انتبهت الزاهية عمومو، محامية في هيأة الدار البيضاء، وكثير من زميلاتها في جمعية "فاما" إلى الوضع
النفسي والاجتماعي الذي أصبحت تتخبط فيه رشيدة طليقة محمد الريضي، بسبب فقدانها لابنيها عبد الفتاح وأيوب على إثر انفجارهما في سيدي مومن وحي الفرح في الدار البيضاء، واعتقال ابنيها مراد وعثمان على خلفية الأحداث نفسها، إذ يجري اتخاذ الإجراءات اللازمة لعرضها على طبيب نفساني، يساعدها على الخروج من عزلتها وشعورها بالكآبة، وإحساسها بعدم الأمان وسيطرة مشاعر الحزن على نفسها، وأفادت عمومو لـ "المغربية"أنها وزميلاتها، بصدد وضع خطة لإدماج ما تبقى من أبناء رشيدة، المهدي 8 سنوات وسعد 6 سنوا ونبيل 16 سنة، في مؤسسة اجتماعية، لاحتضانهم وحمايتهم من مختلف أشكال التطرف والمظاهر الاجتماعية السلبية، وتوفر لهم الظروف الملائمة للتربية والتعليم والإقامة المريحة بعيدا عن بيتهم الضيق الكائن بكاريان السكويلة، إلى جانب تتبع حالتهم من طرف متخصص في علم النفس، للقفز على ما خلفه الغمز واللمز اللذان يتعرضون إليه في الحي والمدرسة
وتواجه رشيدة صعوبات كبيرة مالية واجتماعية في تدبير شؤون أسرتها، بفعل فقرها وعدم كفاية ما تحصل عليه من مال في عملها في البيوت لسد مختلف متطلبات الحياة اليومية لأطفالها، ناهيك عن سكنها في بيت ضيق المساحة لا يسمح بنوم مريح لجميع أطفالها
وأكدت عمومو أن رشيدة 46 سنة أصيبت بمرض نفسي نتيجة تراكم مشاكلها الاجتماعية وانفجار ابنيها، إذ أصبحت أكثر خوفا على مستقبل أبنائها، سيما المهدي وسعد ونبيل، مبينة أن رشيدة تحدثت معها كثيرا عن حاجتها لمساعدة اجتماعية ومادية لتتجاوز محنتها الحالية
وأكدت عمومو، أنها تتكلف بالدفاع عن رشيدة أمام المحكمة في إطار التطوع والمساعدة الاجتماعية، منذ سنة 2000 بعد أن عجزت عن تحمل تعنيف زوجها لها في البيت، ما اضطرها إلى طلب الطلاق من محمد الريضي، وجاء حكم المحكمة لفائدتها، بعد أن سلكت مسطرة الطلاق للشقاق، وثبت للمحكمة أن الزوج يهمل الإنفاق على أبنائه ويتخلى عن الكثير من مسؤولياته اتجاه زوجته وأبنائه
وأضافت الزاهية عمومو أن أطفال رشيدة غادروا مبكرا حجرات الدرس، واشتغلوا في الحدادة بعد أن أقنعهم بذلك استنادا إلى امتلاكه لمحل يزاول فيه ذلك النشاط
وقالت عمومو إن رشيدة كانت تتعرض للضرب والطرد من بيتها صحبة أبنائها، "إذ كانت تبيت في الشارع، وأن جسمها كان موشوما دائما بآثار الضرب والجرح"
وأشارت إلى أن ملف رشيدة ومحمد الريضي ما يزال مفتوحا أمام العدالة، بسبب صعوبة تنفيذ أحكام النفقة المقضي بها لفائدة رشيدة، وعجز العون القضائي عن تبليغ محمد بها، لغيابه طول الوقت عن بيته في دوارالسكويلة، ولإغلاقه لمحل حدادته في حي الفرح
مبينة أن رشيدة تباشر تحريك مسطرة إهمال الأسرة ضد طليقها، ومطالبته بالنفقة على الأبناء، وتوفير سكن خاص بهم
وردت عمومو على ما عبر عنه محمد الريضي من رغبة في رفع دعوى قضائية ضد طليقته لإسقاط حضانتها عن سعد والمهدي، أنه أمر يدخل في إطار اختصاص القضاء، وهي قضية قانونية لا يمكن الفصل فيها إلا بموجب القانون، معربة عن استبعادها لمسألة تحقق ذلك نظرا لما ثبت على الزوج من إهمال للأسرة وعدم قدرته على تحمل مسؤولية أبنائه السبعة منذ أن كان متزوجا برشيدة، وإخفاقه في أداء واجباته الزوجية والأسرية
محمد الريضي يحكي عن لحظات تلقيه خبر تفجير عبد الفتاح وأيوب لنفسيهما لم يكن يعلم محمد الريضي، والد الانتحاريين عبد الفتاح وأيوب الريضي، بخبر تفجير عبد الفتاح لنفسه بمقهى الأنترنيت في سيدي مومن إلا في اليوم الموالي من وقوع الحادث، حين دخل إلى إحدى المقاهي الشعبية بساحة السراغنة في مدينة الدار البيضاء لتناول وجبة الغذاء، فإذا به يسمع في أخبار القناة الثانية أن شخصا فجر نفسه في مقهى الأنترنيت يدعى عبد الفتاح الريضي، يقطن في دوار السكويلة
أحس محمد بدوار مؤلم في رأسه، إذ نزل عليه الخبر كالصاعقة، فظل مشدوها إلى اللقطات التي نقلتها القناة التلفزية، وهو يردد عبارة "لا إله إلا الله، لا إله إلا الله"، وتمكن منه رعب كبير حين كان يتابع تفاصيل الربورتاجات المنجزة في الموضوع، وهو يرى جسم ابنه الذي أصبح أشلاء
تقاذفت مجموعة من التساؤلات إلى ذهن محمد، وهو يبحث عن إجابة شافية لواحدة منها عله يصدق ما تتابع عينه من لقطات حول حادث انفجار ابنه الذي لم يتجاوز عمره 23 سنة
وبدأ ينظر إلى زبناء المقهى ذات اليمين وذات الشمال، وكأنه ينتظر من بعضهم أن يقدم له تعازيهم في فقدان إبنه، أو لومهم عما أقدم عليه ابنه، بسبب تهديده لحياة المواطنين، فانتابه عطش كبير، وأحس بحاجة كبيرة إلى الإكثار من شرب الماء، وتخلى عن وجبة غذائه بعد أن فقد شهية الأكل
وبحركة لا تخلو من توتر الأعصاب أبعد عنه طاولة الأكل، وغادر المقهى ماشيا بخطوات واسعة لا تناسب تقدمه في السن وشكواه من روماتيزم في مفاصل الأطراف السفلى
بعد ذلك، استقل حافلة وتوجه إلى بيته في دوار السكويلة، وكله تعطش لمقابلة طليقته رشيدة ليستفسر منها عن أسباب الحادث ودواعيه وأهدافه، فظل يبحث عنها في الحي الصفيحي، علها تخرج من بيتها في الدوار نفسه ويلتقي بها حين تكون ذاهبة إلى سقاية الدوار من أجل جلب الماء
مرت فترة طويلة على انتظاره، إلى حين أن لمحها فهرول إليها، مستفسرا إياها عن أسباب الحادث، لكنها لم ترد عليه، لأنها كانت تمتنع دائما عن الحديث إليه منذ أن طلقها قبل 5 سنوات، احتجاجا منها على تخلفه عن تسديد ما بذمته من نفقة لفائدة أطفاله 7، فلم يسعه حينها إلا أن وبخها ووجه إليها عبارت لوم قاسية، وحملها مسؤولية خاتمة حياة ابنه عبد الفتاح التي كانت أليمة
شعر محمد أنه في وضع لا يحسد عليه، وهو يتلقى تعازي بعض سكان دوار السكويلة، ويرى في أعين آخرين نظرات الشفقة الممزوجة باللوم والعتاب، فزاده ذلك ألما انضاف على الجرح الذي خلفه انفجار عبد الفتاح ليلة الثلاثاء 10 مارس في سيدي مومن
ظل محمد الريضي منشغلا كثيرا بتداعيات الحادث، وأسبابه وظل مهووسا بفك لغز أسباب وأهداف ما أقدم عليه ابنه من عمل انتحاري، لكن كان يتعذر عليه الاطلاع على ما تناقشه وتعرضه الجرائد الوطنية من أخبار وتحليلات حول الموضوع، بسبب جهله للقراءة والكتابة، ما كان يدفعه إلى طلب إطلاعه على آخر الآخبار والمستجدات من قبل بعض أصدقائه، الذين يجالسهم في المقهى
وطيلة تلك الفترة كان يصبح ويمسي على أخبار جديد الانفجارات، ويتابع تصريحات طليقته وأبنائه عبر القنوات الفضائية، وقلبه مملوء بالخوف مما سيخبئه له الغد من جديد
تفاجأ كثيرا من تفجير عبد الفتاح لنفسه، وهو الذي يعهده الابن المعتمد على نفسه، الذي امتهن بيع وجبات خفيفة، بالقرب من حي الأزهر السكني، مكونة إما من السردين المشوي، أو من النقانق المقلية، إلى جانب عصير الليمون، إذ كان يساعده في عمله أخاه الأكبر مراد، البالغ من العمر 26 سنة
كان منظر محمد الريضي، وهو يسترجع ذكرياته مع أبنائه قبل الطلاق، تثير العطف عليه، إذ أكد أن جميع أبنائه كانوا يحبون لعب كرة القدم مع أبناء الحي، والاستجمام في البحر خلال فترة الصيف، والذهاب إلى السينما، وترديد النكت مع أصدقائهم، ولم يعهد أن واحدا منهم يوما ما سيكون محط شبهة أو منتميا لخلية إرهابية، إذ كان همهم البحث عن قوت يومهم ومساعدة بعضهم البعض سيما عبد الفتاح الذي حل محله في رعاية إخوته بعد طلاق والدته
وزاد جو الكآبة الذي يخيم على عالم محمد، والشعور بالوحدة الذي يسكن أعماقه، حين سمع أن ابنه أيوب 19 سنة فجر نفسه في حي الفرح، وأن جسمه انقسم إلى جزئين وتطايرت الكثير من مكوناته في شارع أبي شعيب الدكالي
كان هذا الخبر بمثابة النقطة التي أفاضت الكأس لديه، إذ كان أكثر وقعا على نفسه، أدمى فؤاده، وقضى على محاولة منه للرفع من معنوياته والاستسلام لـ »قدر« عبد الفتاح
حينها بكى محمد بكاء النساء وهن يرثين موتاهن، وانتابته قشعريرة في بدنه، وانخفضت درجة حرارة جسمه، وشعر وكأن بردا قارسا هب فوق رأسه رغم أن الشمس كانت ساطعة في ذلك اليوم الدامي
لم يصدق أبدا محمد الريضي 58 سنةأن يكون الشاب الذي فجر نفسه مساء يوم 10 أبريل في حي الفرح، هو ابنه أيوب الذي مرت سنتان على آخر مرة التقاه فيها
كاد أن يصاب بالجنون في تلك اللحظة وهو يبحث عن إجابة واحدة لجملة من الأسئلة التي كان يطرحها على نفسه حول ما أقدم عليه أيوب من فعل انتحاري مشابه لما نفذه عبد الفتاح
انهارت أعصابه، وتملكه خوف رهيب من أن يفعل الشيء نفسه عثمان ونبيل وسعد والمهدي، فيصبح أبا من دون أبناء بعد أن أصبح جسما مترهلا، وتقنع وجهه بالشيب ورأسه مرصع بالبياض
وفي خضم الهزة النفسية التي أحدثها حادث انفجار أيوب، ارتجت لها جميع أعضاء جسمه، أصبح يفكر في رفع دعوى قضائية ضد زعيم الخلية ومساعدوه، والوقوف أمامهم في المحكمة لطلب القصاص منهما على استقطابه لابنيه، والتعرف على الأسباب الحقيقية لاستهدافهما والأغراض التي ينوون تحقيقها، وطلب مساعدة اجتماعية لحماية باقي أبنائه من الجهات الإرهابية