خطاب الحملة الانتخابية الفرنسية يتجاوز معادلة يمين يسار

مؤشرات الانتخابات الرئاسية تتجه نحو الجمهورية السادسة

الجمعة 13 أبريل 2007 - 09:51

تضع خطب مرشحي الانتخابات الرئاسية الفرنسية سيغولين رويال ونيكولا ساركوزي وجان ماري لوبين وفرانسوا بيرو أسس الجمهورية الخامسة وسلطات الرئيس الفرنسي أمام منعطف حاسم سيؤرخ دون شك لما قبل هذه الانتخابات ولما بعدها.

ومن الممكن أن تطوي هذه الانتخابات صفحة الجمهورية الخامسة ذاتها، وفتح أفق جمهورية سادسة قد تدشنها سيغولين رويال، المرشحة الاشتراكية، في حالة فوزها.

ومن زاوية التشكيلة الخطابية، نقول إن خطب المرشحين لهذه الانتخابات لا علاقة لها مع خطب الانتخابات الرئاسية السابقة، ويؤشر هذا التحول في خطب حملة الانتخابات الرئاسية إلى أن الرئيس المقبل، الذي سيفوز برئاسة الجمهورية الفرنسية سنة 2007، لن يدبر شؤون الجمهورية الفرنسية كباقي الرؤساء السابقين.

فالرئيس، الذي ستفرزه صناديق الاقتراع، لن يكون من الجيل نفسه، الذي وضع أسس الجمهورية الفرنسية الخامسة، المنتمي إما إلى اليسار أو إلى اليمين، بل إنه سيكون الرئيس الفرنسي غير الممثل لا لليمين ولا لليسار الفرنسيين بالمفهوم التقليدي لليسار واليمين.

بل من المحتمل أن يدخل الرئيس المقبل الجمهورية الفرنسية إلى مرحلة جديدة من الحكم ستجعل فرنسا تلتحق بالتجربة الألمانية وبتجارب عدد من الدول الأوروبية الأخرى، التي شكلت بها رئاسة وحكومة لا تصنفان لا في اليمين ولا في اليسار، بل من سلطات تعايش بين الطرفين تستمد فلسفتها من نظام ليبرالي اجتماعي، أو نظام اجتماعي ديموقراطي، يضع المصالح العليا لهذه الدول في الدرجة الأولى على حساب المصالح الحزبية أو المرجعيات الإيديولوجية الضيقة.

وكشفت قضايا الحملة الانتخابية، التي تعيش فرنسا على إيقاعها، أننا أمام جيل جديد من نخب الجمهورية الفرنسية أكثر انفتاحا على التحالفات، مقارنة مع الرؤساء السابقين للجمهورية الفرنسية.


وترجح كل استطلاعات الرأي أن الرئيس المقبل سيكون من بين الزعماء الجدد، إما سيغولين رويال، زعيمة الحزب الاشتراكي، التي تطمح إلى تطوير الفكر الاشتراكي، أو نيكولا ساركوزي أو فرانسوا بايرو، مرشح الوسط المشاغب، الذي انشق على حزب اليمين الحاكم، والذي اختار تدشين خطاب سياسي جديد يوحد الفرنسيين ويعفيهم عن صراعات اليمين واليسار.

والأساسي في سلوك هؤلاء المرشحين هو وعيهم أن فرنسا قرن 21 في حاجة ماسة إلى خلق جسور جديدة بين نخبها وبرامج الأحزاب السياسية وتطلعات المواطن الفرنسي، جسور لا تقصي طرفا في حالة فوز أحد الطرفين على الآخر، وبالتالي تجاوز فكرة الإقصاء لرموز اليسار كليا من الحكم في حالة فوز حزب اليمين، أو إقصاء رموز اليمين كليا في حالة فوز رموز اليسار، الأمر الذي كان يحرم فرنسا، إلى عهد قريب، من قدرات نخب مؤهلة من خدمة فرنسا.

وهذا ما يدعو إليه مرشحو الانتخابات، وخصوصا بالنسبة إلى بايرو، الذي أكد أنه في حال وصوله إلى السلطة، فإنه سيشارك باقي الأحزاب في تركيبة الحكومة المقبلة، ليكون بذلك أول سياسي فرنسي من قوى الوسط، يدعو لتأسيس حكومة تجمع بين كل أطياف القوى السياسية في البلد.

وهذا ما جعل كل المهتمين بالسياسة الفرنسية يرون في خطب هذه الحملة الانتخابية مؤشرا لعهد جديد يقوي إمكانية محتملة لظهور حكومات الوسط والتي فيما يبدو أن الشعب ينتظرها وفق الشعبية الكبيرة، التي صار يحصدها بايرو بحسب نتائج آخر استطلاعات الرأي، والتي تجعله يقف جنبا إلى جنب مع أكبر المرشحين بالفوز في هذه الانتخابات : وهما نيكولا ساركوزي، مرشح الحزب الحاكم الحالي، وسيغولين رويال، مرشحة الحزب الاشتراكي المعارض.

والسؤال الذي يفرض نفسه هو : لماذا يراهن الشعب الفرنسي على حكومة مكونة من أهم الأحزاب الفرنسية؟ كل الدراسات تؤكد رغبة الشعب الفرنسي في تجديد النخب وتطوير أنماط التحالفات الحزبية والحكومية وآليات تدبير الشأن العام أي الخروج من ثنائية يمين يسار- يسار يمين خصوصا بعد نجاح تجارب دول الجوار.

وهي تجارب تثبت أن إبعاد نصف قوى الدولة ورموز المعارضة من المشاركة في تدبير الشأن العام هو خسارة لكل الشعب الفرنسي وهو ما أصبحت تشير اليه خطب النخب الفرنسية السياسية الجديدة.

ونشير هنا إلى أنه رغم اختلاف مرجعيات المرشحين للانتخابات الفرنسية، فإن كل مرشح منهم يصرح أنه في حالة فوزه في الانتخابات الرئاسية، فإنه يبقى منفتحا على كل القوى الديموقراطية لتشكيل حكومة وطنية.

فكل من ساركوزي وبايرو ورويال أشاروا إلى إمكانية إعادة تجربة تعايش حكومة يمين يسار، خصوصا بعد تجربة الحكومات الاشتراكية، التي أثبتت أنها ليست أقل تطرفا في خدمة مصالح القوى الرأسمالية من سياسة اليمين ذاتها، بل إن تخصيص بعض المرافق المهمة في البلد مثل شركة الطيران إيرفرانس أو شركة الاتصالات الهاتفية فرانس تليكوم، وغيرها من المرافق الأساسية في حياة الشعب، جرت خوصصتها في عهد اليسار، وفي تسارع أكبر مع حكومات، ووزراء من اليسار بل من الحزب الشيوعي نفسه
ووصل الأمر في فترة التعايش إلى أن أصبح المواطن الفرنسي لايعرف أين هي حدود اليمين، أو أين هي حدود اليسار، وظهرت جملة من الصور المنددة أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية الأخيرة تحمل وجها له نصفان نصف لرئيس الدولة الديغولي المترشح للرئاسة لفترة ثانية جاك شيراك، ونصف لرئيس الوزراء الاشتراكي ليونيل جوسبان المترشح للرئاسة، وهي الصورة، التي تعني أنه ليس من وجه واضح لأي من الطرفين
على كل حال، فمهما ستكون نتائج الانتخابات الرئاسية، ومهما كانت السيناريوهات السياسية حول الانتخابات المقبلة، فالمرشح الفائز سيستفيد من دروس المرحلة السابقة.

وسيتجه نحو المستقبل بمقاربة تتجاوز النماذج السياسية المتباينة، التي تتراوح بين الاشتراكية أو الشيوعية، وبين الليبرالية المعتدلة أو المتطرفة، والتي طورت في مجملها آليات اقتصادية ابتعدت كثيرا عن مطالب القواعد الشعبية العامة، وقادت إلى خلق نماذج جديدة من الشروخ الاجتماعية نتج عنها تفاقم الهوة بين الفقراء والأغنياء.

وعكست ثورة الضواحي الأخيرة في فرنسا فداحة التجاهل الفوقي للأولويات سكان المناطق المهمشة، التي لم تدخلها التصورات الاقتصادية المختلفة في حساباتها، حتى أن انفجارها كان تدخل بشكل حاسم في قلب كل الموازين والمعادلات السياسية القائمة
كما أن ثورة الشباب، التي عرفت بانتفاضة الطلاب الأخيرة ضد برنامج دوفليبان لقانون العقد الأول، كشفت عن مدى المسافة، التي تباعد بين مخططات الدولة وبين إلحاح المطالب الشبابية القلقة، وهو التصدع، الذي أدى إلى الإطاحة بشكل نهائي بمستقبل هذا السياسي البارز، الذي كان أكثر المؤهلين لرئاسة الجمهورية بعد شيراك، والذي كان يحظى بدعم كلي من الرئيس الديغولي، إذ كانت أغلب التحليلات تراه على عرش الرئاسة دون أدني شك .

ويبدو أنه تصور وصل بالفعل إلى هذه الثقة، لأنه في آخر الجلسات الرسمية، التي جمعته برئيس الدولة، بدا فيها واثقا وقادرا على توجيه الملاحظة إلى الرئيس شيراك
إن ثورة الطلاب قطعت الطريق نهائيا أمام دوفليبان، وأسقطت نجمه من سماء السياسة الفرنسية منذ ذلك التاريخ، نتيجة تعنثه أمام الغضب الطلابي، وتعاليه على الإصغاء لمطالب الشارع وصيحات القلق الشبابي الفرنسي والشباب ذوي الأصول الإفريقية
فهل يستطيع الرئيس الفرنسي، الذي ستفرزه الانتخابات الفرنسية، أن يفهم بأن الشعب الفرنسي لا يطالب أن تمن الجمهورية الفرنسية عليه بأي امتياز، ولكن يطالب فقط بأن يصرح رئيسها علانية وبدون تردد أن الشعب الفرنسي مل الشعارات، وأنه أصبح لا يميز بين سياسة الحكومات الاشتراكية والحكومات اليمينية بقدر ما أصبح يبحث من يخرج فرنسا من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ومتسائلا في نفس الوقت : هل هي أزمة النخب السياسية؟ أم أزمة الإيديولوجيات الحزبية؟ أم أزمة في أسس الجمهورية الفرنسية؟ وهل الرئيس المقبل قادر على أن يؤهل فرنسا دون الإجابة عن هذه الأسئلة الجوهرية؟




تابعونا على فيسبوك