قال أمامة الحو، الذي غادر السجن بعفو ملكي بمناسبة ميلاد صاحبة السمو الملكي الأميرة للا خديجة، بعد أن قضى نحو 32 سنة، بين السجن المركزي في القنيطرة وسجن سوق أربعاء الغرب.
إنه يشعر كما لو أنه سقط من السماء، وزاد قوله "فوجئت بعالم آخر، علي أن أعيش بين أفراده، وأتأقلم معه«، وأضاف، في ما يشبه الذهول، خلال زيارته لـ "المغربية"، التي ظلت تطرح قضيته إعلاميا باستمرار إلى أن استفاد من العفو، أنه يشعر وكأنه "واحد من أهل الكهف"، ثم التقط أنفاسه للحظات وكأنه يبحث عن كلمات بعينها، قبل أن يواصل قوله وكأنه يخاطب نفسه "كنحس براسي بحال الجراد اللي طاح في الشتا".
ولم يخف أمامة الحو، البالغ من العمر 57 عاما، والذي زار "المغربية"، حاملا لأعضاء هيئة التحرير باقة ورد جميلة، اندهاشه للتحولات، التي شهدتها مدن المغرب، مؤكدا أنه لا يستطيع التجوال أو التنقل في الدار البيضاء، أو حتى في الرشيدية، مسقط رأسه، وموطن أهله، دون أن يكون معه مرافق.
وقال الحو، الذي عاش أطول مدة حبسية تعرفها السجون المغربية، إن "كل شيء تغير، العمران والبشر، والجو، وحتى عقلية الناس"، وقال مستطردا "أشعر بنوع من الغربة، وأحس أن الجميع ينظر إلي"، وأثارته أكثر مظاهر الاكتظاظ وكثافة الحركة في الشوارع والأزقة، والزحمة في الحافلات وفي كل الفضاءات التي ارتادها، وأثارت انتباهه »سرعة الناس في السير، وفي الحركة، وفي قضاء الأغراض، وحتى السرعة في الحديث، وكأن كائنات ما تطارد الناس، وتتعقبهم في كل مظاهر حياتهم اليومية، أو كأنهم يريدون أن يلحقوا شيئا على أهبة أن يفوتهم" .
وبعد لحظات تأمل مضى يقول "خرجت من السجن مواطنا صالحا، أصلحت نفسي، وساهمت في إصلاح سجناء عاشرتهم، وكنت أدرس هؤلاء مادة اللغة الفرنسية، وأساعد التلاميذ في مراجعة دروسهم استعدادا للامتحانات، خاصة المقبلين منهم على اجتياز الباكلوريا".
ورغم ثقل سنين السجن، وإشرافه على دخول عقده السادس، يبدو أمامة، وكأنه في الأربعين من العمر، محافظا على حيويته ولياقته البدنية.
مسح بعينيه زوايا مقر "المغربية"، وكانت ترتسم على ملامحه ظلال ابتسامة صافية رائقة، وجال بنظره في وجوه الصحافيات والصحافيين، الذي حرص على مصافحتهم واحدة واحدا، ولم يرتد بصره خاسئا، إذ كان يلمس لدى الجميع حرارة التحية وصدق الترحاب
يحتاج أمامة، الذي فقد والديه وزوجته أثناء إقامته في السجن، إلى من يرافقه في تنقلاته في الدارالبيضاء، التي قدم إليها لزيارة أخيه، فهو يخشى أن يضل الطريق، ويتيه بين شوارعها وأحيائها.
"الدارالبيضاء غول إسمنتي" يقول الحو، الذي تلاشى لديه مفهوم الزمن والمسافة، إذ يظل يردد في تنقلاته، على مسامع مرافقيه، عبارة"هل وصلنا إلى المكان المقصود"، ويعود ليسأل باستغراب "كيف لم نصل بعد".
قال أمامة، الذي واجه، طيلة ثلاثة عقود، حكمين بالمؤبد، إنه لما حل بالرشيدية، التي هي موطن أهله وأقاربه وحمالة طفولته وذكرياته، لم يستطع التعرف على أغلبية أفراد عائلته، لأن طول مدة غيابه، أنسته ملامحهم، واستدرك قائلا "الأمر طبيعي، فالذي كان يبلغ من العمر سنتين، صار عمره اليوم أربعا وثلاثين سنة، ومن كان في سن الثلاثين حين سجنت، صار عمره اليوم أزيد من ستين سنة".
يبحث أمامة الحو حاليا عن عمل، فخروجه من السجن، بعد 32 سنة وراء القضبان، طرح أمامه مشكل السكن، ومتطلبات العيش، وسرعان ما وجد نفسه في صراع مرير مع حياة العطالة، ويتذكر كيف كان في السجن يشتغل بدينامية وحيوية "كنت في سجن سوق الأربعاء الغرب، وهو آخر سجن نزلت فيه بعد القنيطرة، مكلفا بتفتيش مؤونة السجناء (القفة)، التي تحملها العائلات إلى النزلاء، وكنت شديد الحرص على ألا أبعثر الأكل أو أفسده، بل أراقب محتويات القفة، دون أن أحدث أي ضرر بما في داخلها"، وزاد مرددا باعتزاز "لقد عاين شخصيا محمد عبد النبوي، المدير العام السابق لمديرية السجون وإعادة الإدماج، عملي، وأثنى علي".
وعاد ليقول بنبرة أمل لا تخفي مكنون غصة وألم"أبحث جاهدا عن عمل، لأعيل نفسي، وأستقر، لقد راسلت العديد من الجهات المعنية، من أجل مساعدتي في مسعاي، وكلي أمل في أن تتحقق أمنيتي، في الحصول على مورد رزق".
ودعنا أمامة الحو، الذي اغتنم فرصة قدومه إلى الدارالبيضاء، من أجل تسجيل اسمه في مركز الرعاية اللاحقة لإعادة إدماج السجناء، الذي كان دشنه صاحب الجلالة الملك محمد السادس، قبل حوالي سنة، قصد مساعدته على إيجاد عمل يؤمن له ظروف حياة كريمة
شددنا على يديه ويدي مرافقته.
وغاب الحو في الزحام، يجر وراءه صفحات ثلاثة عقود مزنزنة، وأحلاما بسعة الأفق لطي تلك الصفحات، مرة واحدة وإلى الأبد، بلا حسرة ولا التفات إلى الوراء.