تحل هذه الايام الذكرى السادسة عشرة لرحيل الأديب المصري الكبير يوسف ادريس الذي وافته المنية صيف 1991 اثر مرض خبيث أوقف قلبه عن الحياة وقلمه عن الأبداع.
ولد يوسف ادريس عام 1927 فى احدى قرى محافظة الشرقية بمصر، تعلم في المدارس الحكومية و التحق بعد دراسته الثانوية بكلية الطب في جامعة القاهرة التي تخرج منها عام 1951.
عايش ظهور وتطور التيارات الفكرية والسياسية الوطنية التي انتعشت في مراحل الاستقلال وتأثر بالفكر الماركسي بعد أن قوي بسبب دور الاتحاد السوفياتي بعد الحرب العالمية الثانية والتحولات السياسية والاجتماعية التي شهدها العالم في ذلك الوقت.
حصل على دبلوم الأمراض النفسية ودبلوم الصحة العامة، عمل في المستشفيات الحكومية وكان مفتشاً صحياً في الدرب الأحمر وهو حي شعبي في القاهرة.
بدأ ينشر قصصه القصيرة في الصحف منذ عام 1950، وشارك في تحرير أول مجلة يصدرها الجيش بعد قيام ثورة يوليوز وهي مجلة التحرير التي صدرت في سبتمبر 1952
- بعد هزيمة الخامس من يونيو عام 1967 كان أنشأ عيادة في ميدان الجيزة ليحترف الطب لأول مرة في حياته، وكان ذلك تعبيراً واضحاً عن اليأس الذي اجتاح جيله وكل الأجيال بعد الهزيمة المنكرة ولكنه لم يلبث أن أغلق العيادة اختطفه عالم الأدب من الطب، فهو واحد من أشهر الأطباء الذين تركوا الطب ليمتهنوا الأدب عايش تطور التيارات الفكرية والسياسية المختلفة، وتأثر بالفكر الماركسي.
استطاع أن يحقق مصرية القصة القصيرة حتى استحق عن جدارة أن يكون أميراً لها
إنه أديب الأطباء وطبيب الأدباء.
تستند رؤية أدريس الأدبية و الفكرية إلى حساسية فائقة و ادراك نافذ ذاتي للغاية لمظاهر الوجود الإنسانى وحقائقه قال عنه عميد الأدب العربى (طه حسين) أجد فيه من المتعة و القوة و دقة الحس ورقة الذوق وصدق الملاحظة و براعة الأداء مثل ما وجدت فى كتابه الأول (أرخص ليالى )على تعمق للحياة وفقه لدقائقها و تسجيل صارم لما يحدث فيها الى جانب اهتمامه بالقصة القصيرة التى يعتبر أبرز ممثليها فى الأدب العربى اهتم بالرواية و الكتابة المسرحية و من أعماله المسرحية (ملك القطن)جمهورية فرحات (اللحظة الحرجة) الجنس الثالث المخططين (البهلوان).
جذبت قصص يوسف إدريس الأولى الانتباه إلى أن اسمه سيصبح من الأسماء اللامعة في فترة وجيزة وهو ما حدث بالفعل خاصة بعد كتابة قصة »أنشودة الغرباء« والتي نشرت في مجلة »القصة« عام 1950 ، وبعدها تابع نشر قصصه في مجلة »روز اليوسف«، ثم قدمه عبد الرحمن الخميسي إلى قراء جريدة »المصري« التي كان ينشر فيها قصصه بانتظام، ثم كتب عدة مقالات في مجلة »صباح الخير«، ثم أصبح من كتاب جريدة »الجمهورية« التي كان يرأس مجلس إداراتها في ذاك الوقت الرئيس الراحل أنور السـادات حيث بدأ بنشر حلقات قـصص "قــاع المدينة"، "المسـتحيل" و"قبر السلطان"، وبعدها انطلق يوسف إدريس مؤكدا مكانته كأبرز كتاب القصة القصيرة.
صدرت مجموعته القصصية الأولى "أرخص ليالي" عام 1954 وقد وضعت هذه المجموعة البداية الفعلية للواقعية المصرية، ثم ظهرت موهبة إدريس في مجموعته.
التالية "العسكري الأسود« التي صدرت عام 1955 والتي وصفها أحد النقاد بـ »أنها تجمع بين سمات دستوفسكي وسمات كافكا معا".
حصل على جائزة عبد الناصر في الآداب عام 1969، وجائزة صدام حسين للآداب عام 1988، وجائزة الدولة التقديرية عام 1990 ووفقا للنقاد فإن رؤية إدريس الأدبية والفكرية تستند إلى حساسية فائقة وإدراك نافذ لمظاهر الوجود الإنساني وحقائقه، أكثر مما تستند إلى »معرفة« معلوماتية محدودة، ويجمعون علي أن كتابته تتسم بمعرفة عميقة للواقع الاجتماعي المصري وبأسلوب ساخر تشوبه روح الفكاهة معتمداً على استعمال اللغة العامية في أغلب الحوارات.
كما يرى النقاد أن عالم يوسف إدريس القصصي يدور في أكثر ما كتب حول ثالوث واضح الملامح هو : الله، الجنس، السلطة.
وقد ظهر هذا الثالوث متبلوراً جلياً في مجموعته الذائعة الصيت (بيت من لحم)، ولذا فقد اندفعت موهبته بحزم وعمق فنيين لتجسد هذه القضايا، وتصنع منها جواً مصيرياً يرسم مصير الإنسان، ويسيطر على عالمه.
كما إن فكرة القدر ووجود قوة عليا مهيمنة، برزت بوضوح في رسم شخصيات ومسار قصص كثيرة عند يوسف إدريس، مثل قصة (قبر السلطان )، وقصة (لأن القيامة لا تقوم)، وقصة ( أكبر الكبائر )؛ وانتصر يوسف إدريس دائما لمأساة الإنسان المسحوق في مجتمع طبقي ظالم، عبر مهارة فنية في السرد والحوار وإحكام بناء النسيج القصصي.
وقد شهد نهج يوسف إدريس في كتابة الفصّة القصيرة تغيّرًا جذريًا، في نهاية الخمسينيات وااوائل الستينيات.
فالتصوير الواقعي، البسيط، للحياة كما هي في الطبقات الدنيا من المجتمع الريفي، وفي حواري القاهرة، يتلاشى، ويظهر نمط للقصّة أكثر تعقيدًا.
وتدريجيًا، أصبحت المواقف ولاشخصيات أكثر عموميّة وشموليّة، إلى أن قارب نثره تجريد الشعر المطلق.
ويشيع جو من التشاؤم، وينغمس أبطال القصص في الاستبطان والاحتدام، ويحل التمثيل الرمزي للموضوعات الأخلاقية والسياسية محل الوصف الخارجي والفعل المتلاحق
عن مخاض الإبداع عند إدريس تقول زوجته : "حينما يكتب يوسف أجلس أمامه ويقتصر دوري على إعداد الشاي أو القهوة، وبعد أن يكتب جملة أو جملتين يندمج تماماً ويغيب عن كل ما حوله ويبدأ في التشويح والإشارة ويتمثل الشخوص التي يكتب عنها ويشعر إنها حوله تكلمه وتلمسه / كتابة المسرح عنده حالة أصعب لأنه يستحضر الحاسة الجماهيرية في نفسه ويستحضر الحالة المسرحية ليبثها في نفس الجماهير، عندما كان يكتب مسرحية الفرافير كان في حالة صعبة جداً، وقد رأيته بنفسي يقف أمام حوض الاغتسال يشيح بيده ويبكي بدموع حقيقية".
طال يوسف إدريس الكثير من النقد، منه ما تعلق بموقفه من جائزة مجلة حوار التي نالها في عام 1966 وقد وافق عليها ثم سرعان ما تغير موقفه بعد أن ظهر أن تمويلها يتم عبر المنظمة العالمية لحرية الثقافة التابعة لحلف الأطلنطي، مما دفع جمال عبد الناصر لتعويضه عن رفضها بمنحه مبلغ الجائزة.
كذلك علاقته بأنور السادات التي توطدت إبان عمله في جريدة الجمهورية فكان إدريس لسان حال السادات في بعض الكتابات، لكن بمجرد أن كتب مقالات "البحث عن السادات" أخرجه السادات من رحمة السلطة، وخرجت الصحف تقول إن يوسف إدريس ينتحر ويغتال تاريخه، ووصل الأمر إلى حد الاتهام بالعمالة والخيانة، فكتب مسرحيته "البهلوان" من وحي تلك الحملات الصحفية التي تعرض لها والتي جاء بطلها صحفيا يمارس مهام رئيس التحرير نهارا، وفي المساء يمارس ـ سرا ـ عمله كبهلوان في السيرك، مستعينا بالمساحيق والطلاء لإخفاء ملامحه، وفي الحوارات التي جرت بين رئيس التحرير (البهلوان) ومساعده نجده يصرح بأنه في عمله الصحفي ليس أكثر من "بهلوان"
ومن الأحداث المثيرة أيضاً في حياة إدريس هجومه الشديد على نوبل نجيب محفوظ بمجرد أن نالها .
وفي إحدى أعدادها ذكرت مجلة »الهلال المصرية« المعركة التي دارت بين يوسف إدريس ومحمد الفيتوري، إذ تسلم إدريس الجائزة عندما كانت 37 ألف دولار، وعندما رست على الفيتوري كانت قد وصلت إلى مائة ألف دولار، وفي حالة من الغضب الشديد هاجم إدريس الفيتوري وهمّ بضربه غيظاً وحنقاً على فارق المبلغ لولا تدخل الروائي السوداني الطيب صالح بينهما.
انشغل يوسف ادريس في السنوات الأخيرة بعدد من القضايا الثقافية و الاجتماعية الساخنة و حصل على جائزة التقديرية في الأداب عام 1991 وفي العام نفسه رحل يوسف ادريس ليترك بصماته على تطور القصة العربية وتأثيراته الظاهرة على عدد من الأدباء الشبان والعالم العربى قبل وفاته انهى
المبدع الراحل يوسف إدريس حياته بصرخة احتجاج على زيارة الرئيس المصري حسني مبارك لبريطانيا في يوم 23 يوليوز سنة 1990، ذكرى قيام الثورة، التي كان أحد أهدافها الأساسية دحر العدوان الإنجليزي ومقاومته.