يتبين من خلال إحصائيات المرصد الوطني لحقوق الطفل في المغرب، ومن خلال المكالمات الواردة على هذه الجمعية، حول حالات التحرش الجنسي بالأطفال،
في فترة امتدت حوالي ثلاث سنوات، أن نسبة الاعتداءات الجنسية تشكل 18 في المائة من مجموع المكالمات الهاتفية، وبلغت الحالات المعروضة بمقتضى الملفات على المركز 20 في المائة. وأفادت الإحصائيات أن حالات الاعتداءات الجنسية تتوزع حسب طبيعة المعتدي بنسبة 43 في المائة من طرف الغرباء، و21 في المائة من الجيران، و9 في المائة من المعلمين، و6 في المائة من الآباء، و6 في المائة من الحراس، و5 في المائة من الأقارب، و4 في المائة من طرف مدير مسؤول، و3 في المائة من أطر إدارية، و3 في المائة من التلاميذ
وفي ما يخص السن، أوضحت الإحصائيات أن حالات الاعتداءات الجنسية تتوزع من صفر إلى 5 سنوات بنسبة 10 في المائة، ومن 6 إلى 10 سنوات، بنسبة 22 في المائة، ومن 11 إلى 15 سنة بنسبة 46 في المائة، ومن 16 إلى 18 سنة بنسبة 12 في المائة، أما بالنسبة إلى السن غير المحدد فإن النسبة تصل إلى 10 في المائة
ومن خلال تحليل هذه النتائج في مدة ثلاث سنوات، والتي جرى تحصيلها بواسطة الهاتف الأخضر، وجلسات الاستماع، إضافة إلى تدخل المرصد الوطني لحقوق الطفل في المغرب أمام العدالة، يلاحظ أن أعمار ضحايا الاعتداء الجنسي تتراوح ما بين 6 سنوات و14 سنة، وأنهم ينتمون إلى كلا الجنسين، وإلى مختلف المستويات الاجتماعية، إضافة إلى انتمائهم إلى أوساط مختلفة متفككة
كما يستنتج منها عدم دقة التكييف القانوني للأفعال المتعلقة بالاعتداءات الجنسية وغموض المتابع، وأن الضحية لا تجرؤ على الحديث إلا بصعوبة كبرى عن تفاصيل الاعتداءات وشروطها، إضافة إلى نقل عبء الإثبات إلى الطفل الضحية رغم وجود شواهد طبية. ويورد التحليل اللجوء إلى تدخل الوساطة لفض النزاع أو محاولة طمسه وقبول أولياء الأمور بذلك، دفعا للعار وتفاديا للخزي. وذكر التحليل أن أولياء الضحايا، وخصوصا الأمهات، يعيشون اضطرابات معنوية قاسية، وذهولا مثيرا، في حين يتعذر على أغلب أولياء أمور الضحايا مواصلة الدعوى المدنية، نظرا لارتفاع تكلفة الرسم القضائي، كما تغيب آليات التدخل المستعجل، مع عدم مبادرة أولياء الأمور في تقديم شكوى ضد الجاني لاعتبارات شخصية أو اجتماعية، ولو توفرت لديهم الدلائل القاطعة التي تبرهن على صحة الأمر، مع البحث عن أعذار لتبرير عدم الذهاب إلى مراكز الشرطة وولوج ردهات المحاكم، مثل اجتناب تعرض فلذات أكبادهم لمزيد من الاضطرابات ومن تفاقم معاناتهم
وترى الجمعية المغربية لمساعدة الأطفال في وضعية غير مستقرة، أن ضحايا هذه الاعتداءات لا يميلون للإبلاغ أو الإفصاح عنها، وغالبا ما يجري ذلك خلف الكواليس وداخل أسوار الأسرة. كما تشير إلى حالات توصلت بها ورفعت على إثرها دعوى لدى المحكمة، إلا أن ذلك لم تكن له جدوى، ما جعل ظاهرة اغتصاب الأطفال تتزايد سنة بعد سنة. وذكرت استنادا إلى إحصائيات المرصد الوطني لحقوق الطفل بالمغرب، أنه جرت سنة 1999، 102 حالة اغتصاب، و210 سنة 2001، أما سنة 2002 فقد سجلت حوالي 400 حالة، مشيرة إلى أن ضبط نسبة عدد المغتصبين تبقى جد صعبة، لعدم شجاعة الكثيرين للتبليغ عن حالات الاغتصاب أو التحرش الجنسي، ما يؤكد أن عدد الضحايا في الواقع المعاش عكس ما جرى رصده من طرف المرصد الوطني لحقوق الطفل
من جهتهم، أكد مختصون في القانون، وفي الوقت ذاته فاعلون جمعويون، أن القانون الجنائي المغربي في فصوله 436 و484 و485 و471 يجرم اغتصاب الأطفال، معتبرا إياه جريمة بشعة تستهدف هتك عرض فئة اجتماعية مهمة وهي الطفولة، مشيرا إلى أنه رغم ذلك، ما زال الغموض يلف المصلحة المدنية للطفل الضحية، إضافة إلى صعوبة إثبات التحرش الجنسي المعنوي بالأدلة المادية أو عن طريق الشهود. ويرى محللون اجتماعيون أن خطورة الوضع إزاء مشكل اغتصاب الأطفال يتجلى في أنه في الوقت الذي يجب فيه البحث عن السبل لحماية الأطفال ضد جرائم تعتبر من أبشع ما يمكن ارتكابه في حق براءة، مازلنا نحوم في دوامة التساؤل، عن ما إذا كانت جرائم الاغتصاب وما يواكبها من تحرش وعنف جنسي على الأطفال انحرافات فردية، أم عبارة عن سلوكيات جرى إغفالها من طرف المجتمع جراء عدم الحرص على الرعاية والاحتضان والتربية والتوجيه والتأهيل. وتؤكد دراسات للجمعية المغربية لمساعدة الأطفال في وضعية غير مستقرة، أنه من خلال جولة في أحد شوارع العاصمة، خاصة التابعة لأحياء المدينة الفقيرة، يلاحظ انتشار فئة من القاصرين ترزح تحت وطأة الحرمان، مشيرة إلى أن نسبة مهمة منهم يتعرضون للاغتصاب، كما أنها تتزايد باستمرار
وتضيف الدراسات، التي توضح أن معاناة هؤلاء الأطفال تبدأ قبل لحظة اغتصابهم بكثير، كما أنه من السهل التعرف عليهم من خلال تصرفاتهم وطريقة مشيتهم وكذلك كلامهم عن الممارسات الجنسية البشعة
ويرون أن العقاب ليس الحل الناجع للقضاء على الظاهرة، بالنظر إلى طبيعة المرتكب الذي غالبا ما يكون مريضا نفسيا أو ضحية سابقة، مورس عليها الاعتداء الجنسي فتمارسه بدافع الانتقام
وأفادت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، فرع الرباط أن المشرع المغربي أفرد عقوبات قاسية تتجاوز 5 سنوات لمثل هذه الحالات من المغتصِبين، ومع ذلك، فإنها ترى أن العقوبات بالحبس غير كافية للردع، لذلك من الضروري والأفيد اتخاذ قرار إحالتهم على أطباء نفسانيين واجتماعيين، لأن هذه هي الوسيلة العملية التي تمكن من الحد من ظاهرة غير أخلاقية تفشت في المجتمع. ويتفق عدد من الفاعلين الجمعويين على أن التحرش الجنسي أحد أهم آفات العصر الحالية وأكثر إفرازاتها فتكا وتدميرا لمجتمعاتها، إذا هي لم تتقن التعامل معه وسد منافذه بإنشاء مؤسسات اجتماعية فعالة قادرة على دراسة أسبابه وأماكن تكاثره وإعطاء إحصائيات دقيقة عن حجمه دون أن تعطي المجال للتكهنات أو المبالغات
ويروا أن الحل الأمثل، يكون بإدماج مادة تحسيسية حول الموضوع، وإدراجها ضمن المناهج التعليمية، على اعتبار أنه جزء لا يتجزأ من سلامة الإنسان وصحته، إذ يمكن بذلك القضاء على بقعة الجهل التي تستغل لاقتناص واغتصاب براءة الطفولة، وبالتالي تكون المدرسة العنصر الأول والقاعدة الأساسية في محاربة هذا النوع من الانحراف
ولكن يبقى في نظرهم التحدي الحقيقي والعلاج الأكيد هو في تشجيع ضحايا الاعتداء الجنسي على الكلام، ومواجهة ليس فقط الجاني، ولكن أيضا الآفة الخطيرة ككل. ويحثون أيضا على دور المحيط الأسري في صيانة الطفل وتلقينه المبادئ الضرورية التي تخلق لديه مناعة تمكنه من حماية نفسه، كما تصونه من التعرض إلى أي نوع من العنف
وتكمن خطورة تداعيات الاعتداءات الجنسية على الأطفال، في كونها تضر ليس فقط بالصحة النفسية للأطفال ومستقبلهم، بل المجتمع ككل، كما أنها تمس بالدين وتهدم المبادئ الأخلاقية، إذ أنها جريمة مستمرة في عواقبها وأثرها كالفيروسات، التي لا يفلح معها الترقيع والتستر ولا تهدأ بالمسكنات، لأنها تحتاج إلى حلول جذرية تقضي عليها نهائيا
وتبين بعض التقارير الطبية التي اطلعت »المغربية« عليها أن الأسباب الرئيسية لصمت الأطفال بعد الاغتصاب وعدم تصريحهم لآبائهم بالمشكل ترجع إلى كون الطفل المغتصب يتولد لديه إحساس بالذنب، فيبدأ حينها في تحميل نفسه مسؤولية كل ما حدث حوله كغضب الأب أو المعلم أو الأم، ثم يخوض في معاتبة نفسه وتوجيه اللوم لها كالندم عن الذهاب إلى مكان نهي عن التوجه إليه، أو عدم سماع نصائح والديه، وأشياء من هذا القبيل
أما السبب الثاني فيتمثل في خوف الطفل من الشخص الذي اعتدى عليه، إذ في كثير من الحالات يقدم الجاني على تهديد الطفل إذا هو أخبر والديه بما حصل، خاصة إذا كان طرفا من العائلة، في حين يتجلى السبب الثالث في تخوف الطفل من ردة فعل الوالدين، خاصة وأن موضوع الجنس ما يزال يعتبر »تابو« داخل الأسرة، والمدرسة، والمجتمع ككل. ويعتقد الطفل أنه إذا ما تحدث فلن يسمعه أحد، حينها يفضل الصمت على الكلام. ولا يكفي حسب المتخصصين في علم الاجتماع والنفس، التعامل عاطفيا، مع ما نسمعه من قصص بشعة ومؤلمة حول حالات التحرش الجنسي التي يقع ضحيتها، على الخصوص الأطفال من طرف الغرباء أو أقارب، بل علينا مواجهة الآفة بالكلام عنها جهرا، والتنديد بها مع متابعة الجناة وفضح تصرفاتهم الدنيئة، لأن الصمت أكبر مشجع على انتشار آفة التحرش الجنسي ضد فئة بريئة من المجتمع يأمل منها الكثير
وأضحى التحرش الجنسي بالأطفال واغتصابهم ظاهرة خطيرة تتفاقم في أوساط المجتمع المغربي سنة بعد سنة، وما يزيد من استفحالها كونها آفة صامتة، نظرا للأعراف التي توارثتها الأسر المغربية، في ما يخص تداول الجانب الجنسي، إذ تكاد تجده من المحرمات بل وتجلب العار
في السنين الأخيرة بدأ تفشي الظاهرة يجعل طفولتنا محطة لترسب كل الأمراض الاجتماعية والنفسية، في حين أنه من المفروض أن يحضوا بكل الرعاية والاهتمام، على اعتبار أنهم أمل المستقبل ودعائم الغد.