المسرح عنده يفتح أفق التأمل والتفكير لدى الإنسان

بوحسين مسعود : كونطرادا رصد جمالي لصور الوهم والمسؤولية والقانون

الإثنين 25 يونيو 2007 - 10:04

عندما تتحكم السياسة في الفن يتحول إلى خطب وشعارات، تنفي جوهر الصراع و تطاحن الرؤى التي هي من صميم جوهر المسرح، الشيء نفسه بالنسبة إلى علاقته بالدين.

الذي إن تحكم فيه يحوله إلى خطاب وعظي وإرشادي، كذلك بالنسبة لعلاقته بالأخلاق

كونطرادا هو عنوان العرض المسرحي الجديد لمسرح باندار، بعد نجاح عمله المسرحي السابق هنا طاح اللوي .

وقال بوحسين مسعود، مخرج المسرحية، إن كونطرادا عمل مسرحي عن الوهم والمسؤولية والقانون مؤكدا في لقاءبالمغربية أن المسرح يفتح أفق التأمل و التفكير لدى الإنسان، ويساهم بشكل غير مباشر في خلخلة الواقع.

وأكد أن المسرح سيبقى دائما تجسيدا جماليا للواقع ورؤية متعالية وإنسانية، وعلى هذا المستوى من العمق يتناغم مع كل القيم الأخرى ويحترمها إن توفر فيه حس الحدود واحترام الخصوصيات الدينية والأخلاقية لجمهوره.

وأشار إلى أن وضعية المسرح المغربي اليوم ليست سوى نتيجة تاريخ طويل من الإهمال،موضحا أن الراهن يستدعي إعادة قراءة تاريخه بنظرة أكثر عقلانية من أجل إحداث القطيعة، والإيمان بلا جدوى إمكانية الإستفادة من تاريخه المختل
ودعا بوحسين إلى صياغة مقاربات جديدة تهتم بالمؤسسة المسرحية أكثر من اهتمامها بالأعمال المنفردة.

ما هي الأجواء العامة التي بنيت عليها مسرحيتك الجديدة كونطرادا

ـ كونطراد عمل مسرحي يناقش موضوع الوهم في قالب جمالي كوميدي.

وهو يحكي قصة مجموعة من الناس يجدون ذات يوم علامة على تل بجانب القرية،وبمجرد ذلك يبدأ كل واحد منهم في تخيل ما يمكن أن تدل عليه، ومن هنا تبدأ الأحلام والأماني التي تتحول بدورها إلى أوهام بالثروة الموعودة، وعندما يشتد الوهم ويبلغ مداه يبدأ صراع الحقوق والواجبات والحصص والنسب ومن سيفوز بالقدر الأكبر .

وبما أن شخوص المسرحية كلهم حالمون وكسالى فهم يعجزون جميعا عن حفر الأرض لاكتشاف الخبر اليقين ،ولذلك يحتاجون إلى من يتحمل هذه المسؤولية، وينجحون في إقناع شاب بذلك رغم تردده في بداية الأمر، وخوفا من أن يهرب بالكنز المحتمل، يجبرونه على توقيع عقد تمر الشهور تلو الشهور فلا يجدون شيئا

عندها يصبح العقد المبرم ما بين الطرفين حقيقة بموجب القانون وعلى من وقعه أن يتحمل التبعات.

٭ مسرحية هنا طاح اللويز كانت بمثابة دعوة تضامنية مع الفئات المهشمة، واليوم عنوان كونطرادا« يحيلنا على أكثر من معنى،هل ترى أن اللغة المسرحية قادرة على زعزعة الواقع نوعا ما والمساهمة في تغييره؟

ـ لقد كانت عوالم هنا طاح اللويز هامشية، لكنها ليست دعوة تضامنية مع أحد، بل أكاد أجزم أن شخصياتها وما قد تحيل عليه على مستوى الواقع تستحق الشفقة، إنها صراع مابين العلم والخرافة، ما بين دكتور معطل ودجال يحلم بكنز في قندهار و امرأة تنتظر زوجا لا يوجد إلا في مخيلتها، ومراهق يحلم بالهجرة
إنها عالم وشخصيات لا تتصرف بإيجابية و لاتستطيع ذلك، وهي هنا ليست رمزا للفئات المهمشة بل لواقع عام، واقع يصدق أحلام دجال ويدفع الدكتور المعطل إلى الانتحار
»كونطرادا« مسرحية عن الوهم والمسؤولية و القانون
هناك شخصية ما في المسرحية توقع عقدا على الخواء، وتكون مجبرة في النهاية على دفع التعويض أو الموت، لأن الشخصيات الأخرى وجدت فيها أخيرا من سيتحمل كل الإخفاقات، لأنها تحتاج إلى كبش فداء يتحمل كل التبعات
و جوابا على سؤالك ،أنا لا أعتقد أن المسرح قادر على زعزعة الواقع، المسرح يفتح أفق التأمل و التفكير لدى الإنسان، قد يزعزع شعوره وفكرته عن موضوع ما بفعل قوة التأثير التي يمتلكها التعبير الدرامي، وهو هنا يساهم بشكل غير مباشر في خلخلة الواقع، أما أن يكون للمسرح تأثير مباشر، فأعتقد أن ذلك غير واقعي، بل وليس من وظيفة المسرح أصلا.

٭ المسرح رسالة ومسؤولية قبل أن يكون فرجة ،هل تتمسك في مسرحيتك الجديدة بدعم فكرة أن يكون المسرح فرجة؟

ـ أعتقد أن مسألة فصل الشكل عن المضمون في العمل المسرحي إشكال مفتعل
فإذا كانت لدي رسالة أو كنت أشعر بمسؤولية ليس من الضرورة أن أبدع عملا مسرحيا، قد أكتب مقالا أو أتظاهر في الشارع
لنرى المسألة من جانبها المعكوس : إذا كان الهدف فقط هو الفرجة الخالية من أي معنى فما الغاية من أن تجمع العشرات من الناس حولك لكي يضحكوا لمجرد الضحك أو يتأثروا لمجرد الثاثر؟ الحقيقة بالنسبة إلي توجد ما بين هذين النقيضين : المسرح الذي لا يدافع عن مضمون أو فكرة ما مجرد إثارة حسية محضة، ومسرح الشعارات والخطب لا يختلف عنه
الأول يثير حواسنا من الناحية البيولوجية والنفسية، والثاني يرشي حماستنا و يلبس قناع الإلتزام لكي يكتسب مصداقية فنية
كونطرادا عمل كوميدي، مبني على مواقف رغم عبثيتها فهي غاية في الجدية
أحاول دائما في أعمالي أن أراهن على الفرجة و العمق في آن واحد الفرجة لا أعني بها الكوميديا فقط.

بإمكان المرء أن يتابع مسرحية دون أن تكون بالضرورة كوميدية إذا كان فيها ما يشد الانتباه، لأن ما تحكيه المسرحية اذا اقترن بالأداء المتقن هو أيضا فرجة، في مسرحية كونطرادا هناك أيضا متعة بصرية من خلال الملابس و السينوغرافيا و تصميم الإضاءة (في المسارح المجهزة)…من خلال كل هذا أحاول أن أحقق المتعة العقلية والنفسية في آن واحد، مدعوما بفنانين متحمسين سواء المكتمرسين منهم أو الطاقات الشابة، اذ نحاول جميعا أن نستمتع أولا بما نقوم به ،قبل أن نشرك معنا الآخرين، محتفظين دائما بمبدأ أساسي : ليست غايتنا أن نثير الناس لمجرد الإثارة.

٭ قلت في لقاءات سابقة إن الفن لا يسمى فنا إلا إذا استقل عن باقي القيم الأخرى سواء كانت سياسية أو أخلاقية أو دينية، كيف ذلك؟

ـ مناسبة هذا التصريح ملف أعدته جريدة الأحداث المغربية في موضوع ما يسمى بـ المسرح الإسلامي

وجهة نظري في علاقة الفن بالدين والسياسة والأخلاق لا تختلف عما سبق أن أشرت إليه
ولما كانت هذه الميادين كلها قيم ثقافية بما فيها الفن، ولكي يؤدي كل منها دوره الاجتماعي على الشكل المطلوب فيجب أن يتمتع كل منها بشيء من الاستقلالية
عندما تتحكم السياسة في الفن يتحول إلى خطب وشعارات، يصبح خطابا مباشرا ينفي جوهر الصراع و تطاحن الرؤى التي هي من صميم جوهر المسرح، بل وتنتفي فيه صفة الجمال ولا يثير فينا أي حس غير حماسة الخطابة نفس الشيء بالنسبة إلى علاقته بالدين الذي إن تحكم فيه يحوله إلى خطاب وعظي وإرشادي وهذه ليست وظيفته، نفس الشيء بالنسبة إلى علاقته بالأخلاق فعندما نرى على الخشبة شخصية سكير عربيد، أو عندما نجسد مشهد أفاق كذاب، فليس معنى هذا أن من يؤديه هو كذلك، كما أنه ليس معنى ذلك دعوة إلى الرذيلة، بل بكل بساطة تجسيد لحقيقة. لأن ما هو لا أخلاقي في الحقيقة هو تزوير الحقائق.

أجد صعوبة مثلا في تصور مسرحية مليئة بالناس الفضلاء بكل بساطة، لأن الواقع ليس كذلك.

لذا كان المسرح دوما وسوف يبقى تجسيدا جماليا للواقع،رؤية متعالية وإنسانية، وعلى هذا المستوى من العمق يتناغم مع كل القيم الأخرى، ويحترمها إن توفر فيه حس الحدود واحترام الخصوصيات الدينية والأخلاقية لجمهوره.


٭ في الوقت الذي كثرت فيه التجارب والفرق المسرحية بدأنا نلاحظ نوعا من التراجع في مستوى بعض الأعمال، ماهي في نظرك حدود مسؤولية المسرح و المسرحيين؟

ـ وضعية المسرح المغربي اليوم ليست في الواقع سوى نتيجة تاريخ طويل من الإهمال، وأعتقد أن وضعه الراهن يستدعي إعادة قراءة تاريخه بنظرة أكثر برود وعقلانية من أجل إحداث القطيعة، والإيمان بلاجدوى إمكانية الإستفادة من تاريخه المختل
بإمكاننا الإستفادة من الأشخاص والفنانين الكبار الذين صنعوا مجدهم من عدم، لكن كظاهرة اجتماعية ثقافية متغلغلة في الوجدان الشعبي، أعتقد أننا مازلنا في البداية ،وذلك لكونه ظاهرة فنية لاتبنى على المبادرات الفردية، بل على المؤسسات وعلى الإيمان بدوره في تحديث المجتمع وإيقاظ وعيه الجمالي والعقلي
وهذا لن يتم إلا من خلال تخطيط نسقي مبني عن إرادة سياسية حقيقة.

يجب أن نفكر أن المجتمع المغربي هو الذي يحتاج إلى المسرح وليس العكس
وهذه الحقيقة في الواقع لا نلمسها لنفترض أنه في يوم ما لم يعد هناك أي عرض مسرحي ماذا سيحدث؟ لا شيء قلة قليلة ستشعر بذلك أما الغالبية العظمى فوجوده أو عدمه سيان.

لماذا؟ لأنها بكل بساطة لم تتعود على مشاهدته، لأن المسرح ليس مجرد كلمة، هو خبرة وكم هائل من الصور الركحية المخزونة في الذاكرة وهي التي تعرفنا على المسرح بشكل صامت لانحتاج معه لا إلى مصطلحات ولا ادعاءات سمو الذوق
في هذا الوضوع يصبح من السهولة إلقاء اللوم على المسرحيين، علما أن أغلبهم هاجر إلى التلفزيون والسينما، وحتى اذا عاد فعودته ليست سوى استجابة لحنين قديم
لماد؟ لأن شروط الممارسة بالأمس ليست هي اليوم .

لقد أدت سياسة الدعم للمسرح المغربي خدمة جليلة تمثلت أولا في الاحتفاظ به حيا ،وفي اكتشاف طاقات جديدة وقد أدت خدمتها في هذا الباب المسرح المغربي الآن في حاجة إلى استثمار نجاحاته ووضع الأصبع على الندوب التي تسترت تحت ابتسامته المشرقة، وصياغة مقاربات جديدة تهتم بالمؤسسة المسرحية أكثر من اهتمامها بالأعمال المنفردة، عندها سيتحقق التحول في نظري
فالمسرحيون المغاربة من مختلف الأجيال يمتلكون الكفاءة اللازمة لذلك، والمواهب الفنية الصاعدة قادرة على التطور.




تابعونا على فيسبوك