أجمع المتدخلون في حفل إحياء الذكرى الأربعينية لوفاة الشاعر والإعلامي محمد الخضر الريسوني على نبل خصال الراحل وقيمته الأدبية والإنسانية.
وتناولت مختلف الشهادات التي جمعت بين دفتي كتاب، من إنجاز رابطة الشعر الغنائي، جوانب متعددة من حياة محمد الخضر الريسوني، الشخصية والمهنية، إذ لم يخلف أصدقاء وأحباء الراحل الموعد, بل جاؤوا للتأكيد على أن الرجل كانت له مكانة خاصة في قلوبهم, وكان حاضرا بأعماله وإنسانيته، لذلك جاءت شهاداتهم متضمنة لكل معاني التقدير والاحترام والاعتراف بالجميل.
وبما أن الراحل كانت له علاقات متميزة مع العديد من الفعاليات الثقافية والسياسية والاجتماعية، فإن أربعينيته، التي أحيتها رابطة الشعر الغنائي بالمغرب مساء الجمعة الأخير، تحت إشراف والي جهة الرباط سلا زمور زعير، وبتعاون مع وزارتي الثقافة والاتصال والشركة الوطنية للإذاعة والتلفزة المغربية، عرفت حضورا لكل هذه الفئات التي لم تتوان في التأكيد على أن الراحل كان بحق رجل العلاقات المتميزة ورجل الكلمة الطيبة التي فتحت له قلوب الآخرين.
"لقد راكم فقيدنا تجربة إذاعية رائدة قلما اجتمعت لغيره، سواء في حجمها وامتدادها الزمني الذي فاق خمسين عاما، أو في تنوعها وغناها« هذه بعض العبارات التي جاءت في شعلدج تبيل بنعبدالله وزير الاتصال الناطق الرطمي باسم الحكومة الذي أكد أن الراحل فعل خيرا حين أقدم على تدوين سيرته في العمل الإذاعي والتلفزي، وأصدرها في كتاب خاص تحت عنوان : "حياتي في الإذاعة والتلفزيون".
إن محمد الخضر الريسوني يضيف نبيل بنعبد الله، "ينتمي إلى جيل مغربي جعلته أقداره، وكذا ظروف المغرب التاريخية إبان عهد الحماية الأجنبية، جيلا حاضرا في أكثر من واجهة، فاعلا في أكثر من مجال، لأنه جيل كان يستشعر حجم المسؤولية، ويدرك الانتظارات التي باتت ترخي بظلالها على مغرب يتطلع لانتزاع استقلاله الوطني، وبناء دولته العصرية الحرة".
وقال من هنا نفهم البعد الموسوعي في تكوين المرحوم الخضر الريسوني، وإصراره على أن يسجل حضورا متنوعا، كأنه المفرد المتعدد.
فهو لم يكتف بمزاولة العمل الإذاعي، ولم يقتصر على ما ظل يقدمه في هذا المجال الحيوي حتى آخر أيامه، من عمل رائد وإنتاج غزير ومتنوع، بل أصر على أن يضيف إلى كل ذلك، إسهامات إبداعية في مجال الإبداع الأدبي الذي ترك فيه رصيدا مشرفا، نذكر منه مجموعتيه القصصيتين" أفراح ودموع" ثم "ربيع الحياة"، قبل أن تتلوهما سيرته الذاتية الغنية بالعبر والدروس، والتي أصدرها تحت عنوان "رحلة نحو النور".
لكن شخصيته الأدبية لا تختزل فقط في هذا اللون من الكتابة، إذ كان له أيضا إسهام في الكتابة للمسرح، حيث قدمت له التلفزة المغربية ما يفوق سبعين مسرحية، تدور أساسا حول التنشئة الإسلامية التي ظل الراحل يبلورها ويشرحها، وفق مقاربة تستهدف تكريس الفهم السليم للدين، في إطار قيم التسامح والتفتح والاعتدال".
وتناولت كلمة المديرة العامة للإذاعة الوطنية، لطيفة أخرباش القيمة الأدبية للراحل الذي قالت عنه إنه كان معينا لا ينضب من الشعر والأدب والإعلام، وأحد الرجالات المطلعين على أوابد اللغة وشواردها حتى أنه لم يسأل عن شيء إلا واستشهد له بكلام العرب من النظم والشعر، موسوعي الاهتمامات، كان يهوى الشعر الغنائي والأدب المتميز ويعشق الإعلام الإذاعي الهادف.
وذكر محمد العربي المساري، وزير الإعلام السابق، بالمسيرة الاعلامية المتميزة للراحل الذي كان »اسما علما منذ أواسط الخمسينات حينما كان مذيعا في راديو درسة تطوان، الذي دخله وهو مزود بما تلقاه في القرويين، موضحا أن الزاد الذي أتى به الراحل من فاس كان معرفيا وسياسيا، وكانت هي الإضافة التي أتى بها إلى تطوان وهي تطوي صفحة الجنرال باريلا، المندوب السامي الإسباني الشديد الذي كان مثل صنوه الفرنسي جوان مثالا للغطرسة.
واقترن مجيء خلفه بالينيو بفتح صفحة جديدة للسياسة الإسبانية في المغرب، وهو الجسر القائم بين مدريد والعواصم العربية، ومن مقتضياتها إحداث انفراج في منطقة الحماية الإسبانية.
وأضاف المساري أن راديو درسة تطوان، كتب له في هذا السياق، أن يقوم بدور إعلامي وسياسي مشهود، لأن الظروف السياسية أدت إلى نشوب مواجهة بين اسبانيا وفرنسا
وكتب للريسوني والدحروش والبوري وآخرين أن ينشطوا ذلك الدور، وأن يجعلوا من تجربة راديو درسة تطوان صفحة متميزة من تاريخ الإعلام المغربي".
من جهته ركز الكاتب المسرحي عبد الله شقرون على الجوانب الإنسانية في شخصية الراحل محمد الخضر الريسوني الذي قال عنه إنه "الإنسان الوفي كل الوفاء، والمخلص كل الإخلاص لنشاطه الدؤوب في العمل الفكري الذي انتمى إليه مبكرا عبر أمواج الأثير، وفي الإبداع الأدبي الذي كان هو ديدنه صباحا ومساء، وكذا في التزود المستمر بالمعارف الإسلامية دينا وحضارة، وفي التشبث الشديد بالدفاع الرزين اللبيب عن حقوق الآخرين في مجالات الآداب والفنون قبل الاهتمام بحقوقه الشخصية، ومنذ أن عرفته وهو يتحلى بالصبر والمصابرة على ثقل تلك الظروف الصعبة التي واجهته مثلما واجهت سواه من زملائه وأصدقائه أعواما متوالية، إلى درجة أني ما قابلته يوما إلا والبسمة المشرقة تعلو محياه البهي في كل آن.
وقد كان على الدوام المبادر إلى توثيق صلات الإخاء والمودة دون أن يبالي أبدا بكثرة القيل والقال في الميدان، لأن الصفاء الباطني والخلقي كان زاده الحقيقي من الدنيا".
وربط الفنان عبد الواحد التطواني حديثه عن الفقيد بالحديث عن الوطنية إذ أكد أن الخضر الريسوني أحد مرايا هذا الوطن، موضحا أن مسيرة الراحل مليئة بالإنجازات المشرفة التي تعكس بصدق حبه وما كان يحمله من هم ثقافي نابع من غيرته على هذا الوطن، "الذي يوجد في جذروه، في عقيدته الدينية وإيمانه بسماحة هذا الدين.
وقال التطواني إن الخضر الريسوني اختار النضال الثقافي كتعبير عن هذه العقيدة وهذه أهم رسالة تركها الفقيد.
وذكر عبد اللطيف بوعياد الرئيس المؤسس لرابطة الشعر الغنائي بالمغرب، بخصال الفقيد، "إننا مطالبون اليوم بتذكر مسار هذا الرجل الفذ، فالطريق الذي بدأه الفقيد محمد الخضر الريسوني، وشارك في إرساء دعائمه، هو الطريق نفسه الذي توج بازدهار الحركة الأدبية والفكرية ببلدنا المغرب، إنه الطريق ذاته، الذي أسست فيه عدة اتحادات تابعة للإذاعة والتلفزة المغربية، وعرف تأسيس النقابة الوطنية للصحافة المغربية مؤكدا عزم الرابطة تنظيم حفل فني كبير في وقت لاحق، يكون خاصاً بكل أعمال الفقيد
لقد عايش الراحل، الذي كان رئيسا شرفيا لرابطة الشعر الغنائي بالمغرب، وعضوا بالنقابة الوطنية للصحافة المغربية، واتحاد كتاب المغرب، والنقابة الحرة للموسيقيين المغاربة، والهيئة المستقلة لأخلاقيات المهنة وحرية التعبير، وأحد مؤسسيها، 12 مديرا للإذاعة الوطنية لأكثر من أربعين عاما، كما عايش مشاريع تحديث الإذاعة الوطنية، من خلال مشاركته في العديد من البرامج الأدبية والفنية والثقافية.