ظل المستشار مصطفى فارس، لأزيد من ثلاث ساعات، مساء أول أمس الثلاثاء، يستمع للمتهمين المتورطين في ملف"شركة ك ف س"، أو مجموعة "العائلة كراتشو"، وهو أحد الملفات الكبرى في قضية القرض العقاري والسياحي، الذي شابته خروقات إلى جانب 50 ملفا آخر .
وكان الملف عرف انسحاب العائلة المذكورة منها، وتعويض ضمانتها الشخصية بـ 100 هكتار، وجرى تفويت جزء من القرض إلى زبون آخر وهو مستثمر خليجي، يدعى حسن سليمان الفيفي، بحجة تغطية مصاريف القرض وبناء المشروع، لكنه نهب 120 مليون درهم، قبل أن يختفي عن الأنظار.
وكان أول المستجوبين في هذا الملف، المدير العام السابق للقرض العقاري والسياحي، عبد الحق بن كيران، وكعادته وقف باتزان أمام رئيس الجلسة يحمل بين يديه ملفا ضخما، عبارة عن وثائق تخص القضية، موضوع مناقشة الجلسة، وكان يعود إليها قبل الإجابة عن أي سؤال لهيئة المحكمة.
وطلب منه رئيس الجلسة أن يجيبه عن ثلاث نقاط، هي تحويل جزء من القرض إلى زبون آخر، وإعادة هيكلة الديون، إضافة إلى تغيير الضمانات.
فأجاب بن كيران أن ما ذكره القاضي، يدخل في إطار اختصاصات الرئيس المدير العام، مولاي الزين الزاهيدي، الموجود في حالة فرار، وكان يشغل هذا المنصب آنذاك.
ولدى استفساره عن إمكانية الطعن والاعتراض على قرارات هذا الأخير، أوضح بن كيران أن قرارات الرئيس المدير العام سليمة وشرعية ومطابقة للقانون البنكي، ولا يمكن مناقشتها بأي حال، معربا عن اعتقاده أن"تغيير الضمانات كانت في صالح البنك لأن مشروع شركة ك ف س، كان في حالة جمود تام، إضافة إلى أن الزبون"كراتشو" كان في وضعية صعبة، والرئيس المدير العام لم يرغب في إرسال الملف إلى مصلحة المنازعات، فطلب منه كمدير عام أن يجد حلا، فاستبدلت الضمانات الشخصية للعائلة المذكورة بـ 100 هكتار عقار"، وجد بن كيران أنها"معقولة جدا، لأن البنك ربح كثيرا وأصبح في وضعية أحسن واستخلص ديونه".
ثم حاول القاضي أن يعرف من المتهم إن كانت 100 هكتار التي سلمتها العائلة كتعويض عن ضمانتها الشخصية، كافية لتغطية قرض البنك، فأكد بنكيران أن البنك هو "الفائز" لأن الضمانات الشخصية ليست لها قيمة، و"البنك احتفظ بضمانات أشقاء كراتشو، بكل موضوعية وحسن نية"، يقول بنكيران.
فعاد القاضي ليسأله إن كانت هناك ضمانات أخرى موازية لأملاك العائلة المعروفة، فارتبك بنكيران قليلا وأمعن النظر جيدا في الوثائق، التي بين يديه، وصمت مطولا، قبل أن يجيب أن الهكتارات كانت ضمانة جد مهمة للبنك، وأن هذا الأخير لم يقبل بتعويضها قبل إجراء خبرة عليها، باتفاق مع الرئيس المدير العام من قبل خبير قانوني محلف، إضافة إلى خبرة خارجية، لأن دوره يتحدد فقط في التنسيق وإعطاء التوجيهات والتعليمات، وأن الخبرات الداخلية أو الخارجية أكدت السعر ذاته كقيمة للأرض.
وعمن أشرف على الخبرات المنجزة حول الهكتارات الأربعة، أجاب بنكيران أن المسؤول عن ذلك هو عبد الرزاق ولي الله، الذي كان عضوا في اللجنة الداخلية للبنك.
المتهم ولي الله، كان أول أمس كمن يخطف الأضواء وسط قاعة المحكمة، فرغم الحقيبة المملوءة بالوثائق التي كان يحملها بين يديه، وتقريرا يتكون من عدة صفحات حول اجتماعات اللجنة الداخلية، بخصوص مناقشة ملفات المشاريع المعروضة على البنك، لم يتمكن من الإجابة عن سؤال طرحه القاضي عليه وعلى باقي المتهمين المستجوبين وهو "من أعطى الأوامر لإنجاز خبرة رابعة حول قيمة الأرض (100 هكتار) التي سلمتها العائلة كراتشو كتعويض عن ضماناتها الشخصية؟".
وهكذا تبين أنه لتحديد قيمة الأرض، أنجزت خبرتان عن طريق البنك بواسطة خبير محلف، تبين أنه ليس بخبير ولا علاقة له بالموضوع، وأنه حدد قيمة الأرض ما بين 200 و300 درهم للمتر الواحد، ثم أمر بنكيران بإنجاز خبرة ثالثة خارجية، صادقت على ما جاء في الخبرتين، ثم أنجزت خبرة رابعة حددت القيمة في 360 درهما.
لكن ما جعل القاضي يطرح هذا السؤال الذي لم يجب عنه أي واحد من المتهمين الخمسة (رقية الجعايدي وعبد الحق بنكيران وعبد الرزاق ولي الله وعبد الله الحيمر وعبد اللطيف أوراغ) هو أن الخبرة الرابعة أنجزت بعد المصادقة على الخبرتين من قبل الرئيس المدير العام السابق في شهر ماي سنة 1996، ثم أنجزت الخبرة في شهر يوليوز من السنة ذاتها، أي شهرين بعد ذلك.
والزيادة في قيمة الارض ب360 درهما ووسط تضارب التصريحات بين المتهمين، ومحاولة كل واحد منهم تحميل المسؤولية لغيره، عن الأخطاء التي وقعت في هذا الملف، رفع القاضي الجلسة للاستراحة مدة 20 دقيقة .
وبعد خروج الهيئة ثارت رقية الجعايدي في وجه ولي الله وعبد الله الحيمر، وهي تتحدث لهما عن الخبرة التي كان واجبا على البنك وعليها كمسؤولة عن العلاقات الخارجية بالبنك، أن تقوم ببحث دقيق حول المستثمر الخليجي، الذي تبين في ما بعد أنه نصاب كبير، وأصرت الجعايدي على المتهمين عدم ذكر اسمها أمام القاضي، لأن البنك لم يكن يقوم ببحث حول المستثمرين المغاربة، ولن يقوم ببحث حول الخليجي أو غيره، في غياب الإمكانيات الضرورية وغياب الاتفاقيات مع البنوك الخارجية.
وعند انعقاد الجلسة من جديد، ثارت الجعايدي بالطريقة ذاتها، في وجه القاضي وهي تجيب عن سؤاله حول البحث، فطلب منها القاضي بحدة التزام الصمت والاستماع إليه، سائلا اياها عن دور الاجتماعات التي أنجزت واتخذ فيها القرار بضرورة اجراء بحث حول المستثمر الخليجي الذي نهب 120 مليون درهم، منحها اياه البنك، إضافة إلى قرض آل كراتشو لإنجاز المشروع، لكنها لن تضف أي جديد يذكر .
فانحصرت أسئلة هيئة الحكم، حول الخبرة الرابعة التي زادت في قيمة الأرض، والخبرة الثانية التي وصفت تقرير الخبير بـ "المتشائم" ووجهت الأسئلة لكل من بن كيران والحيمر وولي الله وأوراغ، هذا الأخير اعتبر أنه يثق في تقارير الخبير ووقع عليها بحكم تعامله معه لمدة 15 سنة.
أما الحيمر الذي تولى منصب المدير العام بعد بن كيران، فأصر على أنه لا تربطه أي علاقة بالموضوع، لأنه وقع عليه في عهد المدير العام السابق وأنه وجد الملف بين مديرية القروض التي أدخلته في مرحلة الاستخلاصات.
أما ولي الله، الذي ظل يتحدث عن الموضوع لساعة تقريبا، فقد كان مرتبكا جدا وتصريحاته متناقضة، دون أن يجيب بدقة أو يقنع الهيئة بإجاباته، فخلص القاضي إلى أن الهكتارات التي سلمتها العائلة لم تكن ضمانة كافية لتغطية باقي الضمانات وتغطية القرض، وأن المسؤولين طالبوا الخبير بالزيادة في قيمة الأرض، لتغطية مصاريف القرض بعد فرار المستثمر الخليجي وضياع أموال البنك دون إنجاز المشروع .
فأجل النظر في ملفين آخرين إلى مساء اليوم الخميس، فيما حفظت هيئة الحكم مناقشة باقي الملفات، كما أفادت مصادر قضائية مقربة من الملف، لأنها لا تفيد المحاكمة، وتتداخل في ما بينها مع باقي الملفات الـ 20 التي نوقشت منذ بداية المحاكمة .