حلت أمس الاثنين الذكرى 35 على رحيل الكاتب الفلسطيني، غسان كنفاني، الذي استشهد سنة 1972 بعد أن انفجرت عبوات ناسفة كانت وضعت في سيارته تحت منزله.
غسان كنفاني الذي جاء إلى الأدب الجاد والملتزم من ساحة السياسة، وجاء إلى السياسة من بوابة الأدب، كما تؤكد مختلف المصادر التي تناولت سيرته الذاتية والإبداعية, جمع بين الكلمة الحارة والعقل البارد، بين الفعل والتأثير، بين الممارسة والموقف.
لقد كان غسان شعبا في رجل، كان قضية، ووطناً، هكذا يصف الكثيرون تجربة غسان كنفاني مع الإبداع الذي كان مرتبطا عنده بالوطن وبمختلف القضايا الاجتماعية والسياسية.
لقد وصف غسان كنفاني في »عائد إلى حيفا« رحلة مواطني حيفا في انتقالهم إلى عكا وقد وعى ذلك وكان ما يزال طفلاً يجلس ويراقب ويستمع ثم تركزت هذه الأحداث في مخيلته فيما بعد من تواتر الرواية.
أما "أرض البرتقال الحزين« فحكى فيها قصة رحلة عائلته من عكا وسكناهم في الغازية, بينما استوحى »موت سرير رقم 12" من مكوثه بالمستشفى بسبب المرض
في قصته ما تبقي لكم التي تعتبر مكملة -لرجال في الشمس- يكتشف البطل طريق القضية، في أرض فلسطين وكان ذلك تبشيراً بالعمل الفدائي قصص »أم سعد« وقصصه الأخرى كانت كلها مستوحاة من ناس حقيقيين.
في فترة من الفترات كان يعد قصة ودراسة عن ثورة 36 في فلسطين فأخذ يجتمع إلى ناس المخيمات ويستمع إلى ذكرياتهم عن تلك الحقبة والتي سبقتها والتي تلتها، وقد أعد هذه الدراسة لكنها لم تنشر (نشرت في مجلة شؤون فلسطين/ أما القصة فلم يكتب لها أن تكتمل بل اكتملت منها فصول نشرت بعض صورها في كتابه "عن الرجال والبنادق".
كانت لغسان, تؤكد مختلف المصادر, عين الفنان النافذة وحسه الشفاف المرهف, لقد كان أدبه وإنتاجه الأدبي متفاعلا مع حياته وحياة الناس إذ كان يصور واقعا عاشه أو تأثر به في كل ما يكتب. لقد كان غسان أول من كتب عن حياة أبناء الخليج المتخلفة ووصف حياتهم وصفاً دقيقا مذهلا وذلك في قصته "موت سرير رقم 12"، وفى أوائل ثورة الـ 58 بالعراق أيام حكم عبد الكريم قاسم زار غسان العراق ورأى بحسه انحراف النظام فعاد وكتب عن ذلك بتوقيعط"أبو العز" مهاجما العراق فقامت قيامة الأنظمة المتحررة ضده إلى أن ظهر لهم انحراف الحكم فعلا فكانوا أول من هنأوه على ذلك مسجلين سبقه في كتاب خاص بذلك.
وتؤكد مختلف المصادر أن غسان كنفاني بعد أن استلم رئاسة تحرير جريدة "المحرر" اليومية استحدث صفحة للتعليقات السياسية الجادة, كما كان أول من كتب عن شعراء المقاومة ونشر لهم وتحدث عن أشعارهم وعن أزجالهم الشعبية في الفترات الأولى لتعريف العالم العربي على شعر المقاومة. السر في غسان كنفاني, وفق ما جاء في موقع "حيفا لنا" هو أنه "فلسطيني عادي، لا يأبه لتغيرات السياسة، ولا يكترث لاندفاعات الهجوم مثلما لا يهزم لتراجع المرحلة، إنه يحمل كل تناقضاتنا، تشتتنا، ذكاءنا وغير ذلك، فالرجل لا يتحدث عن فلسطين وشعبها ونفسه، وإنما يتحدث وطنه وشعبه من خلاله.
وهو في إطار اتحاد شامل وكلي، دون الرجوع إلى المصادر المتوفرة، إنه هو المصدر ذاته، وهو البيان، وهو الجواب.
وهو السؤال أيضا، سؤال ينتمي إلى تلك الشجرة، شجرة الفلسطينيين التي قال عنها المبدع الكبير فواز عيد إنها لا تمل الحياة أبداً ويضيف الموقع ذاته ترى لماذا لا زال يُكتب حتى اليوم عن غسان كنفاني وكأنه اغتيل أمس، أو كأن أدبه كتب قبل لحظة، والجواب بسيط، غسان كنفاني مبدع متعدد الأوجه والدلالات والأفكار، عميق الرؤية، مع كل مرة تقرؤه تكتشف شيئاً جديداً، إنه شبيه ببطل أسطوري، كلما رأيته اكتشفت في وجهه ملامح جديدة، المؤسف أننا نستطيع الزعم بأن العدو اكتشف مواهب الرجل قبل أن يكتشفها كثير من الفلسطينيين والعرب فحسم أمره، في حين لا زال البعض في الساحة الثقافية الفلسطينية والعربية غير منتبه إلى ذلك الكائن السري الساكن بين حروف كنفاني....
كانت بيروت المجال الأرحب لعمل غسان كنفاني وفرصته لالتقاء التيارات الأدبية والفكرية والسياسية.
بدأ عمله في مجلة "الحرية" ثم أخذ بالإضافة إلى ذلك يكتب مقالاً أسبوعيا لجريدة "المحرر" البيروتية. أسس كنفاني مجلة الهدف ورأس تحريرها منذ البداية حتى استشهاده، كما كان له شرف العمل في مجلات وجرائد عربية، كما قدم أعمالا إبداعية عديدة، تميز في القصة القصيرة وفي الرواية كما كان أول من قدم دراسة مميزة عن أدب المقاومة في فلسطين المحتلة عرف العالم العربي والأجنبي من خلالها شعراء فلسطين المحتلة وفي المقدمة منهم محمود درويش توفيق زياد وسميح القاسم، وتبعها غسان بدراسة أخرى في الأدب الصهيوني دخل فيها الكاتب إلى قلب المعادلة الصهيونية وغاص عميقا في لب الأدب الصهيوني محاولا فهمه ومن ثم تقديمه للقارئ العربي حتى يتمكن بدوره من فهم ماهية وطبيعة عدوه الأول الذي اغتصب أرضه وشرد أهله. كتب عنه أخوه عدنان كنفاني »غسان كنفاني واحد من جيل »ضاعت طفولته« على بوابات اللجوء. ها أنا ذا أفتح الصفحات الصفراء، أنثر ما فيها منذ الساعة السادسة والنصف من صباح يوم خميس التاسع من أبريل 1936 إطلالة غسّان الأولى على زيتون عكا.
يومها حمل رقماً على شهادة ميلاده 2755، ربما أدرك يومها أن والده معتقل في سجن الصرفند
لماذا؟ لأنه خرق مع صحبه نظام منع التجول المفروض على عكا، وحرّك مع صحبه أيضاً عبر قرع الطبول من فوق مئذنة جامع الجزّار، وصيحات الله أكبر الهادرة جماهير عكا والقرى المجاورة.
ما أن أفرج عنه حتى اعتقل مرة ثانية، هذه المرّة لدفاعه المتطّرف المجّاني بصفته محامياً منذ 1926 عن المعتقلين من الثوار في يافا.
ثم أفرج عنه بكفالة بشرط إثبات تواجده ثلاث مرات يومياً أمام الميجر هارنجتون الحاكم العسكري البريطاني.
ولم تلبث السلطات أن اكتشفت أنه مع المحاميين أمين عقل وإبراهيم نجم قادة الثورة في يافا.
أصدرت بحقّهم مذكّرات اعتقال قد تؤدي إلى أحكام بالإعدام، لكنّهم تمكّنوا ثلاثتهم من الهرب، وتمّكن والدي من السفر إلى سوريا واللجوء إلى حماية المجاهد محمد الأشمر الذي تعامل معه من قبل ومن بعد بتوريد السلاح لتأمين استمرار الثورتين هكذا كان المناخ وفي هذا الزخم درجت خطا غسّان الأولى.
وما أن أتّم عامه الثاني حتى أدخل إلى روضة الأستاذ وديع سرّي في يافا حيث أبتدأ بتعلّم اللغة الإنجليزية والفرنسية إلى جانب اللغة العربية ثم إلى مدرسة الفرير واستمر فيها حتى عام 1948
كتب والدي رحمه الله في مذكّراته بما يتعلّق بغسّان ملخّصاً اقتطف منه :
ـ غسّان طفل هادئ يحب أن يكون وحده في غالب الأوقات
مجتهد ويميل إلى القراءة، يحب الرسم حباً جمّاً، مهمل وغبر مرتّب ولا يهتم بملابسه وكتبه وطعامه، وإذا ذهبنا إلى البحر وغالباً ما نفعل"كان بيتنا قريباً من الشاطئ" يجلس وحده يصنع زورقاً من ورق، يضعه في الماء ويتابع حركته باهتمام.
قال لي مرة وكان عمره سبع سنوات :
ـ بابا أنا أحب الألمان أكثر من الإنجليز! سألته لماذا ؟ قال :
ـ لأن الإنجليز يساعدون اليهود ضدّنا.! من هذا المدخل أصّور حقيقة المناخ الذي عاش فيه غسّان وسط عائلة مثقفة ووطنية ذات وضع متميز اجتماعيا ومادياً سواء من جهة الأب أو الأم، وأقرر كذلك أن غسّان عاش طفولة مستقّرة هادئة وعاديّة وعندما جاءت أحداث 25 ابريل 1948 يوم الهجوم الكبير على عكا، هذا اليوم الذي عاشه غسّان بكل تفاصيله، بأحداثه المأساوية التي جرت أمام عينيه فقد كان بيت جدّي لأمي "حيث أقمنا بعد رحيلنا من يافا"ملاصقاً للمستشفى الوطني الذي كان يستقبل كل لحظة الجرحى والقتلى.