منذ بضعة أيام فقط منحت حكومة إسبانيا جنسية بلدها للعداءين المغربين لمدسم وآيت خموش. واليوم تستعد عداءة أخرى لمغادرة الوطن نحو إيطاليا, بحتا عن أفق أرحب, بعدما أغلقت في وجهها أبواب الأمل طيلة العشر سنوات التي مارست فيها رياضة الجري.
ودافعت خلالها عن ألوان المنتخب والنادي البيضاوي, دون أن تحقق من وراء ذلك ما كانت تصبو إليه من أجل تحسين وضعيتها المادية والاجتماعية, داخل أسرة تتكون من سبعة أفراد, تعيش بفضل مدخول بسيط لأم أرملة عانت كثيرا لتوفر لها بذلة رياضية وغداء صحيا يليق ببطلة في المسافات الطويلة.
إنها العداءة سهام العرايشي التي تبلغ من العمر26 سنة. تقطن بحي بوركون الشعبي وتختص في سباق الـ 10.000 متر على الطريق ونصف الماراطون. وعندما كانت على وشك اعتزال حلبات السباق بحثا عن أي عمل يوفر لها موردا ماليا, امتدت إليها أياد المساعدة من طرف أشخاص يعشقون ألعاب القوى, لثنيها على تعليق الحداء والاستسلام. ولم يكن هؤلاء سوى أعضاء نادي عدائي "كازا بلانكيز", الذين بادروا منذ سنتين إلى تأسيس جمعية تُعنى بمساعدة العدائين والدفاع عن استمرار وجود الفضاء الرياضي الذي تحمل اسمه, الواقع قرب حديقة الجامعة العربية, وسط الدار البيضاء.
ويعتبر الأخير الفضاء الوحيد المتبقي وسط العاصمة الاقتصادية حيت يتدرب عداءو أغلب أندية ألعاب القوى البيضاوية.
قبل مغادرتها نحو ميلانو, وجهت سهام العرايشي نداء عبر "المغربية" إلى الجهات المعنية وعلى رأسها محمد ساجد, عمدة المدينة, من أجل إنقاذ حلبة "لاكازا بلانكيز" من الضياع. وهي المعلمة التي أنجبت عدائين أولمبيين وعالميين, أمثال نوال المتوكل ابراهيم بوطيب. ووعدت العرايشي بأن ترد الجميل لجمعية "كازا بلانكيز" بالانخراط في حملة عالمية للدفاع عن الفضاء الرياضي المذكور والحيلولة دون تحويله إلى إقامات إسمنتية, كما يتردد بين سكان المدينة. ولم تخف سهام كونها ستغادر البلد وفي نفسها حرقة وقلق على مصير الحلبة التي ارتبطت بها ونسجت معها علاقة حب ونصر دامت قرابة 10 سنوات. وقالت, مشيرة إلى جرح في إصبع قدمها "إن هذه الإصابة لحقتني بسبب الإهمال الذي تشهده مرافق لاكازا بلانكيز, إذ أن غياب الإنارة يعوق العداءين خلال الحصص التدريبية المسائية خصوصا أنها تجري في الظلام, فضلا على أن مدرجات الفضاء التي تعلوها الأزبال تستقطب منحرفين يهددون سلامة الرياضيين".
وكان إلى جانب العرايشى عند زيارتها إلى مقر "المغربية", المدير التقني لنادي عدائي لا كازا بلانكيز" العربي بريشة الذي اكد بدوره التهميش الذي يمس الفضاء المذكور. وقال إن جمعيته التي يقودها جلال عبد اللطيف, لاعب الريكبي سابقا وأحد الوجوه البارزة في مارطون الرمال الدولي, تستعد للقيام بمجموعة من المبادرات الرامية للتحسيس بالقيمة التاريخية والرياضية لمعلمة لاكازابلانكيز التي تأسست منذ ما يفوق نصف القرن.
لم تصدق أسماء العرايشي نفسها وهي تتسلم التأشيرة من القنصلية الايطالية بالدارالبيضاء. وظلت تقبل جواز سفرها قبل أن تنهار بالبكاء أمام اندهاش الجميع. وعندما تسأل العداءة هل هذه كانت دموع فرح أم دموع حزن بسبب الابتعاد عن الأسرة والوطن؟ لا تجد العرايشي جوابا مقنعا وتعتبر أمر هجرتها إلى إيطاليا "قدرا" لم تكن تتوقعه.
وتحكي ان قصة حصولها على الفيزا للالتحاق بإحدى الأندية الايطالية لألعاب القوى بميلانو بدأت صدفة. إذ ولجت إحدى مقاهى الانترنيت, وبينما كانت تتنقل من موقع لآخر ومن صفحة لآخرى أثار انتباهها موقع نادي ايطالي يرغب في التعاقد مع عداءات في المسافات الطويلة يشترط أن يتوفرن على توقيت معين. تقول:" لاحظت أن التوقيت الذي أتوفر عليه في الـ 10 ألف متر على الطريق (34 دقيقة) وفي نصف المارطون (ساعة واحدة و17 دقيقة) أحسن بكثير مما يشترطه النادي فأرسلت طلبي ولم يتأخر الجواب بالقبول".
وبعد أسابيع فوجئت العداءة بإرسال النادي الايطالي لمديره التقني للتأكد من إمكانيات العرايشي التقنية والبدنية وصادف وجوده بالدار البيضاء إجراء الدورة التاسعة للسباق النسوي للمدينة الذي تشرف عليه البطلة الاولمبية نوال المتوكل. تضيف: "اقتنع المدير التقني لفريق ميلانو بسرعة بإمكانياتي واستضافته جمعية نادي عدائي لاكازابلانكيز التي تتكون من أعضاء اغلبهم من الرياضيين القدامى ويحتلون حاليا مناصب عليا في الإدارات والمؤسسات الخاصة".
وقبل تاريخ سفرها وخلال الأسابيع التي دامتها إجراءات الحصول على التأشيرة, أصرت البطلة الواعدة في سباقات الماراطون على المشاركة في أكثر من سباق في الدارالبيضاء ومراكش وافران بقميص جمعية عدائي لاكازابلانكيز رغم انتمائها إداريا للنادي البلدي البيضاوي. وذلك تكريما وردا للجميل لهذه الجمعية ولأشخاص الذين مدوا لها يد المساعدة وذكرت بالاسم جلال عبد اللطيف الكاتب العام للجمعية والعربي بريشة, المدير التقني ومحمد أقصبي الناطق الرسمي للجمعية, وهو عداء ولاعب سابق بالاتحاد المحمدية لكرة القدم.