كانت الساعة تشير إلى الخامسة والنصف مساء، حيث كان الكل ينتظر بشارع أبي شعيب الدكالي في الدارالبيضاء
إلقاء الفرق الخاصة بمساعدة طائرة مروحية، القبض على الانتحاري الرابع، الذي فر هاربا إلى أحد المنازل بالزنقة 30 بحي الفرح
كانت الطائرة المروحية تحوم وتحدد أماكن يمكن أن يوجد فيها الانتحاري، وعناصر الفرق الخاصة تمسك بمسدساتها وتبحث بدقة متسلقة جدران المنازل التي يمكن أن يوجد به، كل منزل على حدة، من الأسفل إلى السطح، والكل يترقب وينتظر، رجال الأمن من مختلف المصالح، والصحافيون، ثم سكان المنطقة الذين حجوا إلى المكان، لكن فجأة وحين بلغت عقارب الساعة السابعة والربع مساء، وعلى صوت المؤذن »الله أكبر« مناديا لصلاة المغرب، انقلب شارع أبو شعيب الدكالي رأسا على عقب، فقد خرج الانتحاري الرابع من بين الجماهير التي كانت بالمكان وفجر نفسه بالقرب من رجال الأمن، ذوي انفجار قوي لم يستفق الكل من هوله إلا على وقع سيارات الوقاية المدنية، التي هرولت إلى المكان لنقل المصابين، رجال ونساء وشباب، وحالات إغماء وفزع، الكل يهرب نحو وجهة مجهولة، الأمن ورجال الإعلام والمواطنون، بعد ورود أخبار أخرى عن وجود انتحاري خامس، ولى هاربا نحو أحد المنازل
حالة تأهب تكلفت سيارات الوقاية المدنية بنقل المصابين إلى مستشفى الطبيب الملازم أبو وافي، الذي أعلنت فيه حالة طوارئ منذ ساعات الصباح الأولى ليوم الثلاثاء 10 أبريل، وصل ما يقارب 17 مصابا بجروح وحروق وحالات إغماء في الانفجار الثالث والأخير
تجند الأطباء بمختلف الاختصاصات والممرضون، لتقديم الإسعافات الأولية للمصابين، فمنهم من أسعفت جروحه وحروقه ومنهم من أدخل غرفة الإنعاش بسبب حالته الخطيرة
في حين انتشرت العديد من سيارات الشرطة وقوات التدخل السريع، أمام الباب الرئيسي للمستشفى، تمنع الناس من الاقتراب من المكان، قبل الكشف عن هويتهم، وطوقت المكان بشكل محكم
في البداية لم نتمكن من ولوج المستشفى لرؤية المصابين بدعوى التعليمات الأمنية، منع الصحافيون والمصورون كذلك، لأن وزير الصحة كان يتفقد المصابين، وبعد جهد وأخذ ورد، تخللته مواجهات كلامية حادة بين الصحافيين ورجال الحراسة بباب المستشفى، تمكنا من الدخول والصعود إلى الطابق الثاني، حيث كانت تقدم الإسعافات بعد أن أخليت ثلاث غرف خصصت للمصابين
الغرفة الأولى كان يوجد بها ثلاثة من رجال الأمن، إضافة إلى النائب الأول لرئيس جهة الدارالبيضاء عزيز أغبالي لمرابط، الذي أصيب بإصابات طفيفة في الركبتين واليدين، وصرح لـ "المغربية" أنه كان بالقرب من مكان الحادث إلى جانب أحمد عبروق والي أمن الدارالبيضاء، والمختار البقالي، العامل مدير الشؤون العامة بولاية جهة الدارالبيضاء، إضافة إلى أحد الصحافيين، إذ انشغلوا ببطارية أحد الهواتف المحمولة، وابتعدوا قليلا عن مكان الحادث، وماهي إلا لحظات حتى انفجر الانتحاري الثالث لينقذه أحد ضباط الشرطة من الموت
دموع وإغماءات حالة من الفزع والهلع بادية على محيا جميع المصابين، الذين دخل أغلبهم في غيبوبة، ومنهم من لم يستفق بعد من هول الصدمة
إذ أدخلوا إلى العناية المركزة، التي لم نستطع الاقتراب منها إلا بعد مواجهة ثانية مع حراس الأمن
لينتظم الصحافيون والمصورون، ويدخلون بالتناوب لتفقد المصابين، وهناك كان يوجد المستشارون بالجماعة الحضرية لمنطقة الفداء، مصطفى عربة ومحمد الهيلالي، فقد كانا قريبين جدا من موقع الانفجار بمدخل الزنقة 30، إصابتهما خطيرة جدا بفعل شظايا العبوة الناسفة التي كان يحملها الانتحاري، فالهيلالي مصاب في الرأس واليدين وأنحاء أخرى من جسده، حسب تصريحات مسؤولين في العناية المركزة، أما عربة فكان في حالة فقدان كامل للوعي، ومصاب بحروق في ظهره وكسر في يده
ونقل بعد ساعة تقريبا إلى مستشفى ابن رشد إلى جانب المستشارين توجد فتاتان، كوثر ولطيفة، في 16 من عمرهما، كانتا قريبتين من موقع الانفجار، بل وصرحت لنا لطيفة أن الانتحاري الرابع، كان يقف بينهم، شاب طويل أسمر البشرة، ويرتدي جاكيت أسود، ويضع قبعة على رأسه، وأنه كان يشير لهما بعينيه بأن يبتعدا عن المكان، وما إن ابتعدتا عنه قليلا بسبب شكهما في أمره، حتى تفاجأوا بمشاهدته يتجه بسرعة نحو رجال الأمن ويفجر نفسه
لطيفة وكوثر أصيبتا بالإغماء ولم يستفقتا إلا وهما محاطتان بالأطباء والممرضين داخل العناية المركزة
بالطابق الثاني، حيث يوجد رجال الشرطة، الذين أصيبوا في حادث الانفجار الثاني والثالث، أكدوا أنهم لم يحددوا بالضبط كيف جرت عمليتي الانفجار، ففي الوقت الذي ينتظر فيه الجميع ويترقب إلقاء القبض على الانتحاري، يخرج الأول من أحد المنازل وحين يربكه وجود دراجة نارية اعترضت سبيله يسرع خطاه، وقبل أن يتمكن رجال الشرطة من اعتقاله، ينفجر فيهم ويقتل أحدهم ويصيب الباقين الذين نقلوا إلى المستشفى، التصريحات ذاتها قالها رجال الشرطة الذين أصيبوا في الحادث الثاني، وكانوا لا يزالون يتلقون العلاجات وتؤخذ لهم الصور بالأشعة على مناطق مختلفة من أجسادهم، ومنهم من دخل في حالة من الهذيان، وهو يخبر الأطباء أن أشلاء الانتحاري، ألقيت إلى جانبه أو ضربته في رجليه
زيارات المسؤولين
في الغرفة الثانية بالطابق الثاني، كان يوجد مصور صحفي لجريدة العلم، مصاب في يديه ورجله ورأسه، إلى جانب عدد من المصابين، المصور الصحفي محمد عركوبي، أكد أنه شاهد الانتحاري وهو ينسل من بين سكان المنطقة المتجمهرين، مستغلا وجود سيارة الإغاثة »الديبناج« لنقل السيارات المتوقفة بالزنقة، ويتوجه مباشرة نحو رجال الأمن، ثم سمع ذوي انفجار مهول لم يشعر من خلاله بإصابته، إذ استمر في تصوير أشلاء الانتحاري والمصابين
وإلى جانبه انخرط بعض المصابين من النساء والرجال في البكاء ولم يستطيعوا أن يدلوا لنا بشهاداتهم عما عاينوه من شدة الانفجار، وتطاير أشلاء الانتحاري التي أصابت البعض منهم في رجليه
بالغرفة الثالثة التي خصصت لضحايا الاعتداء الانتحاري، كان يوجد فيها ستة شباب في مقتبل العمر مابين 16 و20 سنة، مصابون بجروح في الظهر واليدين والوجه، ومنهم من أصابته الشظايا في عينه أو ساقه أو ذراعه، صرح معظهم لـ "المغربية" بكلمات متقطعة أن هول الصدمة لا زال يؤثر عليهم، وأن الانتحاري كان يوجد بينهم، يرتدي جاكيت سوداء، وأنهم شكوا في أمره لأن بعض أبناء الحي طاردوه أثناء الانفجار الثاني، وأنهم وبمجرد الابتعاد عنه قليلا خرج مهرولا نحو رجال الأمن وانفجر بالقرب منهم
بين المصورين والصحافيين، وعائلات الضحايا التي لم تتمكن من رؤيتهم، كان محمد بيد الله وزير الصحة، يتفقد المصابين، والتف حوله الأطباء والممرضين، وكان يستفسر عن الحالة الصحية لكل واحد منهم على حدة، وطلب من الأطباء إدخال البعض منهم إلى العناية المركزة، وعند انتهائه صرح للصحافيين بأنه يهنئ جميع مصالح الشرطة على يقظتها، ويهنئ أيضا الأطر الطبية بالمستشفى على أدائهم لواجبهم، وأنه جاء لزيارة الضحايا لمواساتهم واتخاذ الإجراءات الضرورية لعلاجهم والسهر على صحتهم، وقال أيضا إن وقع الصدمة شديد جدا خاصة أن الانتحاريين يفاجئون الضحايا ويندسون وسطهم وعبر عن أمله في اعتقالهم جميعا