بآلة خياطة متهالكة وكيس من الإبر وخيوط يواجهن الحياة

نساء يفترشن الرصيف ويعرضن خدماتهن بحثا عن قوتهن اليومي

الجمعة 24 غشت 2007 - 08:48
خدمات في الهواء الطلق مقابل دريهمات لسد الرمق

لن تتعب كثيرا في إيجاد شحناتهن الداكنة في تجمعات يثقلها الصمت والرتابة، فهن يجلسن في أزقة ضيقة قرب التجمعات التجارية الشعبية في الدار البيضاء، سواء بقسارية الحفاري أو الحي المحمدي أو سوق درب غلف.

يضعن أمامهن آلة خياطة متهالكة، تنفع كقطعة أثرية في متحف الصناعة التقليدية، وإلى جانبها مقص وإبر من كل الأحجام وخيوط بألوان الطيف، وكيس أزرار بلاستيكي مكوم على الجانب، وقطع أقمشة مختلفة الأنواع منثورة هنا وهناك، والكثير من الأسى والحزن يملأ شحناتهن الشاحبة المصبوغة بلون الشمس الداكن.

يتجمعن في صمت أمام آلاتهن اليدوية، مشكلات بذلك ورشة عارية أرضيتها الرصيف، وسقفها السماء المحترقة بلفحات شمس غشت الملتهبة، في انتظار "مشروع زبون أو زبونة" تتلقفه الألسن بالنداءات والإغراءات محاولات تحفيزه وتشجيعه وإبراز مهارتهن في حرفة أتقنها بالوراثة، ليترك لصاحبة النصيب، الخياطة المحظوظة، قماشه أو لباسه الممزق والملفوف في ورقة جريدة.

إذ بمجرد ما يترأى خيال زبون حتى تتغير رتابة المشهد الثابت، ويبدو المكان أكثر حيوية ونشاطا بعد ساعات الخمول والانتظار الطويل، الذي يثقل جفون بعضهن فيتسلل النوم ليكبس عليهن، وترتسم على تقاسيم وجوههن المصبوغة بلفحات الشمس ابتسامة، فرحا لما يمكن أن تفوز به إحداهن إذا استطاعت استمالة الزبون، ليقدم ما يحمله من قماش، إذا اختارها ضمن مجموعة من حوالي 30 خياطة، ومقابل هذه الخدمة التي يقدمنها، لا تتجاوز بضع دريهمات في بعض الأحيان، وقد تصل في أحسن الأحوال إلى عشرة دراهم.

وتشتد المنافسة بين الخياطات في استقطاب الزبائن لتتحول كلمات الإغراء والتشجيع المعسولة إلى كلمات إهانة وقذف، تتلقفها الخياطة التي وقع عليها اختيار الزبون وقدم قماشه لها.

ويعود المشهد الثابت لصورة الخياطات ومعه الانتظار الثقيل وينتشر السكون لتشرد الأعين في ملكوت الكمبيالات المتأخرة، وغيرها من الواجبات التي تثقل كاهلهن
ويبدأ عرض شريط طويل، تتغير أحداثه الدرامية حسب الخياطة.

فلكل واحدة شبحها الذي يطاردها، يتجسد إما في مالك المنزل الذي ينتظر واجب الكراء، أو فاتورة الماء والكهرباء، أو أقساط التلفاز، أو مستلزمات الأولاد وغيرها.

وبدل خياطة الملابس يبدأن بنسج حلول لهمومهن اليومية، التي تتزايد مع اقتراب شهر رمضان، وتزامنه هذه السنة مع الدخول المدرسي، وما يستلزم ذلك من نفقات ومصاريف إضافية صعبة المنال، بسبب ضيق الحال وارتفاع الأسعار والمنافسة الشديدة التي تعيشها حرفة الخياطة.

واجبات حياتية تعد من الضروريات، تواجهها هؤلاء الخياطات، اللواتي يحتجن لمداخيل ضخمة للنهوض بنفقات الأسرة الهائلة، وسد رمق عيش الأبناء، وفي حالات كثيرة ضمان مصاريف الزوج العاطل عن العمل، أو الغائب بين جدران السجون.

تحكي أمينة، أرملة ذات الثمانية والستين خريفا، إحدى خياطات قسارية الحفاري، كيف قضت عمرها أمام هذه الآلة المتهالكة، تلتقط بالكاد مصاريف تعليم ابنتيها الوحيدتين، التي حصلت إحداهما على شهادة الإجازة في الأدب الفرنسي، ومازالت تتجرع عطالتها منذ ثلاث سنوات، بينما مازالت الأخرى تتابع دراستها الجامعية في شعبة القانون الخاص.

ورغم تقدمها في السن ومرض النقرس (الروماتيزم) الذي ينهش مفاصل عظامها لم يشفع لأمينة للإقلاع عن الجلوس في هذا المكان الذي عاشت فيه أكثر مما عاشته في منزلها.

والذي تجلس فيه طول النهار تنتظر زبونا، لا يحمل معه إلا سروالا ممزقا لا يزيد ثمن إصلاحه عن 5 دراهم »الجميع هنا يعرفني، فهذا المكان أجلس فيه باستمرار في انتظار زبون، لا يأتي في أحايين كثيرة، لأعود للفتاتين خالية الوفاض، إلا من هذه المكينة البالية التي أثقلت كاهلي.

وفي بعض المواسم تمر أيام على هذه الحال وأسكن إلى جانب آلتي انتظر رحمة الله الرزاق"، تحكي أمينة بحسرة وأسف، وتستطرد »لولا بعض المحسنين لما استطعت الصمود في وجه الكثير من المآسي التي مررت بها مع طفلتي، الحياة قاسية جدا، خاصة مع امرأة وحيدة مثلي لا حول لها ولا قوة".

ورغم اختلاف أعمار هؤلاء الخياطات واختلاف أحلامهن، فإنهن يعانين الوضعية الاجتماعية نفسها.

ففاطمة، 32 سنة، حلمت منذ صباها بزوج خلوق تتقاسم معه همومها، وتنهي معه مسار حياتها، وحلمت أيضا بإنجاب أطفال تحسن تربيتهم ليكونوا سندا لها في الحياة.

لكن سرعان ما تبخر حلمها لتصطدم بواقع مرير، عندما اكتشفت، بعد شهر من الزواج، أن الرجل الذي توسمت فيه كل الخير، لم يكن سوى بائع أقراص مخدرة أو ما يسمى بـ "القرقوبي".

ولأنه كان نزيل السجن شبه الدائم، لم يكن أمام فاطمة من خيار إلا أن تشتري آلة خياطة مستعملة، اقتنتها من جارتها، التي ألزمها المرض الفراش، ولم تعد قادرة على تحريك آلتها.

فنزلت فاطمة إلى الرصيف، بحثا عن رزقها وسط حشد الخياطات، وتقف هي الأخرى في طابور انتظار الدراهم المعدودة، التي قد يجود بها أحد الزبائن.

تقول فاطمة »في غياب زوجي أصبحت المسؤولة الوحيدة على الأسرة، فواجبي يحتم علي رعاية أطفالي الأربعة، وزوجي، الله يهديه، لا يكاد يخرج من السجن حتى يعود إليه مرة أخرى، لا خيار عندي، وأنا يتيمة، لي إخوة أوضاعهم المادية مريحة، إلا أنهم يفضلون تجاهلي بسبب زوجي، الذي تمسكت به من أجل أطفالي الصغار، لم أرغب أن يكبروا دون أبيهم رغم أنه لا يجلس معهم كثيرا".

أما ربيعة (40 سنة) رغم أن زوجها يشتغل في أحد مصانع الألبسة الجاهزة بدرب عمر، إلا أنها فضلت الخروج إلى الرصيف لتشتغل وتساعد زوجها في مصاريف البيت "لدينا خمسة أطفال، يحتاجون إلى الأكل والشرب واللباس، إلى جانب أقساط البيت الذي اشتريناه أخيرا، وزوجي عاجز عن تغطية كل هذه المصاريف، فدخله الذي يتقاضاه من عمله ليس كافيا لكي يلبي كل متطلبات الأسرة، لذلك أخذت "ماكينة" قديمة كانت أمي تملكها، وأصلحتها واشتغلت كخياطة، وهي الحرفة نفسها التي كانت تزاولها والدتي، التي ساعدتني كثيرا لأتعلم الخياطة على أصولها.

وبالفعل استطعت أن أكسب زبائن كثر في مدة وجيزة، وساعدت زوجي في الرفع من دخل الأسرة".

وتبدأ حكاية خديجة (26 سنة) مع الخياطة منذ سنوات، عندما دخلت جمعية للاتحاد النسوي لتعلم الحرفة.

وأفلحت في نيل دبلوم مصممة أزياء بكفاءة عالية، إلا أنها فضلت الجلوس وراء آلة الخياطة على الرصيف، بدلا من الاشتغال في إحدى شركات الخياطة (الكوفيكسيون)، "لم يكن لدي خيار، أبي مريض، بالكاد يتحرك وأمي تلازمه دائما، ولدي إخوة صغار يحتاجون لمصاريف كثيرة صحيح أني حصلت على دبلوم في فن الفصالة والتصاميم، إلا أني لم أرغب في الاشتغال في أحد المصانع بسبب ما سمعته من صديقاتي اللواتي اشتغلن هناك، إذ يتعرضن لسوء المعاملة من طرف الباترونات، إضافة إلى التحرش الجنسي

ونظرا لأوضاعي المادية المتواضعة، لم أستطع فتح محل خاص بي، فجئت إلى هنا، أملا في الحصول على فرصة أثبت فيها مهارتي، رغم أن المجال محدود جدا والمنافسة قوية"
الأوضاع الاجتماعية المزرية نفسها، تدفع المرأة إلى استئصال أنوثتها والجلوس على الرصيف، تحت أشعة الشمس اللاسعة، وفوق فراش أو كرسي صغير يحميها من التراب، وإلى تحمل شتى أنواع المضايقات، سواء من طرف زميلاتها أو من طرف أبناء الحي، الذين يتحرشون بالخياطات لكسب بعض النقود ليوفروا لهن الحماية اللازمة للجلوس في الشارع
ومن أجل ذلك تقيم بعضهن علاقات غير شرعية مع أحد الشباب، لضمان ولائه لها
تقول بهيجة (28 سنة)، الملقبة "بزروالة" بسبب لون عينيها الزرقاوين، "لا أخاف من أي أحد هنا، لا الخياطات ولا »الشماكرية« فصديقي يحميني، وهو شاب مفتول العضلات، عريض المنكبين، طويل القامة يهوى ممارسة رياضة حمل الأثقال، يقف دائما في الزاوية اليمنى للزقاق الذي نجلس فيه، لذلك لا يجرؤ أحد على مضايقتي، أوفر له المال وفي المقابل يحميني من أهوال الرصيف".

ولجلب أكبر عدد من الزبائن تقوم بعض الخياطات بالتودد لأصحاب محلات بيع الثوب ليوصي بهن لزبائنه، يقول أحد الباعة "من مصلحتي ومصلحتهن، فأنا أقوم بملاطفتهن وإقامة علاقات مع بعضهن ليوصين بي إلى زبائنهن، وأنا بدوري أوصي بهن وأنصح زبائني بالاستعانة بخدمات الخياطة التي تنجح في إرضائي أكثر".

أسلوب رخيص تستعمله بعض الخياطات الشابات كوسيلة لاستقطاب أكبر عدد من الزبائن الذين يحملون أثوابا من أنواع مختلفة »كالتيرغال« و»لولان« و»البوبلين« لصنع سروال تقليدي »قندريسي« بـ 10 دراهم أو منامة بـ 30 درهما، أو فستان بـ 50 درهما، أو لإصلاح لباس ممزق بـ 5 دراهم.

وتختلف التسعيرة حسب مهارة الخياطة وشطارة الزبون وأسلوبه في التفاوض لتخفيض الثمن.

وترتبط التسعيرة أيضا بالفصل، إذ ترتفع في الصيف في فترة العطلة وعودة المهاجرين المغاربة إلى ديارهم، لتنخفض في باقي السنة، حين يقل الزبائن وتطول ساعات الانتظار دون عمل.

رغم الأوضاع الاجتماعية التي لا تحسد عليها الخياطات، فإنهن مطالبات بإثبات "ولائهن" للسلطات المحلية من خلال المشاركة في المناسبات والأنشطة التي تنظمها هذه الأخيرة في الأعياد الوطنية لتغطية العنصر البشري المفترض وجوده في مثل هذه التظاهرات.

والخياطات ملزمات بتلبية أي دعوة سواء من طرف العمالة أو المقاطعة لتخول لهن السلطات "امتياز" العمل في ورشات عارية، وتغض الطرف عنهن لممارسة نضالهن من أجل لقمة العيش.

وفي غياب قانون ينظم هذه الحرفة كباقي الحرف اليدوية الأخرى، تصنف الخياطات كبائعات متجولات يتعرضن للمضايقات، ويكن هدفا لحملات تقوم بها السلطات المعنية في فترات معينة، فيجري جمعهن لينقلن إلى المقاطعة ويطلق صراحهن في وقت لاحق للرجوع إلى المكان نفسه، وعلى الرصيف نفسه وفي الأوضاع ذاتها.

يقول أحد أعوان السلطة "تجلس الخياطات، عموما، في أماكن منعزلة، بعيدة عن الشارع العام وعن المارة حتى لا يؤثرن على جمالية ورونق المدينة، ومن احتاجت إلى خدماتهن عليها البحث عليهن داخل الأزقة الضيقة المحاذية للقساريات.

أنهن مثل الطفيليات لا يمكن محاربتهن، إذ بمجرد إطلاق سراحهن يرجعن بشكل أكبر وأكثر فيملأن المكان وكأن شيئا لم يكن" ونفى العون وجود أي رخصة أو إذن تقدمه السلطة للخياطات.

وإذا صح هذا في قيسارية الحفاري الواقعة على أرض عمالة الفداء درب سلطان، فإن خياطات درب غلف، التابعة لعمالة الدار البيضاء أنفا، يلزمهن تقديم طلب ترخيص للجلوس في الشارع وممارسة »خياطة الرصيف".

وأكدت البتول، التي تشتغل على رصيف قيسارية درب غلف أن الأمر ليس عشوائيا، بل يستلزم جلب رخصة لتقديمها عند الضرورة لأعوان السلطة الذين يقومون بالبحث والسؤال باستمرار.

وتضيف "اشتغل منذ زمن في هذا المكان مع أختي وبناتها والكل ألف وجودي، ورغم ذلك أسأل عن الرخصة في كل الحملات، التي تقوم بها السلطات، وفي حالة نسيان تجديدها أساق مع الخياطات للمقاطعة« ولكل عمالة سياستها الخاصة التي تتعامل بها مع باعتها المتجولين، ومن خلالها تحدد نوعية الرخصة التي تقدم إما بشكل شفهي أو كتابي

وإضافة إلى غياب إطار قانوني للوضعية المهنية للخياطات، تتجاهل نساء الجمعيات أوضاع هؤلاء النسوة الكادحات من أجل سد رمق أبنائهن.

وتتناسى نساء هذه الجمعيات أوضاع فئة من قريناتها، وكأنهن لسن من الجنس اللطيف، ولا من تلك النساء اللواتي تتكلم عليهن البرامج الحكومية وتضعهن ضمن استراتيجيتها لمحاربة الإقصاء الذي يتعرضن له، وتجاهر بالنهوض بأوضاعهن الاجتماعية والاقتصادية. ليضاف إلى غبن الحياة وقسوة الظروف، التي هن ضحية لها، إقصاء قانوني ومجتمعي تحرم فيه الخياطات من مجرد التفاتة لوضعية نساء يتحدين ظروفا صعبة برساميل بسيطة، ولا يحملن من صورة المرأة إلا شكلها البيولوجي.




تابعونا على فيسبوك