محمد زنبيبة شهيد الواجب الذي عاش مستعدا للتضحية بنفسه

حزن عميق يلف أفئدة زوجة ومعارف مفتش شرطة بعد مقتله

الخميس 12 أبريل 2007 - 10:42
محمد زنبيبة

رحل مفتش الشرطة محمد زنبيبة عن الحياة، وسيظل غائبا إلى الأبد عن مكتبه بدائرة الأمن عمر بن الخطاب، بعد أن وافته المنية

عصر أول أمس الثلاثاء، إثر تفجير انتحاري نفسه بالقرب منه، بحي الفرح في الدار البيضاء

حسرة كبيرة تلف أفئدة أصدقائه وزملائه في العمل، وهم يعلمون أنه لن يعود مجددا ليحمل معطفه الذي تركه معلقا في مكتبه قبل الخروج لأداء مهمته الأمنية في شارع أبي شعيب الدكالي التابع لمقاطعة الفداء درب السلطان

بدت الحركة غيرعادية صباح أمس في مقر الدائرة الأمنية، كان الحزن يخيم على الجميع، وعلامات الأسف والحسرة مرسومة على محيا جميع العاملين فيها

يسترجع زملاء محمد اللحظات الأخيرة التي جمعتهم به بألم شديد، حين هم بتغيير ملابسه وارتدى معطفا أنيقا، وعبر لهم عن استعداده للذهاب إلى المنطقة لمد يد المساعدة لرجال الأمن الذين كانوا يطاردون الانتحاريين، دون أن تغادر شفتيه ابتسامته العريضة المعهودة، إذ كان يتحرك بكل نشاط وحيوية، وهو يبدي لزملائه ورؤسائه أنه مستعد للتضحية لإلقاء القبض على الانتحاريين لتجنب خسائر في الأرواح

وما يزال أصدقاؤه يتذكرون كيف كان يحثهم على حمل مسدساتهم والتأهب لأي طارئ، وهو يتحدث ببشاشة وبروح مرحة

أما بيت الفقيد، فبدا أمس، غاصا بالمعزين من الأهل والجيران، وامتلأت جنبات منزل عائلته الكائن ببلوك 27 الرقم 86 بسيدي عثمان بالقرب من مقهى الحوزية، بجمهور غفير من الجيران وأصدقاء العمل، وأخذ متطوعون ومسؤولون ينصبون خيمة تقبل التعازي، وأجواء الموت لم تفارق المكان

تتطلع نجية ميدرية، زوجة محمد زنبيبة، إلى وجوه المعزين، والدموع تنهمر من عينيها ولم تقو أناملها عن إيقافها

كانت الكلمات بالكاد تخرج من فمها، يشعر محدثوها أنها لا تجد مسلكا للبوح بما تشعر به من حزن على رحيل زوجها، الذي وعدها بالعودة مساء وهو محمل بخبر سار لها
كان نبأ موته صدمة قاتلة بالنسبة إليها، أفقدتها صوابها وتوازنها، وارتجفت فرائصها من الخوف، فلم تشفع كلمات التطمين التي كانت تتلقاها من زملاء زنبيبة في أول الأمر، إذ حاولوا اقناعها بأنه تعرض فقط لجراح بسيطة، قبل مصارحتها بالحقيقة وهم في الطريق إلى موقع مركز الطب الشرعي

منعت الزوجة من ولوج المركز، خوفا من انهيارها نتيجة صدمة رؤية جثة وقد وتحولت إلى أشلاء، خصوصا وأنها تعاني داء السكري

كانت تنتظر سماع نبأ حصوله على قرض مالي قيمته 20 ألف درهم ليجري عملية جراحية ليتمكن من الإنجاب، ويحقق حلمها في الأمومة بعد أن فشلا في الخضوع لسلسلة من العلاجات والفحوصات الطبية طيلة 8 سنوات من زواجهما

بدت حرقتها كبيرة، لن تستطيع أن تذيبها تعابير التعزية والتضامن معها في محنتها لأنها فقدت زوجها الحليم معها، والوفي لعلاقتهما الزوجية، والعطوف عليها الذي يحترم مشاعرها ويقدرها وسط جميع أفراد عائلته

تلعن نجية الجهة التي تسببت في مقتل زوجها، وإنهاء فرحتها قبل بدايتها، واغتصاب أملها وإنهاء حلم محمد في حضن رضيع أو رضيعة بين ذراعيهما
كانت نجية تحمل دائما بين ضلوعها خوف شديد من تعرض زوجها لمكروه، بفعل ما تعهده عنه من حماس في أداء واجبه المهني، ومخاطرته بنفسه لحد المغامرة لإيقاف مجرم أو صد هجوم، ولإبعاد الخطر عن الآخرين

كانت تتوسل إليه بالحفاظ على حياته، وأخذ كل الاحتياطات والحذر لدفع الأذية عنه، مذكرة إياه بحاجتها الماسة إليه، وعجزها عن الاستمرار في الحياة دونه

كان يجيبها محمد، الذي لم يتجاوز عمره 46 سنة، أن مهنة التفتيش والأمن تتدفق في دمائه كالصبيب، لا يكبحه خوف أو رهبة من الموت، فمات شجاعا بعد أن صد الانتحاري حين كان ينوي التوجه إلى مجموعة من رجال الأمن للانفجار وسطهم، فـ »ذهب شهيد عمله وأنقذ أرواح الكثير من زملائه"

تحدثت الزوجة المكلومة عن الصفات الحسنة التي عرف بها زوجها، وهي تغالب الدموع، إذ كان مخلصا لعمله، ووفيا لواجبه، نشيطا بشوشا، يكره الحزن والعبس، ومتغلبا على جميع صعاب حياته الاقتصادية والاجتماعية التي كانت تحاصره من جميع الجوانب

إذ كان يكتري محمد زنبيبة، غرفة وسط الجيران، طيلة السنوات الأولى من زواجه، قبل أن ينتقل إلى بيت العائلة بعد وفاة الأم والأب، حيث حصل على عش زوجية عبارة عن غرفة واحدة، تتكون من سرير نوم ودولاب ملابس، وداخلها توضع ثلاجة وطاولة للأكل، وأمام هذه الغرفة نصبت مغسلة خاصة بتنظيف الأواني، إلى جانبها بعض أواني الطبخ البسيطة وقارورة غاز من الحجم الصغير

تفتخر الزوجة بالقناعة التي كان يتمتع بها زوجها، وبقدرته عن تحمل مشاكله المالية، في الوقت الذي عجزت فيه هي عن ذلك، فأصيبت بمرض السكري وارتفاع ضغط الدم ونسبة الكوليسترول في الدم، وعمرها لم يتجاوز بعد 39 عاما




تابعونا على فيسبوك