لمن سيذهب الصوت العربي في الدور الثاني ومتى سيصبح لوبيا انتخابيا؟

الانتخابات الرئاسية الفرنسية وتجديد أسس التمثيل المؤسساتي

الأربعاء 25 أبريل 2007 - 10:43

بعد حملة انتخابية شرسة بين مرشحي الانتخابات الرئاسية الفرنسية، أفرزت صناديق الاقتراع نتائج ذات دلالات ستعمل، دون شك، على تجديد النخب السياسية.

وتطوير وظائف النظام السياسي وتغيير أنماط السلوك القيادي، وإعادة النظر في طبيعة المؤسسات والسلط التي تخولها أسس الجمهورية الفرنسية الخامسة ومن أهم هذه النتائج نذكر :

1 ـ كثافة المشاركة

أهم ما ميز الانتخابات الفرنسية لسنة 2007 هي نسبة المشاركة التي تعد رقما قياسيا في تاريخ استحقاقات الجمهورية الفرنسية، حيث تجاوزت نسبة المشاركة 85 في المائة، وهي نسبة لا يمكن فهمها إلا إذا ربطناها بزلزال انتخابات سنة 2002 التي منحت جان ماري لوبين زعيم الحزب اليميني المتطرف الفرنسي،التأهل للدور الثاني على حساب جوسبان زعيم الحزب الاشتراكي.

اضافة إلى طبيعة خطب وبرامج مرشحي الحملة الانتخابية التي عملت على مصالحة المواطن الفرنسي مع السياسة واعتماد حملة انتخابية واقعية تطرح مجموعة من القضايا التي تشغل باله وعلى رأسها قضية الهوية، الهجرة والأمن والشغل والتربية والتعليم والتأمين الاجتماعي، بالإضافة إلى اقتناعه بأهمية المشاركة كآلية للتغيير .

2 ـ اندحار اليمين الفرنسي المتطرف

من أهم نتائج هذه الانتخابات اندحار حزب جان ماري لوبين زعيم الحزب اليميني المتطرف الذي كان يراهن على المرور للدور الثاني كما حدث في انتخابات سنة 2002، ويرى جميع المهتمين بالشأن السياسي الفرنسي أن اندحار الفكر اليميني المتطرف هو انتصار لقيم الجمهورية الفرنسية الخامسة ورفض الشعب الفرنسي للفكر السياسي المتطرف.

الأمر الذي سيفرض على النخب السياسية توجيه النقاش السياسي نحو تحصين الديمقراطية التمثيلية المنفتحة وليس المنغلقة، الديمقراطية التمثيلية المرنة وليس الصلبة.

3 ـ فوز حزب الوسط

شكل حصول الوسط الفرنسي بقيادة بايرو على نسبة 18,57 في المائة مفاجأة كبرى في هذه الانتخابات، وهو ما أهله ليصبح رقما مهما في مصير المرشحين المؤهلين ساركوزي ورويال.

ولذلك سيحاول كل من حزب ساركوزي وحزب رويال البحث عن آليات تحالف مع حزب الوسط لأنه أصبح كتلة انتخابية مهمة، ورقما صعبا في معادلة انتخابات الدور الثاني
بل إنه أصبح يشكل الخطر الحقيقي على المرشحين اليميني نيكولا ساركوزي واليسارية سيغولين رويال، والأكيد أن بايرو سيعرف مع من سيتحالف سنة 2007 لتعبيد الطرق نحو الانتخابات الرئاسية المقبلة، التي يراهن عليها ليصل إلى رئاسة الجمهورية الفرنسية في أفق سنة 2012.

4 ـ وصول أول مرشحة امرأة للدور الثاني في تاريخ الجمهورية الفرنسية

وصول المرشحة الاشتراكية سيغولين رويال إلى الدور الثاني يعتبر إنجازا مهما بالنسبة إلى الجمهورية الفرنسية، خصوصا في مسالة تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة بين الرجل والمرأة، ولعل ما طرحته المرشحة الاشتراكية الفرنسية حول الجمهورية الفرنسية السادسة من شأنه فتح نقاش جديد حول وظيفة رئيس الجمهورية السياسية والرمزية
ولعل إرادة إعادة النظر في اختصاصات رئيس الجمهورية هو ما جعل الانتخابات الرئاسية تعتمد حملات انتخابية عقلانية وواقعية إلى درجة احتلال مسألة الهوية الوطنية قمة اهتمامات البرامج السياسية لجميع المرشحين من اليمين واليسار والوسط.

وهذا ما جعل البعض يتحدث عن تشابه البرامج وعدم تميزها لعدم تطرقها للأطروحات الإيديولوجية الحزبية الضيقة.

5 ـ نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية

مكنت هذه الانتخابات فوز كل من ساركوزي بنسبة 31.11 في المائة، ورويال 25.84 في المائة، وبايرو 18.08 في المائة، ولوبين 11,1 في المائة، وأفرزت هذه النتيجة، من جديد، تقاطبا سياسيا أرجع تيار الوسط بقوة إلى المجال السياسي.

وبالتالي فمشاركة مرشحين من جيل جديد لم يعش تجربة الحرب العالمية الثانية باستثناء جان ماري لوبين، ولم يجرب المنافسة على الانتخابات الرئاسية جعلته يستثمر في الخطاب والبرنامج الانتخابية البرغماتية.

وفضلا عن ذلك، فان المشاركة المكثفة للناخب وضحت كيف أن تجربة الانتخابات الرئاسية لسنة 2002 خلفت ذكرى سيئة لدى الأغلبية الصامتة من الفرنسيين، التي فضلت عدم التوجه آنذاك إلى صناديق الاقتراع.

فالناخب أدلى بصوته وعايش أيضا واقع التشابه بين خطب وبرامج المرشحين، مما جعل أحزاب اليسار أو اليمين تعجز عن تحقيق أي فوز ساحق في هذه الانتخابات، وهذا هو ما يفسر حصول بايرو على نسبة 20 في المائة من الأصوات، وهي أصوات تكون كتلة انتخابية تتوزع بين اليسار واليمين ولا تؤمن إلا بالمشاريع الواقعية بعيدا عن الإيديولوجيات الحزبية.

وفتحت نتائج الانتخابات الرئاسية الفرنسية آفاقا سياسية جديدة تجسدت في عودة السياسة والنقاش السياسي إلى الواجهة سينعكس، دون شك، في انتخابات الدور الثاني بين ساركوزي ورويال الذي ستشكل فيه الخطابات الإيديولوجية مجالا لإنعاش البرامج السياسية الواضحة.

فصلاحيات رئيس الجمهورية الفرنسية الواسعة، وهيمنته على مجالي السياسة الداخلية والخارجية يستوجب على المرشحين المؤهلين للدور الثاني توضيح الكتلة التي يمثلونها، خاصة بعد أن هيمنت البرامج البراغماتية في الدور الأول مجسدة في عرض القضايا اليومية القريبة من هموم المواطن العادي.

6 ـ نحو تأسيس لوبي عربي في فرنسا

الأكيد أن انتخابات الدور الثاني ستدفع كلا من ساركزوزي ورويال من استثمار الوقت لوضع اللمسات النهائية على مشاريع التحالفات والاستقطابات، وترتيب آخر الأوراق قبل الانطلاق في حملة الشوط الأخير، وسيحاول كل من المرشحين الاستثمار في الصوت العربي، لذلك لاحظنا أثناء حملة الدور الأول والثاني حضور الشخصيات العربية البارزة في الحياة السياسية الفرنسية موزعة الاهتمام في أكثر من اتجاه، فهي حاضرة في اللقاءات الجماهيرية المنصبة على الشأن الانتخابي، وفي الإعلام، ومساومات المرشحين، ومشاوراتها في ما بينها، وتكتلاتها في هذا الاتجاه أو ذاك، خصوصا بعد تعيين ساركوزي لرشيدة بلقاسم ورويال لنجاة داتي لتكونا ناطقتين رسميتين بإسميهما في هذه الانتخابات، والأكيد أن كل من بلقاسم وداتي ستعملان على تقريب الصوت العربي من المرشحين ليصبح كتلة انتحابية فاعلة بدل البقاء كصوت مهمش كما كان عليه الأمر في المرات السابقة، لذلك سيحاول كل من المرشحين التقرب من الوسط العربي، وذلك عبر دغدغة مشاعره.

وبالخصوص مرشح اليمين التقليدي نيكولا ساركوزي، الذي هو على علاقة خصومة مع سكان الضواحي منذ خريف سنة 2005، حين نعتهم بـ »الحثالات« مما ساهم في تعميق الهوة بينه وبين الشباب العربي والإفريقي,

ولذلك ستحاول رويال الاستثمار في هذه المسألة لكسب الصوت العربي، إذن لمن سيذهب الصوت العربي في الدور الثاني؟ ومتى سيصبح لوبيا انتخابيا؟.

7 ـ انتخابات جيل جديد من السياسيين من أجل التغيير

هناك إجماع بين كل مرشحي الانتخابات الرئاسية الفرنسية حول ضرورة تغيير طبيعة وسلوك السلط والمؤسسات والقيادات في النظام السياسي الفرنسي.

فجل الفرنسيين يتطلعون إلى التجديد وطي صفحة رجالات السياسة الأكبر سنا في الأنظمة الديمقراطية الغربية.

لأنه مهما ستفرزه انتخابات شهر ماي فإن رئيس أو رئيسة جمهورية فرنسا المقبل، سيكون إما نيكولا ساركوزي ( 52 سنة)، أو سيغولين روايال (53 سنة)، اللذان ينتميان إلى جيل جديد من النخب الفرنسية سيتولى تدبير السلطة لتجديد سلوك وطبيعة مؤسسات نظام سياسي بدأ مواطنوه يفقدون الثقة في نخبه وأحزابه ومؤسساته.

والأكيد أن المؤهلين للدور الثاني فهما رسائل الشعب الفرنسي عبر المشاركة المكثفة، وهي رسالة سياسية موجهة إلى المرشحين، الذان يزعمان أنهما يجسدان الحداثة والتجديد رغم توليهما مناصب وزارية لم يجددا فيها، لكنهما اليوم فالأمر مختلف ولهما أكثر من ورقة لتجديد عقد سياسي واجتماعي واقتصادي مع الشعب الفرنسي، وهذا ما يستشف من قول نيكولا ساركوزي الداعي إلى "القطيعة" مع الماضي للفرنسيين أنه "لن يكذب عليهم"، ومن قول سيغولين روايال، وهي أول امرأة تتوفر أمامها فعلا فرصة تولي رئاسة الجمهورية، إنها ستعمل على إقامة "ديمقراطية المشاركة".

فهل سيدشن الرئيس الفرنسي المقبل مرحلة الجمهورية السادسة؟ أم أنه سيعمل على تطوير أسس الجمهورية الخامسة .




تابعونا على فيسبوك