من أجل حوار حضاري بين العالمين الإسلامي والأمريكي اللاتيني

الإثنين 16 أبريل 2007 - 10:23
عبدالواحد أكمير مدير مركز دراسات الأندلس وحوار الحضارات

ساهم الغزو العراقي للكويت سنة 1990، واتخاذ بعض المهاجرين العرب في بلدان أمريكا اللاتينية، لموقف معاضد لصدام حسين مس بصورة المسلمين.

خصوصاً مع الحملة المعادية للإسلام التي شنتها بعض الصحف الأمريكية اللاتينية التي تدور في فلك الولايات المتحدة وحلفائها، والتي أعادت إلى الأذهان ذلك الرفض الذي تعاملت به مجتمعات أمريكا اللاتينية في الماضي، مع المهاجرين المسلمين. وتتحدث ليلى برطيط في دراستها حول حرب الخليج الأولى في صحافة أمريكا اللاتينية، عن الخطاب الذي تبنته تلك الصحافة على النحو التالي: " إن الصورة التي تبناها الخطاب المدروس عن العروبة ليست بتلك التي تفترض احترام رأي الآخر وعاداته وتقاليده، والسبب هو أن هذا الخطاب لم يكتف بالتعامل مع الحدث الذي يريد أن يتناوله، وإنما تجاوزه إلى خلفية متراكمة لدى صاحب الخطاب".

وقد شهد النصف الأول من تسعينات القرن الماضي حدثين آخرين أثرا سلباً على صورة المسلمين بأمريكا اللاتينية، هما تفجير السفارة الإسرائيلية ببوينس أيرس سنة 1992، وتفجير مقر جمعية التعاضد الإسرائيلية بنفس المدينة سنة 1994، واللذان خلفا عشرات القتلى، في وقت أشارت فيه أصابع الاتهام إلى تنظيمات إسلامية متطرفة. ويلفت الانتباه أن دوي التفجيرين وصل إلى مختلف بلدان أمريكا اللاتينية خصوصاً تلك التي يوجد بها نفوذ قوي للولايات المتحدة ولليهود. ومن انعكاسات التفجيرين، حدوث نوع من التوتر بين عرب ويهود أمريكا اللاتينية، شبيه بذاك الذي حدث عام 1948، عندما حاولت كل مجموعة ممارسة ضغوط على حكومات البلدان التي تقيم بها، للتصويت لصالح الكيان الذي تنتمي هي إليه، أثناء عرض قضية تقسيم فلسطين على هيئة الأمم المتحدة. وكما حدث سنة 1948، وجد المتشددون من هذا الطرف أو ذاك، الفرصة لانتقاد أبناء جاليتهم الذين لا زالوا يحافظون على علاقات مع أبناء الديانة الأخرى، وهي علاقات يتحكم فيها تداخل المصالح الاقتصادية بين المجموعتين. ويتحدث أحد اليهود المعتدلين من أصول عربية، عن التفجيرين على النحو التالي:" ... أما اليهود العرب فقد تأثروا بالحادثتين وشعروا بالمرارة وبعضهم شعر بتناقض المشاعر، لأن الضحايا من أبناء ديانتهم، وأصابع الاتهام تشير إلى أبناء قوميتهم".

غير أن انعكاسات حرب الخليج الأولى وتفجيري بوينس أيرس على صورة المسلمين في أمريكا اللاتينية تبقى محدودة إذا ما قورنت بانعكاسات تفجيرات 11 سبتمبر، خصوصاً على عرب البرازيل والبراغواي والأرجنتين وبانما، وهي البلدان التي شهدت خلال العقود الأخيرة هجرة أعداد مهمة من المسلمين، من فلسطين وسوريا، وخصوصاً من لبنان. وبسبب ضغوط الولايات المتحدة، وبسبب تأثير الصحافة الدولية، لم يعد الأمر يتعلق بالنسبة للمهاجرين المسلمين فقط برفض أو قبول المجتمع لهم، وإنما وصل الأمر إلى تعرضهم لمضايقات؛ فقد أصبحت مساجدهم، بل وهندامهم مثل طلق اللحية بالنسبة للرجال، وارتداء الحجاب بالنسبة للنساء، مثار فضول إن لم نقل شبهة، ووجهت لعدد منهم اتهامات بالتورط في عمليات إرهابية أو بتمويلها، بحيث اعتقل بعضهم، دون استناد إلى أية أدلة محسوسة، مما حتم فيما بعد إطلاق سراحهم. عن ذلك يقول أحد مسلمي بانما الذين تعرضوا لهذا المصير : " أوقفوني وأخذوا مني بطاقة الهوية، وحققوا معي لمدة ساعة، سئلت خلالها أسئلة تافهة…لأول مرة أرى مسؤولاً بنمياً يسألني اثني عشر سؤالاً من قبيل، ماهي ديانتك؟ مع من تصلي؟ بمن تجتمع؟ كيف هي علاقتك بالجاليات الإسلامية في وطنك؟ وأسئلة أخرى مشابهة وجدتها غريبة. وقد أدركت أن هذا النوع من التصرفات ليس من إخراج بنمي، وإنما مصدره الخارج" (يقصد بإيعاز من الولايات المتحدة).
وتؤكد كل القرائن أن الضغوط التي تمارسها الولايات المتحدة على حكومات الأرجنتين والبرازيل والبراغواي لتشديد المراقبة على مسلمي ما يسمى بمنطقة الحدود الثلاثية (تتقاطع عندها حدود البلدان الثلاثة)، وكذا على مسلمي المنطقة الحرة ببانما، يحركها بالإضافة إلى الهاجس الأمني، رغبتها في مراقبة اقتصاديات المنطقتين والتي يسيطر عليها المسلمون بشكل كبير. وتكمن أهمية منطقة الحدود الثلاثية في كونها أحد أهم خزانات المياه في العالم، وهي ثروة لا تقل أهمية عن البترول بالنسبة للولايات المتحدة، حسب الخبير الأرجنتيني "ريكاردو لوبيث دوثيل". أما بالنسبة لبانما، فرغبة الولايات المتحدة في السيطرة على المنطقة الحرة بها، تكمن أولاً في موقعها الاستراتيجي، وثانياً في كونها أهم منطقة حرة في العالم بعد هونغ هونغ، وهي تشكل الممون الرئيسي لأسواق أمريكا اللاتينية من المنتوجات الإليكترونية، وبالتالي تمثل منافسة حقيقية لميامي.

وإذا كانت تفجيرات 11 سبتمبر، قد أثرت سلباً على العرب المسلمين في بعض بلدان أمريكا اللاتينية، فإنها كانت من جهة أخرى وراء اكتشاف عدد منهم -حتى من غير المسلمين- لهويتهم، لأن عدم تمييز ساكنة هذه القارة بين العروبة والإسلام، خلق لدى بعض العرب بمن فيهم المتحدرون من أبناء الجيل الثاني والثالث، إحساساً ووعياً بهوية مختلفة. وهنا نجد أنفسنا أمام رفض من نوع جديد لا يستند على أساس عرقي كما كان الأمر في بداية عهد الهجرة العربية إلى أمريكا اللاتينية، وإنما على أساس عقدي.

غير أن تضرر صورة المسلمين بتفجيرات 11 سبتمبر، لم يكن بنفس الثقل على المهاجرين والمتحدرين، لأن هذه الفئة الأخيرة وبحكم اندماجها في المجتمعات التي ولدت بها، كان وقع هذه التفجيرات عليها أقل. كما أنه لم يكن بنفس الثقل في كل بلدان القارة، فقد كان الوقع أقوى في بلدان حيث نفوذ اللوبي اليهودي كبير، وحيث المصالح الأمريكية متجذرة مثل الإكوادور، وكوستاريكا، والشيلي، والأرجنتين، والبرازيل، منه في بلدان حيث يوجد عداء ورفض تاريخيان لليهود مثل المكسيك، وخصوصاً في بلدان تناصب الولايات المتحدة العداء لأسباب تاريخية وإديولوجية، مثل كوبا وفنزويلا وبوليفيا.

وستعرف صورة المسلمين في مجتمعات أمريكا اللاتينية بعض التحسن بعد الغزو الأمريكي للعراق سنة 2003، إذ خرجت مظاهرات حاشدة في عدد من عواصم القارة، منددة بالغزو الذي فسر كانتقام غير منطقي للولايات المتحدة من العرب والمسلمين عقب تفجيرات 11 سبتمبر.

ومن الأمور الأخرى التي تساعد على تحسين صورة المسلمين بأمريكا اللاتينية، الدور الذي تطلع به بعض فعاليات المجتمع المدني، وكذا بعض التيارات السياسية التي أصبحت تعرف باسم "الماركسيين الجدد"، والتي نسجل حضورها في السنوات الأخيرة بشكل قوي في بلدان مثل بوليفيا وفنزويلا والشيلي والبرازيل والأوروغواي. وقد تشكل لدى هذه التيارات نوع من الوعي ، مفاده أن السياسة التي نهجتها الولايات المتحدة في أمريكا اللاتينية منذ عهد تيودور روزفيلت والتي اصطلح على تسميتها ب "التدخل المباشر"، تتكرر بعد قرن من الزمن في العالم العربي الإسلامي مع جورج بوش. وهذا سمح بظهور نقاش لا زال محصوراً لحد الآن بين النخب السياسية والثقافية، حول ما يروج عن المسلمين في أمريكا اللاتينية من طرف الولايات المتحدة والصحافة الأمريكية اللاتينية التي تدور في فلكها.





تابعونا على فيسبوك