ذكر محسن بن ياشو، اختصاصي الطب النفسي، أن جل الأمراض النفسية عند الأطفال يمكن أن تكون ناتجة عن التحرش الجنسي، الذي يؤدي أحيانا إلى الاغتصاب، باعتباره شيئا مدمرا.
لتكوين ونمو شخصيتهم. وأكد الطبيب النفسي في تصريح لـ »المغربية« أن الطفل الذي يسقط ضحية التحرش يعاني الاكتئاب، القلق، والاضطراب، والوسواس القهري، ويتجنب المواقف والأماكن التي لها علاقة بالتحرش، كما يؤثر هذا السلوك على نموه الطبيعي فيلجأ إلى العزلة، أو الإدمان، أو الدعارة، واضطرابات في ميوله الجنسي
وأفاد بن ياشو أن الطفل المتحرش به يفقد الشعور بالأمان، و الثقة بالنفس وفي الآخرين، ويكره أعضاءه الجنسية، كما يشعر بالعجز نتيجة لعدم قدرته على الحفاظ على جسمه والدفاع عن حقوقه، مشيرا إلى ظهور بعض الاضطرابات السلوكية لديه مثل : التبول اللاإرادي وقضم الأظافر وظهور نوبات العنف واضطرابات النوم
وأكد أن من خصائص المتحرش، الذي يلجأ لهذا السلوك غير الطبيعي، الشعور بالنقص واضطراب البناء النفسي، وتعرضه الواضح لحالات الاكتئاب، وغالبًا ما يكون المتحرش قد تعرض لحالات التحرش الجنسي في الطفولة
وقال بن ياشو إن مزاولة السلوك نفسه ينتشر أيضا من طرف المدمنين، نظرا لوقوعهم ضحية تأثير مادة الكحول أو المخدرات التي تفقدهم التوازن في التفكير، معتبرا الأطفال ضحايا التحرش الجنسي أكثر عرضة للاغتصاب، نظرا لعدم قدرتهم على الدفاع عن نفسهم، ولسهولة الضغط عليهم عبر تهديدهم وتخويفهم
ورأى أن الظاهرة تفاقمت أيضا في الآونة الأخيرة بسبب انتشار السياحة الجنسية في المغرب، إذ أن هناك عددا من السياح الذين يعانون شذوذا يقصدون المغرب ليس من أجل الزيارة فقط ولكن أيضا من أجل السياحة الجنسية
وأضضاف أن السلوك غير الطبيعي يصدر أيضا عن أشخاص يعانون حالات ذهانية أو فصامية إلا أنها نادرة، مؤكدا أنه يجب الانتباه للظاهرة لأن هناك احتمال وجود المتحرش أو المغتصب في أي مكان، خاصة في الأماكن الفارغة وفي أوقات معينة
وأكد بن ياشو على ضرورة الاهتمام بالثقافة الجنسية المنضبطة للطفل والاستماع له بإصغاء واهتمام، حتى يحس بالأمان، مع توخي الحذر والاطمئنان تجاه المكان الذي يتحرك فيه الطفل
ورأى أن عامل حرية التعبير، والتقاليد التي تحث على التكتم لها علاقة بانتشار الظاهرة، مشيرا إلى أن بعض الدول العربية تنفي وجودها لما للموضوع من حرج بالنسبة إلى الضحايا، وذكر أن التحرش الجنسي يعني تعرض الطفل أو الطفلة إلى مشاهد فاضحة أو صور عارية أو تعمد إثارته بأي شكل من الأشكال، كتعمد ملامسة جسده، بالإضافة إلى الاعتداء الجنسي المباشر عليه في صوره المعروفة الطبيعية منها والشاذة
وأكد أن الظاهرة شائعة في الأماكن العمومية مثل الحدائق، وأمام المؤسسات التعليمية، وبعض المناطق غير الآهلة بالسكان خاصة في البوادي، كما تظهر هذه الحالات في الشارع، وذلك من خلال الوقوف في مواجهة نوافذ المنازل بخلع الملابس وانتظار إطلالة من الفتيات اللواتي يقطن هناك
ورأى بن ياشو أن انتشار ظاهرة التحرش الجنسي تتجلى أيضا في المغرب مثل الدول الأوروبية، في الشارع من خلال الرجال الذين يتتبعون خطوات النساء عبر السيارات، مشيرا إلى أن الفرنسيين على وعي بأن هذا السلوك يعاقب عليه القانون، بينما يجهل بعض المغاربة أن هناك مساطر تساهم في الحد من الظاهرة بواسطة معاقبة الجناة، ويكتفون فقط باستنكارها أو التنديد بها لفظيا
وأكد أنه على الوالدين الانتباه إلى الأماكن التي يمكن أن تقع فيها الظاهرة مثل الظروف السكنية والمحيط الذي يعيش فيه الطفل، وأشار إلى أن السلوك يمكن أن يصدر عن الأب، أو الجد، أو العم، أي أقرب المقربين إلى الطفل
ورأى أن هناك حالات معينة تساهم في الإقدام على السلوك نفسه, ويتعلق الأمر بغياب المرأة العاملة عن المنزل في أوقات معينة، وخروج الأطفال للعب في الشارع، مركزا على أن عدم مراقبة ورعاية الآباء لأبنائهم يشكل خطرا على الأطفال
وذكر أن الوالدين أو الأسرة تتعامل بجهل تام مع الظاهرة، إذ يفقد الآباء القدرة على تقديم النصح والإرشاد إلى الأبناء، أو حتى التعامل المفترض مع أي حادثة تحرش جنسي قد يتعرض لها أطفالهم، أو فهمهم للآثار النفسية والاجتماعية الخطيرة التي يلحقها التحرش الجنسي بالطفل، الذي يمكن أن يتعرض للتحرش من قبل الأشخاص القريبين منه كالمعلم في المدرسة أو الآباء في المنزل أو من قبل غرباء لا يعرفهم
وأكد على أهمية الملاحظة الدقيقة لتصرفات الطفل الذي سقط ضحية حادثة التحرش دون أن يشعر، وعرضه على طبيب نفسي لمساعدته على تجاوز الأزمة، بالإضافة إلى أهمية العمل على ملاحقة الجاني حتى ينال عقابه والتأكيد على ذلك للطفل، معتبرا ذلك جزءا أساسيا في علاج الطفل، وفي الوقت نفسه يكون رادعا للآخرين الذين تسول لهم أنفسهم التحرش بالأطفال وانتهاك براءتهم
ورأى المصدر ذاته ضرورة منح الطفل قدرًا كبيرًا من الثقة في نفسه، وتنشئته على سرد أية مواقف أو انتهاكات قد يتعرض لها من المحيطين به دون خوف من عقاب أو زجر، واعتبر الحديث عن التحرش الجنسي في وسائل الإعلام وسيلة لتعريف المواطنين بها، وبنتائجها السلبية على نفسية الضحية، وتوعية الأهل بطرق وقاية أبنائهم من الوقوع فيها، وفي الوقت نفسه مساندة من تعرضوا فعليًا للتحرش للتخلص من آثاره النفسية السلبية، وإعادة إدماجه في الوسط الاجتماعي المحيط
ولاحظ الاختصاصي أن وسائل الإعلام تغفل التطرق إلى قضية التحرش الجنسي في المغرب، وتحليل هذه الظاهرة التي يعود انتشارها في جل المجتمعات إلى عدة عهود، مشيرا إلى ارتفاعها في الآونة الأخيرة، بسبب توفر الظروف التي تقع فيها، والصمت الذي يلفها، مؤكدا أن أغلبية الضحايا لا يصرحون بالواقعة، نظرا للتقاليد والعادات والتربية التي يتلقونها، خاصة الفتيات في العائلات المغربية المحافظة، على خلاف ما يقع في المجتمع الأوروبي والكندي
وأشار إلى أنه في كندا فتاة من بين أربعة تتعرض للتحرش الجنسي بينما يوجد طفل من بين ستة أطفال، وهي نسبة مرتفعة جدا، لأن 25٪ من الفتيات في المجتمع المذكور يتعرضن للتحرش الجنسي
وأكد أن المغرب مثل جميع الدول العربية لا يتوفر على إحصائيات دقيقة تشير إلى عدد ضحايا الظاهرة، مضيفا أن ذلك يرتبط بالتقاليد والاعتقادات التي تسود هذه المجتمعات