متسولون محترفون رغم ثرواتهم المالية

يستغلون مواهبهم الفنية لممارسة تجارة لا تبور

الثلاثاء 07 غشت 2007 - 08:25

كانت (مّي زهرة) دائمة الاختباء، تتنكر في الجلباب الرث والمتسخ، تغطي رأسها بغطائه (القب) حتى لايتعرف عليها المارة، تحني رأسها بتذلل تتلمس خيالا قادما لرجل ما أو امرأة، لتبدأ بصوت شجي وعذب يملأه البؤس والأسى في استعطاف سيدة.

يبدو من ثيابها الأنيقة أنها غنية، ونجحت مّي زهرة في ذلك، إذ دست السيدة يدها في جيبها لتخرج منه محفظة ممتلئة بالنقود، وتناول المسكينة 10 دراهم، بدأت (مّي زهرة)، مرة أخرى، في إطلاق ذاك الصوت الجميل و الحزين، الكفيل بإرعاش كل من سمعه، وبدأت بالدعاء لصاحبة الهبة قائلة : الله ينور طريقك ويفتح ليك البيبان، وبعد ابتعاد السيدة الأنيقة، لم تصدق نفسها حين رأت 10 درا هم التي وهبتها المرأة، كان المبلغ أنيقا كملابس السيدة، فأشرق وجهها واستبشرت خيرا، وتفاءلت لأن اليوم مازال في بدايته.

لم تكن (مّي زهرة) محتاجة لمد يدها، بل كانت ميسورة الحال، لها ابنة وحيدة متزوجة ومقيمة بالخارج، تملك منزلا من ثلاثة طوابق، بأحد أحياء مدينة الدار البيضاء الشعبية، ولها دخل قار بفضل المعاش الذي تركه لها زوجها الراحل، إضافة إلى كرائها طابقين من بيتها لأنها كانت تعيش وحيدة، ما يضطرها للجلوس على عتبة الباب لتبادل جاراتها أطراف الحديث، وتلاحق أبناءهم لشتمهم أحيانا، عندما يضيق صدرها من الضجيج الذي يحدثونه جراء لعب كرة القدم.

(مّي زهرة)، أو (المجدوبية)، كما كان أفراد الحي يلقبونها، سليطة اللسان، تشبع من اقترب منها شتما بجميع ما تحفظه من كلام نابي، خصوصا الأطفال، إلا أنها محبوبة من الجميع لحكاياتها التي لا تنتهي عن طفولتها، وكيفية زواجها بـ با العربي، ودلاله لها، وقالت لهند، بنت إحدى صديقاتها المقربات »كان يحبني و يخلص لي كثيرا، يجلب لي كل ما أريده من فاكهة وملابس وحلويات

الله يرحمه، ليس مثلكن، بنات اليوم، ياحسرة على الزمن، كنا فعلا محظوظات«
تحاول (مّي زهرة) إخفاء عادتها القبيحة، كما يسميها المقربون منها، تخرج في الصباح الباكر، حتى لايراها أحد، وتتوجه إلى المكان الذي وقع عليه اختيارها، فهي تغير دائما مكان جلوسها للتسول، ويكون ذلك حسب مزاجها اليومي، وحسب المواسم والأعياد أيضا، حتى لا تتعرف عليها العائلة والجيران الذين يعرفون نشاطها المشبوه، ويتداولون حكاياتها مع »السعاية« والمبالغ المالية التي جنتها من ذلك.

قالت إحدى أقدم جاراتها إنها تزاول ذلك النشاط عندما كان زوجها على قيد الحياة، وكانت تسكن في نواحي الدار البيضاء، في منطقة تدعى المجدبة، منحدرة من أسرة فقيرة تمتهن التسول أيضا، أجبرتها ظروفها، حين ذاك، على محاكاة عائلتها المكونة من الأب والأم وأخواتها، الضاوية وفطومة ورقية، جميعهن تزوجن وتخلين عن المهنة، إلا زهرة، رغم زواجها من رجل مقتدر لم تتوقف عن ذلك، إذ كانت تزاول النشاط عندما يسافر زوجها، وبعد وفاة هذا الأخير وهجرة ابنتها، أصبحت تخرج كل يوم لتبحث عن سوق جديد، وتسافر أحيانا إلى مناطق بعيدة حتى لا يتعرف عليها أح تابعت جارة أخرى لـ (مّي زهرة) الحديث قائلة : رأيتها بأم عيني جالسة بالقرب من مقبرة الشهداء يوم الجمعة الماضي، حتى أنني أعطيتها درهما، لم ترني لأنها تغطي رأسها بـ قب جلابة زرقاء بالية، اندهشت كثيرا رغم أنني كنت أعرف أنها تتسول، كانت كالصدمة بالنسبة إلى فما بال ابنتها إذا نقلت لها الأفواه حقيقة أمها، خاصة وأنها تبعث لها مبالغ مالية في جميع المناسبات، إنها فعلا غير مقصرة معها، كما أن زوجها لا يمنعها من الاهتمام بوالدتها
أظنها تعاني مرضا نفسيا ويجب عرضها على طبيب".

ويتأسف جيران (المجدوبية) لحالها كثيرا، فهي لها شعبية خاصة في الحي الذي تسكنه، بسبب نكتها المكشوفة، والتي كانت تحكيها بكثير من الاحترافية، مثل (السعاية) التي كانت تتقنها، إذ قالت للا مليكة، إحدى معارف المجدوبية : هي بالفعل بارعة في لفت الانتباه، واستعطاف الناس، الذين يعطونها النقود بسخاء

وحلاوة لسانها مع صوتها العذب يساعدانها في ذلك وهذا سبب ثرائها رغم أنها تخفي ذلك بدهاء
ورأت أنها تعودت عليها منذ الصغر بسبب احتراف جميع عائلتها لذلك، إنها (بلية) رغم أن زوجها حاول مرارا أن يبعدها عن ذلك، إلا أنه لم يفلح أبدا، وتحليل مليكة فيه الكثير من المنطق، إذ تشير الدراسات التي أجرتها وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن أن المتسولين المحترفين ينتمون، في حالات كثيرة، إلى الأسرة والمدينة نفسيهما، كما تنتمي هذه الأسر إلى نفس الأشخاص الذين يديرونها، مما يؤكد أن ظاهرة التسول تخضع إلى تدبير محكم يسير وفق ما يخططه له أباطرة تجارة التسول في المغرب، إذ يقوم برعاية هذه الأنشطة التجارية سماسرة وموجهون، لهم دراية كافية بالمناطق النشطة اقتصاديا.

وتشير الإحصاءات الرسمية أن 60 في المائة من المتسولين هم من المحترفين، إذ قال عبد السلام، متسول ليس سهلا أن يصبح الشخص متسولا، إذ يجب على ممارسها أن يكون موهوبا، وأن يصقل مواهبه يوميا، حتى يصل إلى درجة الاحتراف،وعندها تفتح له أبواب الغنى والثروة، وبهذه الطريقة نمى عبد السلام ثروته دون كد وجهد، وهو أحد أشهر المتسولين في مدينة العرائش، ذو قامة فارعة وبنية قوية، ملامحه الشقراء توحي بأصوله الأندلسية، ورغم قدراته الجسدية الواضحة على مظهره، فإن عبد السلام يفضل الجلوس بجوار ضريح للا منانة« بشكل يومي في انتظار دراهم من زائري ضريح الولية الصالحة، أو من أتى ليترحم على أحد أقاربه في المقبرة المجاورة لها، ويتداول بين سكان المدينة أنه يمتلك أراضي ومعدات فلاحية يكتريها أبناءه في قرية خميس الساحل، الموجودة بين العرائش وأصيلة

قال عبد السلام إنها فن وفي الوقت ذاته تجارة لاتبور ومهنة مربحة، خالية من أي محاسبة أو متابعة ضريبية، أعرف امرأة في طنجة استطاعت، مع صديقاتها، كسب أموال طائلة من التسول في ظرف وجيز، بالتحايل على الطنجويين، إذ جلست في شارع عام، تولول وتلطم خدها وتنفش شعرها وتترجو المارة أن يعطوها صدقة لكي تشتري كفنا وقبرا لزوجها لتدفنه حتى لا تتعفن جثته، هكذا استطاعت تلك المرأة أن تجمع قدرا وفيرا من المال في زمن قياسي، وأضاف أن »الذين شكوا في أمرها طلبوا التوجه إلى منزلها فوافقت وطلبت منهم أن يتبعوها ليجدوا امرأتين أمام باب منزل وهما تولولان وتشتكيان من تعفن جثة الميت الذي مات أمس .

وأوضح أن من أراد التحقق من الأمر زال شكه لأن لا أحد سيملك الجرأة ويطلب منهن الدخول إلى المنزل لكي يرى جثة متعفنة، ثم إن النساء كن يبكين ويولولن باحترافية قل نظيرها إلى درجة أن البعض بدأ يلعن الزمن الذي عجز فيه الأشخاص عن دفن موتاهم
وأكد عبد السلام بنبرة متفاخرة وغبطة أنه بعد أيام قليلة فقط تبين أن عصابة النساء المولولات اكترين ذلك المنزل لمدة أسبوع فقط ثم رحلن إلى مدينة أخرى لمتابعة نشاطهن، وأنه لا وجود لأي ميت.

ورابح الملقب بـ ولد لمهاوشةمن طينة (مّي زهرة) وعبد السلام امتهن التسول، رغم أنه كان مساعد سائق حافلات (الكيران)، وله دخل قار بفضل عمله الذي كان يضطره للسفر الدائم، إلا أنه رأى في "مهنته الجديدة"، آفاقا أوسع فأنشأ مقاولة صغيرة، كما يسميها ولتزويد مداخل الأسرة "وظف" زوجته الشعيبية وابنيه منها رشيد وعصام، ولم يقف عند هذا الحد إذ تزوج بفضيلة التي أنجبت له طفلة استغلها أيضا في الميدان، ونزلت الشارع مع أمها لجمع المال للوالد، الذي اكتفى »بإدارة الشركة« من أحد المقاهي بمدينة المحمدية، يجلس لساعات طويلة يرتشف فناجين القهوة وأكواب الشاي ويلعب الورق مع أصدقائه في انتظار المساء، حين يجتمع أفراد الأسرة (الموظفون)ليتسلم حصيلة اليوم التي تحدد "مزاج" رب الأسرة وطريقة تعامله مع زوجتيه، إذ يردد دائما "من جلبت مالا أكثر تنال رضا أوفر، وتحظى بحنان ومداعبة رابح".0

وللرفع من حظوظ كلتا الزوجتين يجلس زوجته الأولى (الشعيبية) داخل أسوار قصبة المدينة القديمة التي تعج بالمارة خاصة في فترة الصيف، إذ تبلغ المنطقة ذروتها في استقطاب أعداد الزائرين، ويختار للثانية الجلوس، مع رضيعتها، قرب دار الثقافة بحي العاليا، باعتبار أنها منطقة حيوية، يمر منها العديد من الناس للتوجه إلى السوق )الجوطية.

أما الجيلالي، البالغ من العمر 67 سنة، فاستغل فقدان بصره وامتهن »السعاية«، يتخذ من محطة سيارات الأجرة الكبيرة، بمنطقة العاليا، موقعه الدائم، يدافع عنه بكل قواه حتى لا ينافسه أحد المتسولين في4 طلب رزقه ورغم توسلات ابنيه، محمد وخليل المقيمين بأميركا، وامتلاكه لمنزل من ثلاثة طوابق، بحي الرشيدية، رفض »التقاعد« عن »عمل«مارسه طيلة 20 سنة، »والجلوس في البيت في انتظار إحسان ابنيه«
قال الجيلالي »الكل يعرفني في هذا الحي، خاصة المسافرون الذين يقومون برحلات مكوكية بين الدار البيضاء والمحمدية، والتسعيرة الجديدة أفادتني كثيرا وفتحت لي باب رزق واسع، إذ يتبقى من ثمن ركوب سيارة الأجرة درهم واحد من 10 دراهم، أفوز به بفضل كرم وعطف الكثيرين".

وفي تفسير للظاهرة ذكرت حياة بو فراشن، الباحثة في الخدمة الاجتماعية بالمعهد الملكي المغربي لتكوين الأطر، أن التسول ينقسم إلى نوعين، التسول الاضطراري، ويتعلق بالشخص الذي اضطرته الظروف المعيشية إلى مد يده، والتسول الاحترافي ويتعلق بأشخاص يتوفرون على دخل مادي لكنهم يتخذون من مد اليد طريقة سهلة للكسب وهذا الصنف من المتسولين يجب ردعهم ومحاربتهم.

وتشرف وزارة التنمية الاجتماعية والأسرة والتضامن على تطبيق برنامج اجتماعي لتقليص عدد المتسولين في الشوارع.

ويشجع البرنامج إدماج المتسولين في ثنايا المجتمع المغربي عبر الاحتواء الأسري والشراكات مع المؤسسات المعنية والإدماج الاقتصادي.

ويجري إحالة المتسولين المحترفين على مراكز الإيواء، كمركز تيط مليل أو بنعتيق، لإدماجهم في "مشاريع بديلة" مثل بيع الفطائر والحلويات، أو مشروع خياطة، أو إسكافي، أو سياقة (الهوندات) .

إلا أن المتسولين لا يقبلون مثل هذه المشاريع ببساطة لأن مداخلها تقل بكثير عما يجنونه من عملهم في "السعاية"، وصرح أحد المتسولين بأنه يربح بين 100 درهم إلى 200 في اليوم الواحد، ويصل المبلغ إلى 300 درهم في أيام الأعياد الدينية (العواشر).

أما المتسولون الجدد فهم من يدعون بـ "متسولي النت"، الذين ابتكروا آخر صيحات التسول، وأطلقوا عليه مصطلح »الاستجداء الإلكتروني« يجري من خلاله استعطاف روادها عبر رسائل بريدية، يروون فيها قصصا حزينة، و يتركون في آخرها رقم حسابهم البنكي للتبرع .

ويستهدف هذا النوع المستخدمين الجدد للإنترنت لعدم وعيهم جوانب السلاح المستخدم، وكذلك ملاك المواقع الذي يبدأون بوعود عند الاشتراك في عضويتهم، ففي النهاية تكسب تلك الشركة الوهمية جميع الأموال، ولا رقيب لها في غياب قوانين تحمي مستعملي الإنترنيت.

وفي إطار آخر ينعم جميع متسولي الإنترنت بالراحة التامة، فمن خلال »ضغطة زر« يمكن أن يصل صوته إلى مئات الأشخاص موضحا في رسالته بأنه شخص غير قادر ومحتاج مستغلا بعض الآيات القرآنية، في بداية البريد الإلكتروني، لكسب الرحمة وبالتالي جني النقود بأقل المجهودات وبتكاليف منعدمة، تقريبا، لا تحتاج إلا لبعض الدراهم للدخول إلى أحد نوادي الانترنيت والسباحة في عالمه.

وهذا ما دفع بعض الأشخاص إلى إهمال أشغالهم اليومية وأعمالهم للتفرغ لهذا النوع من »السعاية الإلكترونية«، وعرفت هذه الظاهرة انتشارا واسعا في الآونة الأخيرة، خاصة في أوساط بعض المهاجرين الأفارقة الذين احترفوا هذه الوسيلة و»أبدعوا« في نسج حكايات مثيرة تنفع كسيناريوهات لأفلام الميلودراما الهندية، تنتهي جميعها بطلب مساعدة ورقم حساب بنكي لاستقبال الهبات المالية.

يحكي مصطفى، أحد رواد (نيت كلي)نادي للانترنيت بحي مولاي عبد الله، عن أحد الأفارقة " تعرفت عليه في النادي، فهو مثلي دائم الحضور، يجلس في نفس المكان هناك في الزاوية اليمنى، يدعى (مامدو)، من السنغال ويرغب في الهجرة نحو إسبانيا، اختار الشبكة العنكبوتية لجمع المال بدل التجول في الشوارع واستعطاف شريحة معينة لن يأخذ منها إلا مبالغ محدودة، عكس المواقع الإلكترونية التي تمكنه من استهداف أكبر عدد من الناس، وفي مختلف بقاع العالم«، وأضاف »أمثال (مامدو) كثيرون، ولهم خبرة واسعة في عالم الانترنيت، منهم جامعيون ينتمون إلى مواقع خاصة بالتسول" ويعتبر "AIRMAIL.NET"، أغرب هذه المواقع إذ يطلب صاحبه أن تتبرع له بأي مبلغ من المال ليصبح أغنى من "بيل غيس" (الثري الأميركي).

وسواء تعلق الأمر بالتسول "المباشر" أو من وراء جهاز الكمبيوتر، فإن المجتمع يستنكره، خاصة إذا تعلق الأمر بأشخاص لهم ما يكفيهم لسد رمق العيش.

وفي استطلاع للرأي، استسقته »المغربية«، أجمع المستجوبون على أن ظاهرة التسول تشوه صورة المغرب، خاصة أن الكثيرين يلجأون إلى التسول من السياح الأجانب في المدن الكبرى مثل الرباط والدار البيضاء وفاس ومراكش.

وأوضحت دراسة، أجريت في المغرب أخيرا من طرف الرابطة المغربية لحماية الطفولة، منظمة غير حكومية، أن هناك نحو نصف مليون مواطن يتخذون التسول مهنة دائمة أو مؤقتة، وذلك بسبب ازدياد معدل الفقر الذي طال نحو 5 ملايين من المواطنين

وأكدت هذه الدراسة أن ظاهرة التسول تفشت بشكل كبير في المغرب، وأصبحت تشاهد حتى في الأحياء الراقية والتجمعات التجارية الكبرى والمؤسسات الإدارية، على الرغم من أن هناك برنامجا وطنيا لمحاربة هذه الظاهرة، وأن الحكومة تقدم مساعدات مالية بحوالي 38 مليون درهم للجمعيات الأهلية للحد من هذه الظاهرة التي تنخر المجتمع المغربي يوما عن يوم، وتدمر قطاعا حيويا كالسياحة، يأمل المسؤولون عنه جلب 10 ملايين سائح في أفق 2010 .




تابعونا على فيسبوك