قدمت صحيفة الثورة السورية لكتاب المسرحي المغربي عبد الكريم برشيد الجديد الصادر عن منتدى الفن والثقافة مقالة تعريفية بمؤسس المسرح الاحتفالي في المغرب كتبها.
انور محمديقول فيها إن الكتابة بالحبر المغربي وكتابه هذا (الاحتفالية) التي هو مؤسّسها وصاحب بياناتها والتي تشكّل هزّة عنيفة وقويّة من هزّات العصر الحديث، التي تطمح لأن تقوم بانقلاب فكري، وبثورة اجتماعية .
وقد تعززت الحركة الاحتفالية في المغرب والعالم العربي، بشغب الاحتفاليين، والذي هو شغب تجريبي، وليس شغبا تخريبيا، و ذلك لأنه في جوهره جزء أساسي وحيوي من شغب العصر ومن قلقه، وهو شغب معرفي وجمالي وأخلاقي، أسسّته فورة الشباب، وهندسته الأفكار الحية، وذلك في حوارها وجدلها، وفي صيرورتها، كما دشنته الحالات المنفلتة والمتدفقة والجديدة المتجددة .
إن الاحتفالية هي تفكير قبل كل شيء، تفكير أوجدته الحاجة إليه، وبذلك فقد كان تحديا للغامض والمغلق والغائب والمحدود والمعروف والمألوف.
إنه تفكير في التفكير، وهو بهذا تفكير مركب، يتأسس على التفكير، ويتحدى التفكير
إنه يوافق المفكر فيه ـ من قبل ـ ويخالفه، ويؤكده، وينفيه، ويصدّق بعضه، ويتشكك في بعضه الآخر، وهو يراجع الثوابت والمتغيرات، ويقرأ الكائنات والممكنات، ويقرأ السطور وما بينها، وما خلفها، ولا يتوقف عندها، ولأن الأساسي في ـ الاحتفالية ـ هو التحدي والتجاوز
فقد كان أساس التفكير الاحتفالي قائما على التحدي أيضا أي تحدي الفكر السائد، وتحدي الأسئلة القديمة، وتحدي الشعارات الببغاوية، والأفكار المعلبة، والكتب الصفراء والحمراء، والكتب التي لها لون واحد، وبعد واحد، ولها أفق واحد، وقصد واحد، والتي ليس لها أي عمق معرفي وجمالي وأخلاقي، عمق يمكن أن يكون متعدد الأبعاد ومتعدد المستويات.
إن الاحتفالية كما تأسسّت في السبعينيّات هي تفكير في زمن اللاتفكير، تفكير نقديضدي وانقلابي.
كما أن الأساس في هذه الاحتفالية هو الإنسان، بمجموع علاقاته، وهو الحياة أيضا بكل تمظهراتها وتجلياتها، وهو المدينة، وهو الوجود في الزمن، مع الفعل فيه والانفعال به وعن هذه العلاقة الجدلية بين الأنا والأنت، وبين نحن والآخر، وبين الذات والموضوع، تتولّد الثقافة، والتي إليها ينتمي الاحتفال أولا( والاحتفالية بعد ذلك) والثقافة هي الكل، والسياسة جزء بسيط من هذا الكل إنها الفرع الذي لا يمكن أن يسبق أصله ويتحكم فيه
مرة أخرى يتم اختزال الثقافة الاحتفالية بكليتها وشموليتها في عنصر واحد، من مكوناتها المختلفة والمتعددة، والتي هي السياسة.
وقد كان لهذه السياسة ( في السبعينيات من القرن الماضي) وكالات في العالم العربي، وكالات من مهامها أن توزع الاتهامات بسخاء عجيب، ولقد كان من نصيب الاحتفاليين أن أصبحوا بورجوازيين وإقطاعيين وفوضويين وأعداء للتقدم وللعلم والتاريخ
لقد دافعت الاحتفالية عن اللاسياسة واللاحزبية في السبعينيّات عندما كان اليسار يغزو كل الأسواق.
كما دافعت عن حرية وإنسانية الإنسان، وحيوية الحياة عندما كان الخطاب خطابا إيديولوجيا
كما دافعت عن الشعر والفن وجمالية الوجود عندما كان الجمال والإحساس بالجمال يعتبر بورجوازية وشكلا من أشكال الترف الإجتماعي
وناضلت ضد مفهوم صراع الطبقات، وذلك لأنها تؤمن بأن الصراع له وجوه متعددة
وناضلت ضد نظرية الجنسية، والتي ترتكز أساسا على (عشق الأم والغيرة من الأب) وعلى ما تفرع عنها من مقولات، من مثل مقولة (قتل الأب) قتله رمزيا في الإبداع الأدبي والفني وفي الفكر، وذلك بإعلان القطيعة المطلقة مع الماضي.
كما ناضلت ضد الدار ونية، وضد نظرية أصل الأنواع، وأكدت على أن الإنسان ليس من أصول قردوية، ولكن من أصول إنسانية، وأن القرد إذا تطور سيصبح قردا، والحمار إذا تطور سيصبح حمارا متطورا، ولن يصبح فرسا إطلاقا.
إن ـ الاحتفالية ـ قد خرجت من رحم المسرح، ومن فضاءاته وعوالمه والمسرح أساسا هو لقاء عام، وذلك في المكان العام، وهو تفكير مع الآخرين، تفكير بصوت مرتفع، وهو اختلاف مع الآخرين بشكل حضاري طبعا، وهو تعايش ومشاركة وجدانية .
وهو أيضا خروج من اليومي والدخول إلى ما خلفه وإلى ما ورائه، هو استحضار للغائبين والمغيّبين، وانطلاق للذين لا ينطقون، وتحريك للأجساد التي لا تتحرك إلا بمحرك، والمسرح هو ذاك المحرك
إن الأساس في الاحتفالية المعاصرة، هو أنها ولادة، ومن طبيعة فعل التوالد كما يرى نيتشه أن يرتبط بثنائية الجنين، وقد جاءت ولادة هذه الاحتفالية نتيجة زواج بين الدرامية والملحمية
وكانت بهذا رؤية مركبة، وكانت مرحلة جديدة ومتجددة في تاريخ الوعي البشري، وبهذا تتجاوز الوحشية إلى البشرية الواقعية
ثمّ يعتبر د( عبد الكريم برشيد أن الإنسان المحتفل هو كائن استثنائي، لذلك تكون لحظته العيدية لحظة غير عادية، تكون ممتلئة لحد الفيض، وغنية لحد الترف، وجميلة لحد التبرج
إن هذا الإنسان أكبر من عمره، و أوسع من حدوده المادية
وبهذا فإن عمقه الداخلي) والذي هو عمق نفسي وذهني وروحي ـ أرحب وأغنى من عمق الإنسان المأتمي أو الإنسان العدمي، هذا إذا كان للإنسان المأتمي والعدمي أي عمق
إن الانفلات من سجن الساعة ومن دائرتها ـ الضيقة والمغلقة ـ يجعل الكائن المحتفل والمعيد كائنا ( فوق العادة)، ويجعله أيضا خارج الواقع والوقائع، وخارج جاذبية السائد
إن هذا الكائن إذن ـ وبلغة الاحتفالية، والتي هي لغة صوفية أو شبه صوفية هو كائن فردوسي، أو كائن عدني (جنة عدن) كما أن لغته الإبداعية هي لغة فردوسية
وهو بهذا يعرف، ويدرك، ويفهم، ويفعل، وينفعل، ويقيم، ويرحل، ويغيّر، يتغيّر ويعي ذاته أيضا، ذاته الفردية والجماعية معا.
إنه يعرف أكثر، ويتجاوز في هذه المعرفة خطها الأحمر، وبذلك يكون قد ارتكب خطأ تراجيديا لأنه قفز على حاجز الزمن، فأدرك المعرفة وسبق زمنه وعصره، وبذلك يكون مثل فاوست في مسرحية (فاوست والأميرة الصلعاء) أي ذلك الرجل الذي ربح العلم والمعرفة، ولكنه خسر نفسه، وخسر علاقته بالناس، خسر كل العالم .
الكتاب : الاحتفالية وهزّات العصر الكاتب : د ـ عبد الكريم برشيد، الناشر :
منتدى الفن والثقافة/ الدار البيضاء2007
الثورة السورية