في متاحة لا تعيننا لا سقف لها ولا قرار

في مجموعته الجديدة هذه ليس هناك موقف عدم اولامبالاةنجد شاعرا ملتزما حد التورط يمد يده مصافحا قراصنة هذا العالم وهم ينتظرون لحظة الاعصار.

ولد سيف الرحبي عام 1956م في قرية سرور ) سمائل، سلطنة عمان
ـ درس في القاهرة وعاش في أكثر من بلد عربي وأوروبي
عمل في المجالات الصحافية والثقافية العربية
ترجمت مختارات من أعماله الأدبية إلى العديد من اللغات العالمية كالإنكليزية، الفرنسية، الألمانية، الهولندية، البولندية وغيرها
من أعماله : 1
نورسة الجنون، شعر دمشق 1980، 2. الجبل الأخضر، شعر (دمشق 1981(، 3
أجراس القطيعة، شعر (باريس 1984)
4
رأس المسافر، شعر ) الدار البيضاء، 1986). 5.مدية واحدة لا تكفي لذبح عصفور، شعر (عمان، 1988). 6.رجل من الربع الخالي، شعر (بيروت 1994)
7 . ذاكرة الشتات، مقالات، (1991)
8 منازل الخطوة الأولى، نثر وشعر (القاهرة،1993(
9 يد في آخر العالم، شعر، (دمشق، 1988(. 10.حوار الأمكنة والوجوه، مقالات، )مسقط، 1999).

11 الجندي الذي رأى الطائر في نومه ـ دار الجمل ـ ألمانيا ـ 2000
يعمل حالياً رئيساً لتحرير مجلة نزوى الثقافية الفصلية التي تصدر في مسقط




تابعونا على فيسبوك