أكدت الدورة الثانية عشر لمهرجان الجاز شالة أن الموسيقى قادرة على اختراق الحدود وتحقيق التواصل مع الآخر كما أكدت أن الجاز لم يعد فنا شائخا بل شبابي مائة في المائة.
فعلى امتداد أيام المهرجان التي تواصلت في الفترة الممتدة من 15 إلى 19 يونيو الجاري، عاش فضاء شالة التاريخي لحظات قوية امتزجت فيها الموسيقى العالمية بأنغام مختلفة من الموسيقى المغربية معلنة سلطة الفن أولا وأخيرا، ومعلنة أيضا أن المهرجان استطاع أن يكون فعلا مهرجانا جماهيريا، مفتوحا للجميع من مختلف الأجناس والأعمار
لقد ظل الاتحاد الأوروبي يعتبر الثقافة أساسية في كل عملية شراكة بينه وبين دول الضفة المتوسطية الجنوبية، خاصة المغرب, وهذه السياسة أثمرت مشاريع قامت على الشراكة بين الطرفين المغربي والأوروبي.
ففي الموسيقى كان الاتحاد الأوروبي الأسبق في الدعوة إلى مزج إيقاعات مغربية بإيقاعات أوروبية، كما هو الحال في مهرجان »جاز لوداية«، الذي حمل في ما بعد اسم"جاز شالة".
ومع مرور الدورات، أصبح هذا الموعد السنوي يستأثر باهتمام متزايد من طرف محبي الجاز، وأصبح المهرجان يؤسس لثقافة واضحة كون الموسيقى إحدى الوسائل الأكثر نجاحا في التواصل بين الثقافات، ومد جسور الحوار والتفاهم بين أوروبا والدول المغاربية عموما، والمغرب خصوصا إن الثقافة السائدة في مهرجان "الجاز شالة".
كما أكد مجيد بقاس في لقاء بالمغربية، هي خلق الحوار ما بين الشعوب وقد نجح المهرجان في تحقيق ذلك سنة بعد أخرى، وأكبر دليل على نجاح التجربة هو التسجيلات التي تتوج بها دورات المهرجان، والتي تؤكد فعلا أن هناك إبداعا مشتركا ورؤى فنية مشتركة بين مختلف الثقافات بعيدا عن أي اختلاف.
وتبقى اللقاءات الفنية التي تجمع بين الفنانين المغاربة ونظرائهم الأوروبيين من بين المحطات القوية في المهرجان لأنها تحظى باهتمام كبير من طرف الجمهور المغربي الذي أصبح واعيا بقيمة الحوار الفني في معرفة الآخر، كما أنه اكتشف فيها الجاز الأوروبي الذي لم يكن معروفا في المغرب، مثل الجاز الأميركي.
وعانق الجمهور الذي امتلأت به جنبات فضاء شالة يوميا، أنغاما مختلفة من الموسيقى العالمية في حوار فني ممتع مع الموسيقى المغربية، بكل تلويناتها، فلم تكن الحفلات مجانا بل مؤداة، ورغم ذلك كان الإقبال كبيرا، ما أكد أن الفرجة الهادفة، والفن الجميل لا يقدر بثمن.
لقد أصبحت موسيقى الجاز في المغرب تعيش ألفة غير مسبوقة بين عشاقها، وأصبحت تمتزج في ألفة مع الموسيقى المحلية.
وقد وقف الجمهور المتتبع فعلا على هذه الألفة من خلال العديد من الحفلات التي جمعت أسماء عالمية بفنانين مغاربة متميزين في مجالاتهم، إذ نجح حفل الافتتاح الذي دشنه الثلاثي الموسيقي البلجيكي جيف نيف وفنان موسيقى الإلكترو جاز السويدي كوران كاجفيس الذي مزج بين فن الجاز والموسيقى الإلكترونية المصحوبة بالموسيقى الإيقاعية للفنان المغربي غاني كريجة في التأكيد على أن الموسيقى لغة موحدة بين مختلف الشعوب.
ومكن حفل الافتتاح الجمهور المغربي من اكتشاف فنان مغربي مقيم بألمانيا هو غاني كريجة، الذي نشأ وترعرع بالصويرة، المدينة السابحة في عالم الموسيقى الأكثر غنى بمنطقة شمال افريقيا.
فمنذ فترة المراهقة، بدأ هذا الفنان عزف الموسيقى رفقة كبار الموسيقيين بالمغرب
وأضحى من العارفين والملمين البارزين بالموسيقى العربية والأندلسية والإفريقية واللاتينية.
وأحيى غاني كريجة حفلات موسيقية بكل دول العالم وشارك في عروض موسيقية مع فنانين موسيقيين مشهورين، وفي سنة 2003 أصبح غاني مرافقا لـ Sting في جولاته الغنائية ويشارك في جميع العروض الموسيقية المنظمة خلال جولات Sacred Love.
كما تميز المهرجان باللقاء الفني الذي جمع المعلم الكناوي محمد شوقي، الذي يعمل في هذا الإطار لما يزيد عن أربعين سنة، بأنطوني جوزيف ذي الجذور الإفريقية, هذا اللقاء الذي قدم للمتتبعين وجها آخر من أوجه التعاون الفني والانسجام التلقائي بين تجربتين فنيتين مختلفتين لكنهما متوحدتان في الإحساس والهدف.
خاصية أخرى تميز بها المهرجان هذه السنة هي حضور الموسيقي المغربي الشاب كريم سوسان، الذي كان مصحوبا بعازف البيانو البرتغالي بيرناردو ساسيتي، لأن اللجنة الأوروبية عادة هي التي تستدعي الموسيقيين المغاربة لمثل هذه اللقاءات، لكن بالنسبة إلى كريم سوسان الأمر اختلف فهو الذي قدم الحفل مرفوقا بعازف البيانو البرتغالي.
هناك أمر آخر مهم يحسب للمهرجان، هو تعريف الجمهور المغربي بفنانيه المقيمين في أوروبا وبالمبدعين الذين يحاولون البحث في التراث المغربي أو التجديد، سواء من مغاربة الخارج أو مغاربة الداخل.