ساعة في مقهى با امحمد

صخب وفوضى ورواد يتحركون وسط دخان كثيف

الجمعة 20 يوليوز 2007 - 13:14

كراسي متهالكة، يجلس عليها أشخاص تحلقوا حول طاولات، أخذ منها الزمن فاهترأت، ضحكات متعالية وتعليقات، وموسيقى تكاد تصم الأذان.

كان هذا قلب مقهى با امحمد، وهي تودع يوما آخر من أيام صيف حارق، صخب وفوضى عارمة، دخان كثيف ينبعث في المكان، امتزج بروائح شتى من أصناف المخدرات، كالحشيش والكيف، أما دخان السجائر فأصبحت رائحته هي الاستثناء.

مقهى ضيق يتموقع في مكان استراتيجي، ما يجعله قبلة جل المدمنين في الحي، فالواجهة الأمامية لا تنم عما يدور في الداخل، وما يزيد في ذلك تلك العتمة الناجمة عن الستائر الحمراء، التي تجعل المقهى يغرق في ظلمة تستحيل معها الرؤية، رغم شفق الشمس الذي مازال ينير سماء الحي، معلنا لحظة الغروب.

أحمد وحسن ورشيد ثلاثة شبان في عقدهم الثالث، من رواد المقهى الذين قضوا ردحا من حياتهم فيه، عاينوا تغييرات طالته، كما تلك التي شابت أصدقائهم من رواده »إن هذا المقهى هو السبب في انحراف شباب الحي.

كانت أوصالنا، حين كنا صغارا، ترتجف بمجرد مرورنا أمامه، أما وقد تقدمت بنا السنين، أصبحنا نقصده لتمضية الوقت، والتسامر مع الأصدقاء، في جلسات لا تكاد تكون خالية من المخدرات "يتكلم حسن، ووجهه يترجم الحسرة التي كانت تغلف هذه الكلمات
يبادر أحمد بالكلام مكملا ما جاء على لسان رفيقه، "إن ما يزيد الطين بلة، هو أن سكان الحي حاولوا غير ما مرة إغلاق هذا المقهى، لكن جهودهم راحت سدى«، ويضيف موضحا »ذلك لأن صاحبه له علاقات مع أناس نافذين في المجتمع".

أما رشيد فلم يعر الأمر اهتماما، فلم ينبس ببنت شفة، فكل همه واللحظة هذه، هو أن ينتهي من إعداد لفافة الحشيش التي بين يديه، وما إن ارتشف منها أول نفس، حتى رسم على محياه ابتسامة عريضة غطت وجهه، ونطق معلقا "هذي كميا مزيانة أصاحبي".

فجأة تعالت الأصوات والهمهمات، في طاولة وسط المقهى، ما أوحى بنشوب نزاع عنيف، بين أشخاص كانوا يلعبون الورق، فتوالت عبارات السب والشتم بينهم، حتى أنه لا يستطيع السامع تمييز كلمة غير نابية من بين ما خرج من أفواه المتنازعين، بركان غضب انفجر وسط المقهى دون سابق إنذار، وكما انفجر بسرعة، خمد وكأن شيئا لم يقع هنا
ندت من فم رشيد آهة تعبر عن الغضب الذي يعتريه وهو يشير بأصبعه إليهم ،إن ما يغيظني هو أن هذه اللقطة تتكرر مرات عدة في اليوم، ثم تعود الأمور إلى وضعها العادي، وكأن شيئا لم يحدث، لكني أخرج من هذه المعركة خاسرا، رغم أني لم أشاركهم عراكهم، فهذا الضجيج يفسد لي لذة التدخين ويجلني أستفيق من نشوته« وتنهد بعمق وقال وكأنه يمني النفس بمستقبل بعيد عن أجواء مقهى با احماد، "الله يعفو علينا من هاد البلاد".

كان أحمد يتحدث متأففا، عاكسا بذلك على ما يخالجه في طويته من آلام تمخضت عن أحلام لم تتحقق.

الإحساس نفسه كان تقاسمه الشبان الثلاث، الذي أطبق عليهم صمت، اعتبروه خير من كلام تداولوه غير ما مرة دون جدوى.

ما يلفت انتباه الداخل أول مرة لهذا المقهى، هو تعارف رواده فيما بينهم، وتحركاتهم داخل المقهى وكأن الفضاء ملكية خاصة، وهو ما يعكسه تحول المقهى إلى ما يشبه الفضاءات التي تعتمد أسلوب الخدمة الحرة.

إذ بين الفينة والأخرى، يأخذ أحدهم تحضير قهوته بنفسه، وحسب ذوقه وليس للمكلف بآلة القهوة سوى الإشراف، بينما النادل مكلف بجمع مستحقات طاولات لعب الورق، ومستحقات الطلبات.

مقهى با احماد مثال لمقاهي عدة تنتشر عبر مدن المغرب، لكن المقاهي الأدبية التي أخذت تنتشر في أحياء بعض المدن، سوف لن تستطيع تحويل مثل هذه المقاهي عن شغبها وصخبها الهادر، الذي يحيل العديد منها، مع مرور الزمن، أوكارا لتناول المخدرات، وقتل الوقت، والهروب من عتاب الأسرة، مما يجعل المرتاد لها يستأنس بها، ويشارك مرتاديها التيه الذي استشرى بين الشباب.




تابعونا على فيسبوك