تتوفر قرية دار بوعزة للأطفال المسعفين على شروط مثالية للتفتح على الحياة الهادئة في البادية،
إذ يمكن اعتبار الأطفال المسعفين داخلها بالمحظوظين الذين أتيحت لهم فرصة العيش الأحسن، وشروط التعليم الأفضل، مقارنة بنظرائهم من الصغار الذين يعيشون ظروفا اجتماعية مشابهة بسبب التخلي عنهم وإهمالهم، إذ تمتاز بتوفرها على فضاء للألعاب والتنشيط ، ويؤثثها 11 منزلا عائليا، كل واحد منها جرت هندسته وفق معايير تتيح لهم الراحة وتسهل تحركات الأطفال لولوج المرافق الجماعية
وتكمن خصوصية قرى الأطفال المسعفين في المغرب في كونها تعتمد على نظام عائلي مبني على أسر تتكون من أمهات وأبناء، بالإضافة إلى الأب المتمثل في مدير القرية، وذلك اقتناعا بفكرة أنه لاشئ يعوض حرمان الأطفال عن أسرتهم الحقيقية وأمهاتهم الحقيقيات
ويفتقر الأطفال داخل هذه القرى إلى آبائهم الحقيقيين، بفعل وفاتهم أو بفعل إهمالهم لهم نتجية ولادتهم في ظروف لا يسمح بها القانون ولا يقدرها المجتمع، وبعضهم أطفال لسجينات يقضين فترة حبس أو سجن، يحتاجون إلى تكوين وتربية خاصة حتى يصبح في مقدورهم مواجهة المجتمع الذي ينظر إليهم في كثير من الأحيان بنظرات سلبية لا تراعي وقوعهم ضحايا ظروف معينة
ولذلك تأسست الجمعية المغربية لقرى الأطفال المسعفين في المغرب سنة 1984 تحت الرئاسة الشرفية للأميرة للا حسناء، وهي جمعية للأعمال الخيرية معترف لها بالمنفعة العامة، موكول لها مهمة ضمان حماية وتربية الأطفال اليتامى، أو المحرومين من السند العائلي إلى حين تحقيق استقلالهم المادي، إذ تتكون الأسرة الواحدة بالإضافة إلى الأم المسعفة من خالات، وتحظى بدعم الهيئة التربوية والهيئة الإدارية للقرية
من أجل التقرب أكثر من ظروف عيش الأطفال المسعفين في هذه القرى، أجرت "المغربية" زيارة إلى قرية دار بوعزة حيث وقفت على توفر جميع شروط الراحة التي تكفل لليتامى والمتخلى عنهم حياة أفضل
لم تتردد بياتريس بلعوباد، الرئيسة الوطنية لقرى الأطفال المسعفين في المغرب، في الرد على طلب »المغربية« بالايجاب لتنظيم زيارة لقرية دار بوعزة، إذ كانت في الموعد في مكتبها الكائن في شارع عبد المومن، والقريب من »جوطية درب غلف«، وبدت مستعدة للذهاب على التو
بكل حماس وحيوية، وخفة ونشاط، سارعت بياتريس إلى تشغيل محرك سيارتها، وهي تحول اتجاهها نحو طريق دار بوعزة
ظلت "بياتريس" طول المسافة الفاصلة بين مكتب الجمعية ومقر قرية دار بوعزة، تتحدث عن تاريخ إنشاء قرى الأطفال المسعفين في العالم، بعد أن تولدت الفكرة لدى الطبيب الأوتريشي »هيرمان كمينر« لمواجهة ما خلفته الحرب العالمية من مشاكل اجتماعية نتيجة تعرض الأطفال للتشرد واليتم بعد وفاة آبائهم وأولياء أمورهم، فظهرت حاجة ايواء هذه الفئة ومساعدتها على الاندماج من جديد في الحياة
لم يؤثر تركيز بلعوباد الشديد في السياقة، على تذكرها لجميع التفاصيل، لمختلف المراحل التي مر بها تأسيس قرى المسعفين في المغرب، بل كانت تتحدث بطلاقة شديدة، وبناء سلس، محترمة التسلسل التاريخي لتلك المحطات، وهي تتذكر أسماء الأطفال المسعفين الذين أصبحوا الآن رجالا ونساء، دون أن تفقد لهنيهة واحدة درجة انتباهها العالية وتحكمها في المقود
انعرجت السيارة يمينا عند رؤية لوحة تشير إلى الاتجاه المقصود كتب عليها "قرية دار بوعزة للأطفال المسعفين"، فكان الاتجاه عبارة عن أراض فلاحية شاسعة تسرالناظرين، تمايلت فيها السنابل على ايقاع ريح خفيفة هبت في ذلك اليوم المشمس
حولت "بياتريس" مقود السيارة اتجاه اليمين، فبدت القرية فسيحة وهادئة، مفتوحة على السماء، تتراقص فوق أغصان أشجارها المترامية فوق أطرافها الشاسعة، عصافير مغردة مرحبة بجو الربيع
إذ تقع قرية دار بوعزة على مساحة تصل إلى 3 هكتارات، تضم 11 منزلا، ومركزا للتكوين، ودارا للضيوف، وروضا للأطفال، وسكن المدير، وورشة للصيانة، ومقر الإدارة المؤسسة ومعامل تربوية
يقع على يمين مدخل القرية روض للأطفال، يتكون من قاعات شاسعة للدرس، مزينة بالألوان والرسوم، يلقي داخل كل واحدة منها إطار تربوي مؤهل دروسه للأطفال، حسب مستوياتهم التعليمية، وفق المعايير الدولية في التعليم، تتلاءم والخصوصية الثقافية وتهدف إلى تنمية مدارك الطفل عن طريق اللعب
وداخله يتلقى الأطفال تعليما يتوافق ومتطلبات سوق الشغل
وتتوسط هذه القاعات طاولتان دائريتا الشكل محاطة بكراسي بألوان زاهية، تتوفر على أحدث الأدوات التعليمية والبيداغوجية، تبرعت بها بعض المنظمات الدولية للقرية
ووسط بهو يتوسط روض الأطفال نصبت خشبة مسرح يمارس فوقها الأطفال هواياتهم المسرحية ويلقون عليها أناشيدهم التربوية
وعلى الجانب الأيسر من مدخل القرية امتد فضاء عشبي أخضر، وضعت فوقه مجموعة
من لعب الأطفال، والأرجوحات والبيوت المخبئة وغيرها، وبعد خطوات قليلة من هذا المكان، خصصت بناية أخرى ليمارس الأطفال داخلها مختلف هواياتهم، تضم قاعات للموسيقى والغناء، وأخرى خاصة بالأعمال اليدوية والرسم لاستخراج واكتشاف طاقات الإبداع عند الصغار
وقف أمام هذه البناية أطفال صغار، إناثا وذكورا، أكبرهم سنا لا يتجاوز عمره السنة العاشرة
يتمتعون بقدر كبير من الحيوية والنشاط، والمرح ركضوا نحو مدير القرية، وهم يكررون كلمة »بابا«، إذ تشبث بعضهم بسرواله، وآخر بمعطفه في محاولة منهم إلى الوصول إليه لتقبيله على وجنتيه
وبدا الأطفال سعداء وهم يتلقون قبلات من قبل »والدهم«، وهو يمسح على رؤوسهم ويسألهم عن أحوالهم
بعدها دخل الأطفال كل إلى الحصة الترفيهية المبرمجة له لذلك اليوم، فأخذ أحد الأطفال آلة الكمان، واجتهد كثيرا في أن ترضي معزوفته سماع الحاضرين، وأخذ آخر ينقر على جهاز البيانو بأنامله وهو يحرك جسده الغض تبعا للإيقاع والابتسامة لم تفارق محياه، فصفق الجميع للأداء الجيد للأطفال، كما فرح هؤلاء للتنويهات التي قدمت إليهم، ولعبارات الثناء والتشجيع التي أسمعتهم إياها »بياتريس بلعوباد" قبل توديعهم، بينما ذهب أطفال آخرون إلى مسبح محمد الخامس، كما هو مبرمج لذلك اليوم
قرى الأطفال نموذج عائلي للتكفل على المدى البعيد
ينتشر داخل قرية دار بوعزة 11 منزلا، يعيش داخله 99 طفلا في وضعية صعبة، وجدوا أنفسهم بعيدين عن آبائهم وأمهاتهم البيولوجيون، بسبب العديد من المشاكل المتداخلة، إما ذات ارتباط بطلاق الوالدين، أو التعرض للعنف والإهمال الأسري، أو نتيجة الضعف الاجتماعي والاقتصادي ومن بين هؤلاء الأطفال أيضا، يتامى فقدوا آباءهم إما عقب حدوث كوارث طبيعية، مثل الحالات التي خلفها زلزال الحسيمة، وإما بسبب تعرضهم لأمراض معدية خطيرة عجلت بوفاتهم، كتلك الحالة التي يصاب فيها الوالدان بداء فقدان المناعة المكتسبة"السيدا"
وتمنح المنازل التي يعيش داخلها الأطفال دفأ عائليا، تساعد على إبعادهم عن الوقوع في جراح معنوية أو الشعور بالعزلة، أو التعرض لسوء المعاملة أو الاستغلال، كما تحميهم من الإقصاء وتمتع بحقوقهم التي يكفلها لهم الحق والقانون
هي دور شبيهة بفيلا بدون طابق علوي، تبلغ مساحتها حوالي 90 مترا، يظهر من مدخل المنزل غرفة جلوس »صالون« شاسعة المساحة، مجهزة بفراش مغربي تقليدي، وضع بها جهاز تلفاز، وزينت جوانبه بصور الأطفال »الإخوة«، وعلى يسارها ببضع خطوات توجد غرفتان للأطفال، واحدة مخصصة للبنات والآخرى للذكور، بكل واحدة منها أسرة منفردة، تتوفر على مواصفات الراحة ووسائل الحفاظ على سلامة الطفل أثناء نومه، مغطاة بأفرشة ذات ألوان زاهية وفاتحة، وبها صور لأبرز شخصيات أفلام الرسوم المتحركة التي تفتن الصغار وتثير إعجابهم
وبدت الغرف في أبهى حلتها، لم تبخل الأم المسعفة في تنظيفها وتعطيرها وتزيين ستائرها، وبالمحاذاة معها توجد غرفة شاسعة خاصة بالأم، تسللت إليها أشعة الشمس، مسلطة نورها على عدد من أثاثها
كما يضم المنزل، غرفة للنظافة مكونة من مرحاض من النوع الحديث، وحمام، وزاوية خصصت لوضع ثلاث مغسلات، ألصقت على الجدار المقابل لها مرآة كبيرة الحجم
ولوحظ أن الأمهات المسعفات يحرصن على النظافة، وترتيب الأشياء داخل هذه المرافق وتربية الأطفال على الشيء نفسه، ضمانا لجمال البيت ووقايته من الأوساخ والميكروبات
وعلى يمين مدخل المنزل، يوجد مطبخ يضم مختلف التجهيزات والأواني المنزلية التي تحتاجها أي أم في بيتها، أو أي فرد داخل الأسرة من أجل تهيئ الطعام والشهيوات
وبالمحاذاة مع المنزل، يمتد فضاء معشوشب، وضعت فيه أحبال تنشر عليها الأم الملابس والأفرشة التي انتهت على التو من تنظيفها، وفق برنامج تسطره يوميا لأداء أشغال البيت
فبدت أقمصة وسراويل وفساتين الأطفال، تتأرجح وتتمايل مستسلمة لاتجاه الرياح، وهي تنعم بأشعة الشمس المسلطة عليها من جميع الجوانب
وتشكل هذه البيوت العائلية، قرية ومحيطا ايجابيا يساهم في تفتح الأطفال، تمنحهم الاطمئنان، ما يكفل حمايتهم وتمتعهم بالمساواة في الفرص رغم ظروفهم الخاصة الصعبة
فداخل هذه القرية تمنح الأمهات المسعفات مناخا من الحنان للأطفال والاحترام والأمان، بواسطته يتعلم الطفل كيف يصبح عضوا فاعلا في المجتمع، ويحس بنعمة العيش في جو عائلي
وتعطي حياة الأطفال داخل هذ القرية، إحساسا حقيقيا بالعيش في حي يضم مواطنين كجميع التجمعات السكنية، وربما أفضل منها بالنظر إلى توفر القرية على جميع مقومات الحياة المريحة للأطفال، من فضاءات خضراء شاسعة، وأماكن للعب خاصة بكل منزل على حدة، ناهيك عن فضاء اللعب الخاصة بجميع أطفال القرية
هنا أطفال يركضون، بكل نشاط وحيوية، وبراءة، يلاحق الواحد منهم الآخر في لعبة المنافسة على بلوغ الهدف، وهناك أطفال يلعبون لعبة "الكاري"، جميعهم يمرحون، وأضفت ضحكاتهم الطفولية على الفضاء حسا جميلا
الأم المسعفة" حلقة أساسية في مسلسل إدماج الأطفال في وضعية صعبة يعرف كل منزل داخل "قرية دار بوعزة"، باسم الأم المسعفة التي تتكلف بمهمة رعاية شؤون"أطفالها"، لا بأرقامها
طرقت "بياتريس" باب منزل فاطمة، أم مسعفة، شابة في الثلاثين من عمرها، ترتدي سروالا وقميصا، تتمتع بقدر من الجمال، طويلة القامة، وبشوشة لا تفارق شفتيها ابتسامة عريضة
كانت تحيط على خصريها وزرة خاصة بالمطبخ، حين دعت بلعوباد وضيوفها إلى احتساء كوب من الشاي أو القهوة
كانت غرفة ضيوفها مرتبة ومزينة بصور أطفالها، وأضفت على أثاثها لمستها الأنثوية ما زادها جمالا وهدوءا
رددت كثيرا عبارة »نعيش عادي كأي عائلة خارج القرية"، جوابا عن سؤال حول ظروف العيش في القرية وخصوصية رعاية أطفال في وضعية صعبة، وهي تؤكد أن مشاعر الأم المسعفة لا تختلف عن مشاعرالأم البيولوجية للأطفال، لوجود علاقة عاطفية كبيرة متبادلة بينهم، تولدت عن حسن المعاملة والرعاية الفائقة التي تحيطهم بها، والعيش اليومي الذي نتج عنه حب متبادل بين الطرفين
إذ لم تخف فاطمة أنه يهمها كثيرا سعادة وراحة أطفالها، تحرص على سلامتهم وتخاف أن يصيبهم أذى أو مرض مهما كان خفيفا
دخلت فاطمة مطبخها لمراقبة مستوى طهي »شهيوة« وضعتها في الفرن الكهربائي، إذ ظهر هذا الجزء من البيت متوفرا على جميع الأجهزة التي يمكن أن يحتاجها أي بيت آخر خارج قرية المسعفين، تتوسطه طاولة وكراسي خاصة بالأكل، ووسطه مغسلة كبيرة وثلاجة، وصوان أواني، وعلى يسار مدخل المطبخ، توجد رفوف صففت فوقها أنواع من الأواني متناسقة ذات ألوان زاهية
وتملك الأم المسعفة داخل بيتها استقلالية تامة في اختيار أنواع الوجبات التي تحضرها في منزلها، إذ لا تخضع في ذلك إلا لرغبة أطفالها وما يشتهونه من أطباق، إذ تحاول بذل جهودها لتكون مكونات مائدتها أكثر جلبا لشهية أطفالها
لا يسمع في هذا البيت سوى كلمة "ماما" يرددها الأطفال عند مناداتهم على فاطمة، إذ هي بالنسبة إليهم والدتهم البيولوجية، يحبونها حبا كبيرا، والأمر نفسه بالنسبة إلى جميع الأمهات المسعفات في القرية في علاقاتهن بأطفالهن
أثناء الحديث إلى فاطمة كانت ابنتها الصغرى، التي لم يتجاوز عمرها سنتان، تتشبث بيديها وتداعبهما، ثم تطلقهما لتركض وهي تنادي عليها »ماما« في محاولة منها لإثارة انتباهها إليها ولطريقة لعبها
كانت الطفلة جميلة ولطيفة، منحها لباسها الوردي جمالا إضافيا بدت في غاية المرح وهي تلعب وتجري، وتبين أنه أسلوبها في التعبير عن سعادتها بقدوم ضيوف إلى بيتهم
وتعتبر هذه الطفلة أصغر فرد في قرية المسعفين في دار بوعزة، إذ استقبلتها فاطمة وباقي أطفالها أخيرا لدى قدومها من المؤسسة الخيرية للا حسناء
عند زيارة بعض منازل القرية، اتضح أن الأمهات المسعفات كلهن مليئات بالحيوية والنشاط، كلهن استعدادا لخدمة أطفالهن ورعايتهن إلى حد المنافسة في ما بينهن على منح كل ما لديهن من حنان وعطف ورعاية لأطفالهن، ودليل ذلك اهتمامهن البالغ بأناقة الأطفال وزينتهم ونظافة مظهرهم لحد جعل جميع أطفال القرى وكأنهم في يوم عيد
أم ممنوعة من الزواج والإنجاب أمهات القرية، هن من بين النساء اللواتي يتوفرن على كفاءات "عاطفية"، قادرات على تكريس حياتهن لأطفال القرية، وتعويضهن عن ما سلب منهن من حنان وحب بعد فقدانهم لآبائهم البيولوجيين
ونظرا لخصوصية المهمة المطلوبة من الأمهات المسعفات، يشترط أن يتراوح عمرهن ما بين 30 و 40 سنة، وأن يتوفرن على مستوى تعليمي لا يقل عن السنة التاسعة من التعليم الأساسي، إلا أن واقع الحال يكشف عن توفر أمهات مسعفات من يتوفرن على شهادة الباكالوريا والإجازة
ويكمن مبرر هذا الشرط، حسب مدير قرية دار بوعزة في كونه يساعد الأم على تتبع المسار الدراسي للأطفال بمنزل القرية، وإشرافها على أداء واجبات أطفالها المدرسية
ومن أبرز الشروط لقبول الراغبات في أن يصبحن أمهات مسعفات، التزامهن بعدم الزواج، وتكريس حياتهن لرعاية وحماية الأطفال إلى حين بلوغهن سن الاستقلالية الذاتية، إلى جانب قدرتهن على تحمل خصوصية هذه المهمة المؤدى عنها، التي يجري التأكد منها بعد إخضاعهن لسلسلة من الحصص التكوينية والتداريب الميدانية
ومنذ شتنبر المنصرم حصلت الأمهات على صفة المساعدات الاجتماعيات، إذ أصبحن يتمتعن بحقوق اجتماعية وقانونية مهمة
وتعتبر نعيمة، أم مسعفة في الثلاثين من عمرها، أنه رغم صعوبة المهمة التي يؤدونها، فإنها اختارت التخلي عن حقها في الزواج وتكريس حياتها خدمة لأطفال القرى، إذ تجد لذة كبيرة في إحاطة الأطفال بالحب والرعاية، بل يتملكها الخوف من الفراق بعد أن يبلغوا سن الرشد، ويحققوا استقلالهم المادي، رغم أن العلاقة لا تنتهي بين الأم المسعفة، بل تظل مستمرة من خلال تبادل الزيارات بين الطفل المسعف الذي يكبر بعد بناء حياة أخرى خاصة به
وتتحمل الأم المسعفة داخل قرى الأطفال المسعفين، مسؤولة كبرى في حماية أطفالها، وعن تربيتهم وتغذيتهم، والسهر على حل المشاكل التي قد تواجههم، ويساعدها في ذلك فريق متكون من الهيئة التربوية والإدارية، أبرزهم مدير القرية، والمساعدة الاجتماعية والطبيب النفسي، وعدد آخر من المؤطرين، إذ يتدخلون كلما استدعت الضرورة ذلك
فعبر العالم، توجد 4 آلاف و625 إمرأة اخترن مهنة »الأم المسعفة«، للعيش في منزل خاص بها يتكون من أطفال يمكن أن يصل في بعض الأحيان إلى 10، يعيشون تحت سقف واحد إخوة تربطهم علاقة عاطفية قوية تستمر مدى الحياة
وتضم قرية دار بوعزة 11 عائلة، تشكل وسطا اجتماعيا ملائما، وبعد بلوغ الطفل 14 سنة، يغادر القرية نحو بيت الشباب المسعفين، لأجل الدراسة أو التكوين تمهيدا لولوج عالم الشغل وتحقيق الاستقلالية الذاتية
ويصل عدد الأطفال الذين تسهر على رعايتهم الأم المسعفة في قرية دار بوعزة إلى 10 أطفال، إلا أن إدارة القرية تعتزم تحديد العدد في 8 أطفال بالنسبة إلى كل واحدة منهن، لتخفيف العبء عنها، والرفع من مستوى تركيزها في أداء مهمتها، وبالتالي الرفع من مستوى خدماتها، كما لو تعلق الأمر بأم حقيقية مع أطفالها البيولوجيين داخل المجتمع المغربي
فضاء الحياة يعتبر »فضاء الحياة« فضاء تابعا لقرية دار بوعزة للأطفال المسعفين، الذي يعرف بكونه فضاء للأطفال والشباب ذوي الاحتياجات الخاصة، فتح أبوابه في يناير 2001، يضم 32 شخصا، ضمنهم أطفال ينتمون إلى عائلات معوزة تقطن بجوار قرية دار بوعزة، يشتكون من تعثر في الدراسة، ومن تأخر أو من إعاقة جسدية أو ذهنية خفيفة ومتوسطة
وكان المكان فضاء مفتوحا للاختلاف وللأنشطة التي تستهوي ميولات الأطراف المستفيدة منه، وللترفيه والاستجمام والارتخاء، يضم غرفا لمبيت المستفيدين، جناج منها مخصص للإناث والآخر للذكور، تتوسطها حديقة، إلى جانبها يوجد غرفة جلوس على الطريقة المغربية، تحتاج إلى تجديد أثاثها، ووضع بعض لمسات الديكور عليها
كما يتوفر الفضاء على مصلحة طبية نفسية، ومقر للادارة وفريق تربوي، وقاعة للأكل، ومزرعة بيداغوجية ذات أهداف بيداغوجية، وورشين تربويين، وملعب رياضي، وفضاء للعب
وتخضع المرافق المذكورة للمعايير الدولية، يرجى من ورائها فتح فرصة للأطفال للعيش في ظروف مريحة
ويرمي العاملون في الفضاء إلى تحقيق أهداف تربوية بيداغوجية وتقنية وترويضية، ومساعدة المعنيين على بلوغ مرحلة الاستقلال الذاتي، في التنقل وتدبير الموارد المالية، والتهيئ لحياة اجتماعية والانفتاح على العالم الخارجي، إلى جانب ولوج عالم الشغل
ومن أجمل مرافق هذا الفضاء، مزرعة يعمل فيها المستفيدون على تربية المواشي، من أغنام وأبقار وماعز، إلى جانب تربية الدواجن والأرانب وغيرها، إذ ظهرت المزرعة بمثابة حديقة للحيوانات، في إحدى زواياها ظهر طاووس جميل وراء إطار مسيج، وداخل اصطبل أبقار وعجل وأكباش، وفي جانب آخر أنواع جميلة من الماعز
ويسمع في المكان ثغاء الخرفان، وخوار الأبقار إلا أن المزرعة في حاجة إلى مساعدة من أجل بناء فضاء مخصص لتربية الدواجن، لا تزال الجمعية تبحث عن إمكانية تحقيقه بفعل الصعوبات التي تواجهها في تحصيل مبلغ ذلك
وتعتبر المزرعة عنصرا مهما في قرية دار بوعزة لكونها المصدرالأساسي لموارد العيش والتغذية لجميع أعضاء القرية
إذ توفر لهم الخضر واللحوم والألبان الطرية، وتستخرج منها مشتقات الحليب وغيرها من عناصر الغذاء اليومي
ومن الأنشطة التي يزاولها الأطفال والشباب داخل »فضاء الحياة« أنشطة البستنة، والرسم والصباغة والنجارة وإعادة استعمال الورق، والحدادة، وأعمال أخرى تمكنهم من الحصول على شغل والاندماج في الحياة الاجتماعية والمهنية بشكل طبيعي
وتفتقر إحدى قاعات فضاء الحياة المخصصة للأنشطة إلى عدة تجهيزات، إذ بدت فارغة تفتقد إلى الطلاء والستائر، وبدت موحشة تحتاج إلى تجهيز، تطالب إدارة القرية من الراغبين في تقديم المساعدة للمستفيدين منها بألعاب تربوية، وتجهيز قاعة بزرابي خاصة لممارسة الرياضة، أو تجهيز أرضية القاعة بخشب خاص، وإعادة صباغة جدران القاعة، ووضع مرآة من الحجم الكبير، والتبرع بجهاز للموسيقى
ويعود سبب عدم تجهيز هذه القاعة كونها كانت في الماضي القريب ورشة للنجارة