كانت القراءة و ستبقى من أهم مصادر المعرفة، ووسيلة رئيسية للتعليم والتعلم، بالتالي تحرص مختلف الهيئات على دفع الشباب إلى الكتاب بوصفه خير جليس.
رغم ذلك تنتشر ظاهرة عزوف الشباب المغربي عن القراءة خارج المناهج الدراسية، لذا أصبح موروثهم العلمي يتضاعف في ظل الثورة التي بدأ يشهدها الفضاء السمعي البصري وتقنيات الاتصال،و الانتشار المهول للعديد من القنوات الفضائية والإنترنيت التي طغت على حركة العصر الحديث، وأثّرت حتما على إقبال الجيل الجديد على القراءة
ويعزو البعض ذلك إلى غزو الفضائيات لبيوتنا وما تعرضه من مغريات، وانتشار مقاهي الإنترنت ومواقع اللهو، والبعض الآخر إلى ضيق الوقت ووفرة المواد الدراسية.
كما تشير الإحصاءات الصادرة عن منظمة اليونسكو UNESCO والتنمية التابعة للأمم المتحدة UNDP إلى تدهور خطير في معدل القراءة لدى العرب بشكل عام بحيث أن الخط البيانى الهابط يكاد يصل إلى أوطأ مستوى فى العالم أجمع أي بمعدل »كتاب واحد لأكثر من 300.000 شخص« فى المنطقة العربيّة.
كما تشير الدراسات التي نشرتها منظمة اليونسكو /بيروت عام 1996 بعد الندوة التى نظمها "كتاب فى جريدة" حول القراءة في العالم العربي إلى أن "كل ما يستهلكهُ العالم العربى من ورق فى صناعة الكتب (أى كتب ) يكاد يوازى ما تستهلكه دار نشر أوربية واحدة« وإذا أخذنا على سبيل المثال بلداً أوروبيّاً صغيراً مثل بلجيكا لا يتجاوز التسعة ملايين نسمة فإننا نجد أنه يستهلك من إنتاج الكتب والقراءة أكثر من 300.000.000 عربي
وتعد الوسائل التقنية من بين الأسباب والعوائق التي تقف وراء هذه الظاهرة التي يمكن أن تكون حقيقية، أو ربما لا تعدو أن تكون وهما وأيا كانت الأسباب فهي تنتج السالب من الموقف تجاه الكتاب.
لقد استطاعت الوسائل التقنية الاستحواذ بشكل كبير على عقول الشباب المغربي الذي أصبح لا يكتفي بالاستماع إلى الأغاني الشبابية ذات الإيقاعات الصاخبة أو مشاهدة المسلسلات والأفلام المثيرة فحسب، بل قضاء فترة ليست بالهينة أمام الحاسوب قد تستمر لساعات طويلة يقضيها في تصفح الإنترنيت بحثا عن مواضيع قد تفيده في المقررات الدراسية، كما يلجأ العديد من الطلبة إلى الأشرطة السمعية والمرئية والأقراص الصلبة التي تحمل الأفلام التعليمية والترفيهية في الوقت نفسه
"الانترنت عالم يسرق الاهتمام".
هكذا عبرت إحدى الطالبات المغربيات اللواتي يدرسن بالسنة الثانية من الجامعة بالقسم الإنجليزي "إن عصر السرعة الذي نعيشه فرض علينا نمطا جديدا في طريقة التعامل مع البحث والحصول على المعلومات، أنا مضطرة للجوء إلى الانترنت للحصول على احتياجاتي المعرفية وذلك لحداثة المعلومات وسهولة تناولها، ناهيك عن المتعة التي أجدها في استخدام الانترنت هذا العالم الساحر الذي وفر علينا مشقة تصفح الكتب المملة والباهظة الثمن".
فيما صرح أحمد طالب بمعهد الحسن الثاني للزراعة و البيطرة "أجد أنه من الصعوبة بمكان الاعتماد على الكتاب وحده فهو أسلوب تقليدي في البحث عن المعلومة، كما أنه غير كاف بالنسبة للطالب الباحث الذي يحتاج إلى أكثر من مصدر لإنجاز بحث التخرج، لذا أفضل التوجه نحو القراءة الالكترونية التي توفر لي هذه الإمكانية السريعة في البحث و المعرفة إذن أجبرتني تطورات العصر على ترك الكتاب، ناهيك عن استنفاد معظم الوقت الذي لا يرحم في الدراسة و الذي يشكل تحدياً في سبيل تحقيق هذه الغاية".
كما أفادت طالبة أخرى تدرس بإحدى الثانويات التقنية "لم يسبق لي أن قرأت كتابا واحدا خارج الكتب المدرسية التي أقرأها على مدار الموسم الدراسي أو حتى اقتنيت كتابا غير المقررات الدراسية المسطرة لنا لأنني أجد فكرة أخذ كتاب والاعتكاف في ركن من أركان البيت وقضاء أكثر من ساعة في رحابه أمرا مملا للغاية، بل وشديد السخف أنا مطالبة بتحضير المقرر السنوي وفق برنامج صارم ومضبوط لكن بعدما أنهي واجباتي أحتاج إلى ممارسة نشاطات أخرى أتسلى بها، ثم لماذا سأقرأ شيئا لن أُمتحن فيه؟ أجد هذا غبيا بعض الشيء فالمتعة التي قد توفرها رواية معيّنة، يمكنني أن أجدها في التلفزيون، فالأفلام والبرامج الوثائقية التثقيفية تبث في القنوات الفضائية وهي أهم مصادر التسلية والتثقيف بالنسبة إلي.
هكذا، بدأت هذه الشريحة المهمة من المجتمع المغربي تجد بديلا جديدا للمطالعة والبحث في موضوعات مختلفة سواء كانت ثقافية أم سياسية أم دينية، أتى إلينا الإنترنت إذن رغما عنا (دونما استشارة) من الفضاء حاملا شتى ضروب العلم والمعرفة والثقافة إضافة للأفكار والسموم الأخلاقية.
إنه عالم حافل بالغموض والإثارة، فمن خلاله يمكنك محاورة من تريد بكل يسر وسهولة في أي وقت وأينما كان فتنقل إليه ما تشاء وتتلقى منه ما تريد من رسائل وأخبار
واقع مرير بدأ يفرض نفسه علينا في ظل زمن العولمة، فالكثير منا بدأ يبحث عن المعلومة الجاهزة، والزبدة المختصرة لكل ما يهمه في شتى المجالات، والشبكة العنكبوتية ساهمت في ذلك كثيرا، فما أكثر الكتب الالكترونية، وبمجرد عملية بحث بسيطة تصل إلى المعلومة المطلوبة بدلا من تكبد عناء المطالعة والبحث في كتاب يصل عدد صفحاته إلى 400 .