أصبحت رشيدة داتي أول امرأة مغربية تحتل منصبا في حكومة فرنسية، بعد الإعلان، أمس الجمعة، عن تعيينها وزيرة للعدل في الحكومة الجديدة، برئاسة فرانسوا فيون، إثر انتخاب نيكولا ساركوزي رئيسا للجمهورية.
وجاء تعيين داتي ضمن تشكيلة وزارية مقلصة تضم 15 وزيرا يتوزعون مناصفة بين رجال ونساء، ويتولى فيها الاشتراكي برنار كوشنير الخارجية والشؤون الأوروبية، في مؤشر لسعي الرئيس اليميني الجديد إلى تطمين الأجيال الجديدة من المهاجرين المغاربيين، والانفتاح على المعارضة، بعد حملة انتخابية ساخنة قسمت الفرنسيين إلى نصفين تقريبا.
ولدت رشيدة داتي في فرنسا، عام 1965 من أب مغربي وأم مغربية، وهي تنتمي إلى أسرة تتكون من 12 فردا، وتابعت دراساتها العليا في العلوم القانونية.
وكان لسيمون فيل، الوزيرة الفرنسية السابقة، دور كبير في تشجيع رشيدة على الاتجاه إلى مهنة القضاء، حيث اشتغلت داتي في عدة مؤسسات، وتمكنت، بفضل كفاءتها واجتهادها، من أن تفرض ذاتها في الحقل القضائي.
وبفضل علاقاتها المتميزة مع نخب اليمين الفرنسي، أصبحت داتي مستشارة لساركوزي عام 2002 في شؤون الهجرة، عندما تولى وزارة الداخلية.
وفي عام 2006، انخرطت في حزبه، الاتحاد من أجل حركة شعبية، الذي نشأ عن الحزب الديغولي السابق، التجمع من أجل الجمهورية، لتصبح عام 2007 ناطقة رسمية باسم نيكولا ساركوزي، عندما ترشح لرئاسة الجمهورية، إذ اكتشف الفرنسيون هذه المرأة السمراء الباسمة الوجه.
ربط المراقبون تعيين رشيدة داتي في موقع الناطقة الرسمية باسم مرشح اليمين وكذا المغربية الأخرى نجاة بلقاسم، ناطقة باسم المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال، باستراتيجية انتخابية هدفها تحويل الجالية المسلمة في فرنسا إلى كتلة انتخابية فاعلة في توجيه نتائج الانتخابات الرئاسية.
أدرك ساركوزي وجود فئة ناخبة مهمة من المجتمع الفرنسي متحدرة من الهجرة المغاربية والإفريقية يجب الفوز بأصواتها، خاصة وأن سجله مع المهاجرين لم يكن نظيفا، بسبب وصفه بالرعاع لشباب الضواحي عند أحداث الشغب نهاية عام 2005، عندما كان وزيرا للداخلية.
وهكذا يكون تناول مسألة الهجرة بشكل يميني متطرف، أملا في استقطاب ناخبي اليمين المتطرف، قد دفع ساركوزي في الوقت نفسه إلى السعي إلى إسقاط تهمة العنصرية عنه بالانفتاح على "رمز ناجح" من جيل الهجرة، كما تمثله رشيدة داتي.
لم يعرف الفرنسيون رشيدة داتي قبل حملة الانتخابات الرئاسية، بينما كانت بالنسبة إلى وزير الداخلية سابقا والرئيس الجديد حاليا، أكثر من مجرد مستشارة، فقد شكلت في مقر الداخلية الفرنسية أبرز أعمدة الطاقم الوزاري، وذهب البعض إلى اعتبار هذه الفرنسية ـ المغربية ـ الجزائرية »كاتمة سر ساركوزي«، ومن موقع المستشارة لشؤون الضواحي والوقاية من الانحراف عن سياسة وزير الداخلية آنذاك لم تكن تحبذ الظهور كثيرا أمام الإعلاميين إلا مضطرة، وظلت تفضل العمل فيما عرف بـ »ماكينة« ساركوزي الداخلية، حسب مقربين منها.
وللمرة الأولى أيضا طبق في فرنسا مبدأ المساواة بين الرجال والنساء في التشكيلة الحكومية، فتضمن ثمانية وزراء وسبع وزيرات، في مؤشر على إرادة التغيير التي أكدها ساركوزي خلال حملته الانتخابية.
وفي بادرة "انفتاح" على اليسار الذي وعد به ساركوزي بعد انتخابه في 6 ماي، عين في الحكومة برنار كوشنير (67 عاما) الذي بقي لفترة طويلة من الشخصيات الأحب الى الفرنسيين.
وشارك كوشنير في الماضي في عدد من الحكومات الاشتراكية.
وهو من مؤسسي منظمة »أطباء بلا حدود" في السبعينات ومن دعاة "حق التدخل الإنساني"، ويعد، مثل ساركوزي، أكثر ميلا الى التقارب مع الولايات المتحدة من معظم أسلافه.
وكان الرئيس الفرنسي الراحل، الاشتراكي فرانسوا ميتران، قد عين أيضا شخصية من اليمين، هو الديغولي الراحل ميشيل جوبير، وزيرا للخارجية في أول حكومة يسارية، عام 1981 .
أعلن السكرتير الأول للحزب الاشتراكي الفرنسي، فرنسوا هولاند، أن برنار كوشنير الذي عين الجمعة وزيرا للخارجية والشؤون الأوروبية في حكومة الرئيس الفرنسي الجديد نيكولا ساركوزي، "لم يعد عضوا" في الحزب.
وأوضح هولاند ان آلية طرد الوزير الجديد من الحزب ستبدأ بسرعة.
وعين كوشنير (67 عاما) وزيرا للخارجية في حكومة فرانسوا فيون.
واعتبر المسؤول الاشتراكي ان "الانفتاح المزعوم" لدى الحكومة الجديدة "يتلخص في مغامرة فردية، هي مغامرة برنار كوشنير الذي بات وزيرا كسواه في حكومة يمينية"
وتحدى الاشتراكي كوشنير عائلته السياسية ليتولى وزارة الخارجية والشؤون الأوروبية في عهد ساركوزي محققا بذلك حلما يتوج حياة ناشطة أمضاها في قلب النزاعات العالمية .
ويعتبر، مثل ساركوزي، أكثر ميلا إلى التقرب من الولايات المتحدة من معظم أسلافه، وهو أحد مؤسسي منظمة »أطباء بلا حدود« التي منحت جائزة نوبل للسلام عام1999، ومن كبار دعاة حق التدخل في النزاعات، وكان مكلفا من الأمم المتحدة بإدارة شؤون كوسوفو بين 1999 و2001 .
شارك كوشنير على مدى عشر سنوات في عدد من الحكومات الاشتراكية (بين 1988 و2002)، سواء بصفة سكرتير دولة للعمل الانساني أو وزيرا للصحة.
وأثار غضب القادة الاشتراكيين بموافقته على المشاركة في حكومة الرئيس الجديد نيكولا ساركوزي بعد أن كان من أعضاء فريق حملة سيغولين روايال الانتخابية.
لكن يبدو ان كوشنير لا يشعر بأي إحراج حيال حزب لم ينضم إليه سوى عام 1998، ويعتبر أنه لم يوفر له المكانة التي يستحقها وهو الذي يصنف بانتظام بين الشخصيات الأحب الى الفرنسيين.
وقال روني برومان الذي شارك أيضا في تأسيس"أطباء بلا حدود" معلقا الاسبوع الماضي على المسألة "نعلم جميعا أن كوشنر يحلم منذ وقت طويل بوزارة الخارجية".