جاك شيراك آخر الوجوه الكبيرة من جيل الساسة المخضرمين

الفرنسيون ينتخبون الرئيس السادس للجمهورية الخامسة

السبت 05 ماي 2007 - 11:23

ينتخب الفرنسيون يوم 6 ماي الرئيس السادس في الجمهورية الخامسة التي سبق قيامها أربع جمهوريات أعقبت الثورة الفرنسية لعام 1789.

فبعد عزل الملك في 10 غشت 1792، قامت الجمهورية الأولى في 22 سبتمبر 1792، والجمهورية الثانية في ثورة 1848 إلى 1852، والجمهورية الثالثة من الهزيمة في الحرب أمام ألمانيا عام1871 إلى 1940، تاريخ احتلال فرنسا من طرف ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، ثم الجمهورية الرابعة من 1945 إلى 1955.

بدأ عهد الجمهورية الخامسة، وهي الجمهورية الوحيدة التي ورثت جمهورية قبلها، عام 1958 بانتخاب الجنرال ديغول 1890 ـ 1970 كأول رئيس لها في 8 يناير 1959 لمدة 7 سنوات، وأعيد انتخابه عام 1965 في الدورة الثانية (بنتيجة 55,20 في المائة)، بعد إخفاقه في الدورة الأولى التي نافسه فيها فرنسوا ميتران كمرشح وحيد لليسار، و لم يكمل فترة رئاسته الثانية، إذ استقال في 28 ماي 1969، إثر إعلان نتائج الاستفتاء العام الذي جرى في 28 أبريل 1969 رغم كونه استفتاء لا يترتب عليه دعوة للاستقالة.

جاءت إصلاحات الجمهورية الخامسة ملبية لرغبات كان يطرحها، منذ نهاية الحرب العالمية الأولى، رجال قانون دستوري مثل جاك باردو ورجال سياسة مثل الكسندر ميلران، وأندرييه تارديو، بما أحدثته من إصلاحات كانت تتطلبها المرحلة.

ففي 13 يونيو 1958 صدر قانون دستوري يلزم النظام الجديد باحترام ثلاثة مبادئ أساسية : الجمهورية، والديمقراطية والشعبية.

وأخذ بذلك النص الدستوري الصادر في 4 أكتوبر 1958.

اختلف الفقهاء الدستوريون في وصف طبيعة نظام الجمهورية الخامسة، فحسب البعض هو نظام »استفتائي« ويراه آخرون نظاما »نصف برلماني ونصف رئاسي«، بينما يعتبره البعض نظاما برلمانيا بهيمنة رئاسية.

بعد التعديل الدستوري في 24 سبتمبر 2000 الذي جعل مدة الرئاسة خمس سنوات بدل سبع سنوات أظهر البعض خشيته من تحول النظام السياسي نحو نظام جمهوري.

بعد استقالة ديغول انتخب جورج بومبيدو 1911 ــ 1974 المحافظ في توجهاته والمنتمي بعمق للخط الديغولي في 28 ابريل 1969 بنسبة 58 في المائة من الأصوات، في مواجهة منافسه ألان بوهير، وتوفى في 2 أبريل 1974 خلال فترة ممارسته لمهامه، ولم تدم رئاسته إلا أربع سنوات و 10 أشهر، وتولى بعده ألان بوهير رئيس مجلس الشيوخ مهام الرئاسة لمدة 50 يوما.

في 24 ماي 1974 انتخب فاليري جيسكار ديستان (مولود عام 1926 ) ،رئيسا للجمهورية (بنتيجة 50,81 في المائة)، وهو من خارج الخط الديغولي، وفاز بعدد قليل جدا من الأصوات على منافسه فرانسوا ميتران (50,19 في المائة )، وعين جاك شيراك وزيرا أول، بعد استقالة هذا الأخير عين مكانه الاقتصادي ريمون بار، وكان من أشهر الإصلاحات التي عرفها عهده قانون الطلاق وقانون الإجهاض وإنشاء المجلس الأوروبي، وكان المدافع الأساسي عن مبدأ الانتخاب المباشر للبرلمانيين الأوروبيين.

في 10 ماي 1981 انتخب فرنسوا ميتران رئيسا ( 1916 ــ 1996)، بنتيجة 51,76 في المائة، وكانت المرة الأولى في تاريخ الجمهورية الخامسة تمر فيها التي انتخاب رئيس اشتراكي، وأعيد انتخابه لولاية ثانية (54,02 في المائة)، في 15 ماي 1995، عرفت فترة رئاسة متيران التي استمرت 14 سنة فترتين من التعايش مع حكومات من اليمين بسبب فقدان اليسار الأغلبية في البرلمان، فقد كلف جاك شيراك بتشكيل حكومة من 1986 إلى 1988، وفي مارس 1993 كلف إدوار بالادور الذي طبق نظام الاقتصاد الحر.

ازدهرت الحريات المحلية، في نظام اللامركزية الإدارية، و ترسّخت حرية التعبير بتحديث القانون الجزائي، وألغيت عقوبة الإعدام، وعرفت هذه الفترة حسن سير المؤسسات والاحترام الدقيق لفصل السلطات وتطبيقا مثاليا لتدوال السلطة وروح الّتساكن بين توجهات سياسية مختلفة في مركز السلطة.

وكان ميتران من المتحمسين للبناء الإداري الأوروبي، كما كان من أكبر السياسيين الذين عرفتهم فرنسا في عصره ومن أكبر الكتاب في السياسة.

انتخب جاك شيراك (1932)، وهو من اليمين و مؤسس حزب التجمع من أجل الجمهورية، الرئيس الخامس للجمهورية الخامسة في 17 ماي 1995 بنسبة 52,64 في المائة، واختار ألان جوبي المقرب منه جدا كوزير أول، قاد سياسة خارجية تقربه من العالم العربي، كما الحق فرنسا بقيادة حلف شمال الأطلسي.

عرفت فرنسا في عهده فترة تعايش ثالثة دامت 5 سنوات وكان فيها ليونيل جوسبان الوزير الأول على رأس حكومة من اليسار، وباستفتاء شعبي جرى تقليص مدة الرئاسة إلى 5 سنوات.

أعيد انتخاب شيراك لولاية ثانية في 5 ماي 2002، (بنسبة 82,21 في المائة)، في مواجهة مرشح اليمين المتطرف لوبان، عين بيار رفران وزيرا أول، ثم دومينيك دو فلبان، عارض في رئاسته الثانية سياسة الولايات المتحدة وخاصة في العراق، وسعى إلى تأسيس عالم متعدد الأقطاب.

وساءت علاقته بالولايات المتحدة وبريطانيا لفترة طويلة، تعرض لمحاولة اغتيال فاشلة في 14 يوليوز2002 قام بها ماكسيم بوتير أحد أنصار اليمين المتطرف، لم يمانع في انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي، ونتيجة لسياسته »التركية« فقد كثيرا من شعبيته، وانعكس ذلك مباشرة في رفض الشعب الفرنسي للدستور الأوروبي بنسبة 54,74 في المائة، في استفتاء عام 2005، وترتب عليه استقالة وزارة رفران.

عرفت الفترة الأخيرة في حكومة دوفلبان تنافسا بين هذا الأخير ووزير الداخلية ساركوزي، المرشح الحالي للرئاسة، كانت تظهر أثاره السلبية في استطلاعات الرأي التي عرفتها رئاسة شيراك.

يعتبر آخر الكبار المخضرمين في الجمهورية الخامسة والذي كان يقود تيارا سياسيا له أسسه الراسخة في الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي الفرنسي، ولا يمكن حتى لخصومه السياسيين إلا الاعتراف بأنه يجمع في شخصه، إلى الجانب السياسي، الجانب الأخلاقي والإنساني، وهو قليل الوجود في السياسة.




تابعونا على فيسبوك