أصدر محمد اليازغي الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية كتابا بعنوان البديل الديمقراطي، من المعارضة إلى التناوب«، قدم له محمد الحبيب طالب.
الذي كتب في مفتتحه يقول عندما شرفني الكاتب الأول للحزب، الأخ المناضل محمد اليازغي بوضع مقدمة لهذا الكتاب، كان هذا مدعاة لي للشعور بالاعتزاز وبحميمية الرفقة النضالية، لكنني أحسست أيضا بحجم المهمة وثقل المسؤولية، فأنا أمام نصوص لمناضل من عيار وازن، لم يكتبها استجابة لدافع في الكتابة بحد ذاتها، وإنما لدواع نضالية، لها أحكامها وأساليبها وقيمها الخاصة، وفي الآن نفسه، فأنا أيضا، أمام منتوج، كيفما كان دور الشخص فيه، فهو في النهاية نتاج لوعي جماعي، يمثله هنا، ما يمثله الاتحاد الاشتراكي من رصيد تاريخي نضالي ضخم، وعلى أية حال، فإن ما يشفع لي هذه المحاولة، أن التقديم، كما هو في المعتاد، لا يبتغي أن يستوفي كل مضامين ما يقدم له، ولا أن يتطلع الى أن ينوب عن كل ما ينطق به النص نفسه ففي أغلب النماذج، لا تتعدى أهداف التقديم الإشارة أو التلميح إلى هذا الجانب أو ذاك، أو الى المضمون العام في عناوينه الكبرى، لمساعدة القارئ في ما يريده صاحب الشأن، وما أمكن للمقدم أن يراه أو أن يميزه عن غيره، تاركا للقارئ متعة الاستكشاف والممارسة الذهنية على طريقته.
ويضيف، في تقديمه هذا، إلى أنه يمكن للقارئ من خلال هذه المجموعة من النصوص أن يأخذ فكرة مركزة ودقيقة المبنى والمعنى عن تلاوين تطور الاختيار الديمقراطي لدى الاتحاد على امتداد الأربعين سنة المنصرمة .
والكتاب عبارة عن مجموعة من النصوص تمثل سيرورة نضالية توثق لتطور الخيار الديمقراطي لدى الحزب طيلة أربعين سنة من الممارسة الديمقراطية، انتقل فيها من المعارضة إلى التناوب والمشاركة في تدبير الشأن السياسي داخل المغرب.
ويستعرض الكتاب الذي يتضمن بين دفتيه العديد من كتابات محمد اليازغي، الذي يكتب ويفكر وهو في عمق وصلب الفعل الميداني، سياسيا ووطنيا، من الدفاع عن قضية وحدتنا الترابية إلى تثبيت القيم الديموقراطية.
وهو كتاب يقع في261 صفحة من الحجم المتوسط، ضمن نصوص تراتبية أهم الأسس التي تقوم عليها رؤية الحزب للمسألة الديمقراطية ونظرته للمجتمع الحداثي وتصوراته الإصلاحية للمستقبل.
وتتمحور هذه النصوص بحسب تسلسلها الزمني والمحطات النضالية، التي أفرزتها حول ثلاث دوائر رئيسية تهم دائرة التوافق والتجربة الحكومية والبرنامج الإصلاحي، ودائرة البعد الحضاري والجيو سياسي، ودائرة قضايا البناء الحزبي وتحالفاته.
ففي حديثه عن الانتقال الديمقراطي وتجربة الحزب ضمن حكومة التناوب، اعتبر اليازغي أن حزبه تمكن من أن ينقل »ثقافة الديمقراطية من مجال المعارضة إلى مجال التدبير الحكومي، موضحا أن مهمة الحزب كانت تغيير توجهات التسيير الحكومي، وإرساء قواعد جديدة لتأهيل الوطن والمواطن، حتى نتمكن من الشروع في الانتقال بخطوات ثابتة نحو المستقبل.
وأبرز أن الإصلاح والتحديث لم يكن مختزلا لدى الحزب في الإشكالية الدستورية وحدها وإنما كان يوسع مجال الإصلاح ليشمل مختلف المجالات التشريعية والتنظيمية والآليات الإدارية والمؤسساتية التي تحكم تدبير الشأن العام في المغرب.
كما يتضمن الكتاب أيضا تحديدا لمواقف الحزب من مجموعة من القضايا التي تشكل الراهن السياسي داخل البلاد، ومنها بالخصوص قضية الوحدة الترابية وموقف الحزب من مشروع الحكم الذاتي للصحراء المغربية.
كما يحدد الكتاب موقف الحزب من المسألة الاجتماعية، انطلاقا من منهجية الاشتراكية الديمقراطية، وحاول اليازغي من خلال المحطات النضالية التي تمثلها نصوص الكتابة أن يقدم إجابة للإشكالات والإكراهات التي تعترض سبيل الحزب في ممارسته السياسية، سواء ضمن الفريق الحكومي أو كحزب يمتلك مرجعية نضالية تخول له الإسهام في تحريك الحقل السياسي الوطني.
ويبرز اليازغي أن الإصلاح والتحديث لم يكن مختزلا لدى الحزب في الإشكالية الدستورية وحدها وإنما كان يوسع مجال الإصلاح ليشمل مختلف المجالات التشريعية والتنظيمية والآليات الإدارية والمؤسساتية التي تحكم تدبير الشأن العام في المغرب محمد اليازغي البالغ من العمر 68 عاماً، عايش كل القيادات الحزبية خلال السنوات الماضية، واختبر كل المحطات النضالية لحزب القوات الشعبية بداية من الانشقاق عن حزب الاستقلال الى مرحلة التأسيس ومن مرحلة الاختيار الثوري إلى مرحلة البديل الديموقراطي كخيار واستراتيجية لاتراجع عنها للحزب، الذي توج كاتبا أول لـه ، ساهم في جميع محطاته النضالية ومعارك الحفاظ على هويته وخياراته، شارك في كل مؤتمراته، وعانق مناضليه بمختلف الفروع، بالقرى والمدن وقد لاتوجد منطقة من المغرب لم تطأها قدمه أو لم يصدح بها صوته.
خريج المدرسة الوطنية للإدارة في باريس التي خرَّجت كبار رجالات الدولة الفرنسية، امتهن المحاماة وبرع فيها، وهو اليوم وزير إعداد التراب الوطني والماء والبيئة في الحكومة المغربية.
ولد محمد اليازغي في ثمانية وعشرين شتنبر من سنة 1935 بفاس وبها أنهى تعليمه الابتدائي قبل أن ينتقل على الرباط التي أكمل فيها دروسه الثانوية وحاز فيه الإجازة في الحقوق، ومنها انتقل إلى باريس كطالب بالمدرسة الوطنية للإدارة، وبعد تخرجه فيها عمل محاميا بالعاصمة الفرنسية ومنذ 1968 وهو يزاول المهنة نفسها بالرباط.
تقلد اليازغي مسؤولية رئيس مصلحة ميزانية التجهيز بوزارة المالية في عهد حكومة عبد الله ابراهيم، الحكومة التي أسست اقتصاد المغرب الحديث ودشنت أهم بنياته التحتية والإنتاجية.
في منتصف السبعينيات كان اليازغي من ثلة المناضلين الذين حضروا للمؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، المؤتمر الذي تبنى استراتيجية النضال الديمقراطي، وحدد بكل وضوح خيارة الإديولوجي ومشروعه المجتمعي، وهي الوثيقة التي صاغ أرضيتها الأولى ومحاورها الأساسية الشهيد عمر بنجلون، وإلى جانب مساهماته الفكرية في هذه الوثيقة، صاغ اليازغي التقرير التنظيمي للحزب، الذي يعد من أبرز أدوات بناء الاتحاد وهيكلته، وطيلة أكثر من نصف قرن ارتبط اليازغي بالآلة التنظيمية وبقضايا الاتحاد الاشتراكي وشغل عضوية المكتب السياسي وفي سنة 1991 أنيطت به مسؤولية الكاتب الأول بالنيابة وحين اغتيل عمر بن جلون في دجنبر 1975 أصبح اليازغي مديرا لجريدة المحرر التي منعتها السلطات من الصدور إثر أحداث 20 يونيو 1981
شغل اليازغي عدة مسؤوليات إلى جانب مسؤولياته الحزبية، ومنها الكاتب العام للنقابة الوطنية للصحافة المغربية ما بين سنتي 1977 و 1993، ونائبا برلمانيا منذ 1993 بالقنيطرة والرباط
ومع حكومة التناوب التي شكلت سنة 1998 تقلد اليازغي حقيبة وزارة إعداد التراب والسكنى والتعمير والبيئة، وشهد القطاع الذي أشرف عليه عملية حوار وطني شارك فيه المسؤولون المحليون والجهويون والوطنيون بالجماعات المحلية والقطاعات الحكومية والمعاهد والمجتمع المدني، توج بالمصادقة على الميثاق الوطني لإعداد التراب، وهو اليوم وزير إعداد التراب الوطني والماء والبيئة .
ويختتم محمد الحبيب طالب تقديمه للكتاب باستشراف المستقبل مستقبل الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية تحت قيادة الكاتب الأول محمد اليازغي وفي ضوء الاستحقاقات الراهنة بالقول لقد تخطى الاتحاديون مرحلة النقاش التمهيدي، الذي كان ضروريا لفهم طبيعة المرحلة الانتقالية التي سيخوضون غمارها، وهم واثقون اليوم، أنهم سيقدمون للرأي العام الوطني حصيلة إيجابية في كافة المجالات، وبدون ان يغفلوا لاعن النواقص ولا عن الخصاصات الاجتماعية التي مازالت تنتظرهم في المرحلة المقبلة، شغلهم الشاغل اليوم، التفكير في المستقبل، في برنامج المرحلة المقبلة لما بعد استحقاقات 2007، والذي من شأنه ان يرسخ المكتسبات المنجزة، وان يؤسس لانطلاقة تنموية أعلى، ولقد أطلق الاتحاديون على هذا البرنامج من أجل جيل جديد من الاصلاحات واضعين فكرة التعاقد مع الناخبين شرعة لهم.