يعرف المهتمون الزواج المبكر، بأنه ذلك الذي يجري قبل سن البلوغ، أي قبل وصول الفتى أو الفتاة سن النضج وتمام النمو الجسمي والجنسي.
ويرى البعض أن الزواج المبكر ظاهرة لها إيجابياتها وسلبياتها.
إيجابياتها تكمن في تعويد الفتى والفتاة على تحمل المسؤولية والخروج من أحضان الوالدين لتكوين أسرة، في حين تتجلى السلبيات في كون هذا الزواج سبب حرمان أحد الطرفين أو كلاهما معا من حقه في عيش تجربة فترة المراهقة بكل معانيها، وبالتالي وضع حواجز أمام النمو النفسي والاجتماعي السليم، إضافة إلى وضع عراقيل في طريق الشاب أو الشابة ومنعه من استكمال تعليمه ومواصلة مساره الدراسي والنهل من منابع العلم والمعرفة.
وقالت حكيمة الطاهري الإدريسي، باحثة في علم الاجتماع لـ »المغربية« إن هناك مجموعة من القيود تفرض على الإنسان خياره في الزواج وتجبره أن يسلك دروبا معينة في الحياة قد تجعله يؤجل أو يعجل في اتخاذ قرار الدخول في القفص الذهبي، منها الوضع المادي والاجتماعي العائلي، والإصرار على وضع خيارات أولية في الحياة، كتحصيل المال والإمكانيات المادية اللازمة لتكوين عائلة، وأيضا ضرورة الوصول إلى مستوى معرفي مهم للتمكن من الحصول على وظيفة، وبالتالي استقلالية مالية.
وتحذر المحللة الاجتماعية من انعكاسات الزواج المبكر، لأن الارتباط في هذه السن، في نظرها، عادة ما تكون فيه نفسية الشاب المراهق غير مستقرة، ولا يصل إدراكه بأهمية الأشياء إلى مستوى النضج.
ويمكن أن تكون نتائج قراراته وخيمة، نظرا لأنها غالبا ما تكون مزاجية أو متسرعة
وتشير دراسات حول نسب الطلاق وأسبابه أنجزتها شبكة مراكز الرابطة إنجاد، استنادا إلى ملفات القضايا المتبعة في مختلف محاكم الأسرة في المغرب، أن الارتباط عبر الزواج في سن مبكرة، غالبا ما يؤدي إلى الانفصال، خاصة إذا لم يكن هناك دعم من طرف باقي أفراد الأسرة، الذين يلعبون دورا هاما في التوعية والإرشاد بالشكل الصحيح.
وتوضح الدراسات نفسها أن الشباب أو الشبابات الذين تتراوح أعمارهم ما بين 14 و18 سنة كثيرا ما يكونون غير كاملي النضج، وتتميز تصرفاتهم بالاندفاع والتسرع، ولا يتساهلون في تقديم التنازلات، ولو كان بعضهم على خطأ.
وتؤكد أن عبء المسؤولية الأسرية في سن مبكرة يبعد الشاب عن نيل حقه في عيش فترة المراهقة، التي يمكن أن يحن إليها لاحقا، قد يكون تجاوز فيها الخمسين سنة، وهذه أمور يمكن أن تكون لها انعكاسات سلبية على مستوى الأسرة.
وتشير الدراسات نفسها إلى أنه قبل تطبيق مدونة الأسرة الجديدة كان سن الزواج يحدد في 18 سنة للذكر و 15 سنة للأنثى، وهذا ما كان معمولا به من قبل، إلا أنه كانت هناك خروقات بالنسبة إلى سن الفتاة، التي كثيرا ما يجري تزويجها قبل أن يتجاوز سنها أحيانا الثالثة عشرة ربيعا.
وتوضح الدراسات أن المدونة الجديدة، جاءت بالعديد من المستجدات، منها رفع سن زواج الفتاة ليوازي سن الفتى، أي ثماني عشرة سنة لكلا الجنسين، إلا أنه في عدة حالات، خاصة في بعض المناطق القروية النائية، يجري خرق هذا المعطى وتزويج الفتاة قبل السن القانونية.
وأفادت الدراسات كذلك أن قرار رفع سن الزواج إلى الثامنة عشرة لم يمر دون أن يحدث ردود فعل، إذ عبرت عدة جهات ليس فقط عن استغرابها منه بل رفضها له، زاعمة بأنه لا يخدم مصلحة الفتاة، خاصة التي في وضعية تفرض حمايتها عن طريق الزواج ولو في سن جد مبكرة، في حين أن هناك من حبذ قرار رفع سن زواج الفتاة، نظرا لما تعانيه بعض الزيجات من صغار السن عند التنقل للعيش في كنف أسرة جديدة تفرض عليها الاستجابة والقيام بمسؤوليات فوق طاقتها المعنوية والذاتية.
حكت حليمة قصتها لـ "المغربية"، كإحدى ضحايا الزواج المبكر، بالقول إنها كانت تتمنى لو أن القرار الذي يحدد سن الزواج في سن 18، جرى تطبيقه قبل سنوات عدة، حين أجبرتها خالتها التي كانت تكفلها، على الزواج كرها من رجل يكبرها بأربع وعشرين سنة، في وقت لم تتجاوز 14 ربيعا من عمرها، وتسرد أنه رغم الظروف الأسرية القاسية التي كانت تعيشها وقلة إمكانيات خالتها المادية، لم يكن منطقيا ولا إنسانيا، تزويجها حينها، وذهبت إلى أبعد من ذلك بالقول إنه اعتبرت زواجها في تلك السن »اغتصابا«، أوضحت أنه لم يكن في مقدورها مواجهة خالتها، التي كفلتها منذ كان عمرها 5 سنوات، حين جلبتها من البادية، فقبلت بزوج في سن أبيها تقريبا.
وأضافت حليمة أن مأساتها لم تتوقف عند هذا الحد، بل أنها عانت الأمرين، أولا لأن الزوج، إضافة إلى سنه، فإنه كان معاقا، يتنقل على كرسي متحرك، نتيجة تعرضه لحادثة سير خطيرة، ذهبت ضحيتها زوجته وأحد ابنيه، وأكثر ما قاسته حليمة هو تصرفات حماتها المشينة، التي كانت تحشر نفسها في أدق تفاصيل حياتها مع زوجها، إذ وصلت بها الوقاحة إلى أن تتجرأ وتملي عليها الأوقات التي يمكنها أن تجالس و تعاشر زوجها خلالها.
وذكرت حليمة أنها استحملت الحياة العصيبة التي فرضتها عليها الظروف، ولو أنها ضاقت درعا من ملاحقة الحماة لها ومن تعقيباتها السلبية.
استمرت على حالها، خوفا من العودة إلى منزل خالتها حيث تقضي الوقت كله كخادمة تنظف وتغسل وتكوي الملابس.
في البداية لم تتمكن حليمة من فهم خلفيات تصرفات الحماة، لكن حدث يوما أن أخبرتها إحدى الجارات، التي صادفتها في سطح العمارة، حين صعدت لنشر الغسيل، حيث حكت لها أن زوجها المعاق سبق أن ارتبط مرتين قبلها، إلا أن الزوجتين السابقتين لم تستحملا تصرفات الحماة، وانصرفتا قبل استكمال السنة الأولى من الزواج، علمت حليمة أن الحماة تمنع الزوجات السابقات من معاشرة ابنها لأنها لم تكن ترغب في أن ينجبن منه، ومضايقة أبنائه من الزوجة الأولى في الإرث، خاصة وأنها كانت تكن لها حبا كبيرا، بحكم أنها ابنة أختها، حينها فهمت حليمة مآلها ووضعها، وقررت الرحيل عن الزوج وأمه الشمطاء، وانتهى الأمر بالطلاق بعد اقتناع العائلة بضرورة الانفصال.
يتقاسم عدد من الناس مع حليمة الرأي نفسه والإحساس، إذ هناك من يرى في الزواج المبكر سلبيات عدة، وتشير إحصائيات شبكة مراكز الاستماع إلى ارتفاع مهم في حالات الطلاق، مبرزة أن هناك أسبابا اقتصادية واجتماعية وراء فشل الزواج، وتفرد من بين هذه الأسباب مساحة إلى الزواج المبكر، خاصة مع سهولة مساطر الطلاق التي جاءت بها مدونة الأسرة الجديدة، لأنه في السابق كانت المرأة تجد صعوبة في طلب الطلاق، وتوضح التعليقات حول هذه الإحصائيات أن الزوجة حين كانت تلجأ إلى القاضي بعد الشجار زوجها، كان يطلب منها دليل مادي لإثبات ما يسهل عليها الطلاق، لكن اليوم، مع مدونة الأسرة غالبا ما يجرى تجاوز هذه الثغرة، وأضحى في إمكان أحد الزوجين طلب الطلاق دون حجج إثباتيه، إذ يكفي أن يصرح أحد الأطراف بطلبه للقاضي من أجل التطليق
وتشير دراسات سوسيولوجية إلى أن الزواج المبكر يمكن أن يفشل لأنه في غالب الأحيان خاضع لترتيب عائلي، إذ تتحكم الأسرة في فرض الارتباط على أبنائها، استجابة لمصلحة الأب والأم، دون مراعاة لرغبة الطرفين المعنيين بهذا الارتباط.
وتحلل الدراسات نفسها الأهداف الاقتصادية التي تتوخاها الأسر من الزواج المبكر المرتب، بالحديث عن توسيع الإرث والحفاظ عليه، والحصول على أموال أو خدمة معينة، ما يجعل الإرادة في تدبير هذا النوع من الزواج خارج المعنيين بها.
وتحدد الدراسات أن هذا النوع من الزواج يكون شائعا في معظم البوادي المغربية، حيث تغلب المصلحة على رغبة المتزوجين، فتسارع العائلة إلى عقد قران الشابين حفاظا على أملاك العائلة، رافضة دخول غريب يمكن أن يفكر في الاستيلاء عليها.
وتشير الدراسات نفسها إلى أنه في شكله البيداغوجي، يسهل الزواج المبكر على العائلة المستقبل للعروس الصغيرة، مهمة تلقينها وتعليمها قيمها ومبادئها وكل رغباتها، أي أنها تنحت وتصقل الزوجة وفق إرادتها، موضحة أنه خلافا لذلك، لا يمكن للعائلة القيام بذلك إذا تزوج الابن بفتاة تبلغ من العمر 30 سنة، تكون قد نضجت ونشأت على قيم معينة، لأنها آنذاك تقاوم كل ما تمليه عليها هذه الأسرة، فتنشب المشاكل.
وتفسر المصادر ذاتها أن تزويج صغار السن في ما بينهم، صفقة غير مربحة في غالب الأحيان، لأن المرتبطين لا ينجحون في تحمل المسؤولية، واتخاذ قرارات كفيلة بالتعبير عن مشاعرهم وقدراتهم، إضافة إلا أنهم لا يتوفرون على الإمكانيات المادية التي تضمن سعادة واستقرار بيت الزوجية
ويزداد الوضع تفاقما في حالة وفاة الأب، إذ تنعدم المداخل المادية، ليرى الزوج نفسه أمام واقع صعب تحمله ومسؤوليات لم يتعود القيام بها.
فتصبح العلاقة حينها سلبية، للإحساس نفسيا بعدم القدرة والعجز عن الاستجابة لحاجيات الأسرة، كما أن فشل الزواج المبكر ينتج عن عدم تفاهم الزوجين، ووجود هوة عميقة واختلاف كبير بين ميول وأفكار كل منهما.