لم يكن سكان الزنقة 48 بحي الفرح، الواقع بتراب عمالة درب السلطان الفداء، يتوقعون يوما أن حيهم المعروف بسكنيته وهدوئه سيشهد أحداثا إرهابية مروعة، ومطاردات بوليسية شرسة.
لم يشاهدوا مثيلا لها إلا على شاشات التلفزة وقاعات السينما. كان الليل أرخى بسدوله كالعادة على المنطقة، وعاد السكان إلى بيوتهم بعد يوم عمل مضن، للخلود إلى الراحة، لكن الأمور تلك الليلة (ليلة الاثنين الثلاثاء) لم تكن عادية، فسيارة سوداء ظلت ترابط بعين المكان منذ العاشرة صباحا، حسب شهود عيان، واستجوابات لبعض أصحاب المحلات التجارية بالمنطقة، وحركة غير عادية في صفوف المقدمين والشيوخ وأعوان السلطة لجمع أكبر عدد من المعلومات، كلها مؤشرات كانت تنبئ بحدوث شيء ما لم يستطع أحد التكهن به، إلا في حدود الرابعة من صباح يوم الثلاثاء.
خلد سكان الزنقة 48 للنوم كعادتهم، قبل أن يستفيقوا حوالي الساعة الرابعة على إطلاق وابل من الرصاص، ودوي انفجارات قوية، ومطاردة بوليسية، بعد مداهمة البيت 33 الذي يقطن به الانتحاريون الذين قيل إنهم ثلاثة. حاصرت عناصر الأمن، المكونة من "الديستي" وفرقة أمنية خاصة، وعناصر من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية المكان، وانطلقت المطاردة.
انطلقت المطاردة وإطلاق الرصاص، حسب سكان الزنقة 48، حوالي الرابعة صباحا، وكان أول المطاردين، محمد منطالا، الذي يلقب باسم "وردة"، والمبحوث عنه منذ أحداث 16 ماي الإرهابية، وينتمي إلى تنظيم الصراط المستقيم، ويوجد ضمن قائمة 43 التي كانت تبحث عنه مصالح الأمن. كما قادت التحريات إلى أنه متورط في أحداث 11 مارس الإرهابية، التي وقعت بحي سيدي مومن، على اعتبار أنه صديق للانتحاري عبد الفتاح الرايدي.
حاصرت عناصر الأمن منطالة بزقاق على مشارف البيت، الذي اكتروه هناك، وكان يحمل حقيبة رياضية على ظهره، بعد أن أشهر سيفا في وجههم، وبعد أن طلب منه أفراد الشرطة وضع الحقيبة والانبطاح أرضا، لم يرضخ لطلبهم، فانطلق إطلاق الرصاص عليه من مسافة 150 مترا، أصابته رصاصة أولى في كتفه، بعدها جدد رجال الأمن طلبهم له بوضع الحقيبة أرضا، لكنه رماهم في هذا الوقت بقنبلتين صغيرتين تقليديتين، لم تنفجرا مما دفع بعناصر الأمن إلى رميه برصاصة أخرى أصابته في بطنه أوقعته أرضا.
بعدها اقترب رجال الأمن من الانتحاري، وجرت عملية تجريده من حقيبته، التي كان يحاول تملس شيء بداخلها لتفجيره، وعثر بها، حسب مصادر أمنية، على 4 قنابل يدوية تقليدية الصنع وهاتف محمول، بالإضافة إلى إناء بلاستيكي يحتوي على مواد قابلة للانفجار.
الانتحاري منطالة، كان خيطا يمكن أن يكشف العديد من الأسرار، لكنه سيتوفى في طريقه إلى المستشفى، بعد نقله على متن سيارة خاصة، متأثرا بطلقات الرصاص، التي أصيب بها.
تابع مجموعة من سكان الزنقة 48 والأزقة المجاورة عملية المطاردة، واستفاق عدد كبير منهم على دوي الرصاص، إذ سارعت بعض النسوة إلى النوافذ لاستطلاع الأمر، وقالت سيدة تقطن ببيت مجاور للمنزل إن رجال الأمن طلبوا منها الدخول وإغلاق النافذة، فأخبرتهم أن شخصا صعد إلى سطح أحد المنازل المجاورة.
استنفر رجال الأمن قواتهم وطوقوا المكان، فيما استقر الانتحاريان بعد أن قفزا من البيت، الذي يكتريانه بسطح مجاور له مدججين بحقيبتين وسيفين.
استفاق السكان مذعورين والكل يحاول معرفة ما يقع بالمنطقة، وسبب إطلاق وابل من الرصاص، وسرعان ما سرى كالنار في الهشيم بين السكان أن الأمر يتعلق بمطاردة إرهابيين، فتجند الجميع لمساعدة عناصر الأمن في تعقب الإرهابيين الفارين.
تقول لطيفة، التي تقطن بالبيت الذي سيفجر فيه الانتحاري الثاني نفسه، أن شقيقها سمع حركة غير عادية في سطح المنزل، حوالي الرابعة والنصف، فصعد لاستطلاع الأمر خوفا من أن يكون الأمر يتعلق بلصوص حمام، موضحة أنه وجد الانتحاريان هناك يبحثان في حقيبة وأحدهما يثور بقوة، فخاطب الأول، بعد أن حمل عصا ماذا تفعل هنا، فرد عليه لا شيء، ووجه السؤال نفسه للثاني، فصرخ في وجهه وسبه "انزل ولا غادي نتفركع على دين امك".
وأكدت لطيفة أن شقيقها نزل مسرعا من السطح، وفتح الباب لعناصر الأمن لكي تداهم الانتحاريين، لكن سرعان ما سيطلب الانتحاري الذي سيفر هاربا فوق السطوح من المسمى محمد رشيدي تفجير نفسه قائلا "اتفركع عليهم"، فلبى هذا الأخير طلب شريكه وفجر نفسه، حوالي الساعة 4 و45 دقيقة، مخلفا دوي انفجار قوي، تطايرت معه أشلاؤه على مسافة 150 مترا، متناثرة فوق أسطح المنازل المجاورة.
أبرزت مصادر أمنية مسؤولة أنه لحسن الحظ أن الانتحاري الثاني، محمد رشيدي، انفجر في الهواء، مبرزة أنه لو كان انفجر داخل أحد المنازل لكانت انهارت عدة طوابق وخلف ضحايا بشرية، بسبب طبيعة البناء المتهالك بالمنطقة.
وخلف الإنفجار، الذي وقع حوالي الرابعة و45 دقيقة، انقطاع التيار الكهربائي، وفزعا في أوساط السكان ورجال الأمن الذي فروا إلى خارج المنازل، وطلبوا من جميع المواطنين مغادرة بيوتهم، بعد أن خيم على المكان ظلام دامس.
وترجح مصادر أمنية أن يكون الانتحاري الثالث، الذي فر فوق أسطح المنازل، غادر المكان وسط جموع سكان الزنقة 48، الذي خرجوا مذعورين.
ظلت عملية البحث عن الانتحاري متواصلة منذ أن نشرت أشعة الشمس الصباحية خيوطها على المكان، حوالي الساعة السادسة صباحا، وشرع عناصر الأمن في مداهمة مجموعة من المنازل، وتفتيشها بشكل دقيق، بحثا عن الانتحاري الذي أكدت كل المعطيات أنه ظل يتنقل فوق السطوح.
وحضرت في الصباح (الثلاثاء)، عناصر من الشرطة التقنية والعلمية عملوا على جمع عينات من المتفجرات والأشلاء ونقل المواد التي حجزب بالطابق السلفلي الذي كانوا يكترونه، فيما تكلف فريدة بوشتة، رئيسة مركز الطب الشرعي بالدار البيضاء، بجمع الأشلاء المتناثرة، ونقلها إلى المركز من أجل تشريح البعض منها.
وضرب طوق أمني وحصار على الزنقة 48 والزنقة 30 الملاصقة لها، إضافة إلى المنازل المطلة من الجهة الخلفية على شارع أبا شعيب الدكالي، واستمرت عمليات التفتيش بمساعدة المواطنين فوق أسطح المنازل، التي أفرغت من السكان، إلى حدود الساعة الثانية عشر زوالا، في وقت عملت فيه مصالح الوقاية المدنية على غسل الدم والأشلاء المتناثر بالجدران، وجمع البعض منها، كان تطاير على مسافة بعيدة وانتقل إلى مساكن مجاورة.
تمكنت مصالح الأمن بعد عملية تفتيش للطابق السفلي، الذي اكتراه الانتحاريون من حجز حزامين ناسفين وسيوف وأقراص مدمجة وكتب دينية، إلى جانب وحدتين مركزيتين لجهاز كومبيوتر وقواطع كهربائية ومسحوق متفجر.
ونقلت المواد المحجوزة بدقة من طرف عناصر المختبر الوطني للشرطة التقنية والعلمية، من أجل إخضاها للتحليل من أجل تحديد طبيعتها، إذ تشير المعطيات الأولية، أنها مصنوعة من المواد نفسها التي حجزت لدى الإنتحاري عبد الفتاح الرايدي وشركاؤه.
وأفاد مصدر مسؤول أن هذه المواد هي عادية في متناول الجميع، وتباع عند أصحاب العقاقير، موضحا أنه بفعل خلطها مع مواد أخرى وفق تركيبة معينة تصبح قابلة للإنفجار.
وأوضح أنه هذه التركيبة التي تعطي "tatp" وهي مادة شديدة الانفجار، مكونة من أوكسجين بدون ماء، يضاف إليه ميترات الأمونيوم، وأسمدة فلاحية ودوليو وبعض الكريات المعدنية والمسامير.
اكترى محمد رشدي، رفقة زوجته وابنته وشقيق زوجته، حسب إفادة صاحبة البيت، الطابق السفلي بمبلغ 1300 درهم، ودفعوا لها تسبيقا بثلاثة أشهر. وتوسط للانتحاريين شخص يعمل مطالا "طولي" بالحي ذاته، بعد أن قصدوه باحثين عن الكراء. صاحبة البيت المكون من طابقين وسطح، سيدة طاعنة في السن، وزوجها مريض وطريح الفراش، قالت إن الانتحاريين قطنوا البيت منذ حوالي شهرين، وكانوا أناسا عاديين، ولا يثيرون الشكوك، ولا يصدر عنه أي إزعاج أو بلبلة.
وأضافت المرأة، التي خضعت لتحقيقات مكثفة من طرف مصالح الأمن، أنها طلبت من الانتحاري رشيدي البطاقة الوطنية، لكنه ظل يماطل في تسليمها لها، وكان يخبرها أنه يعمل حارسا في إحدى الشركات، وأنه قدم رفقة زوجته وابنته وشقيق زوجته من مدينة بني ملال للعمل هنا.
وأكد جيران البيت رقم 33، أن الانتحاريون كانوا أشخاصا عاديين لا يتكلمون مع أحد، وكانت الزوجة التي تقطن معهم، لا تخرج ولا تخالط أيا من نساء الزنقة، ولا تذهب لحمام الحي، مبرزين أنهم كانوا شباب ما بين 20 و30 سنة، وليست لهم لحي.
عاد الهدوء ليخيم على المنطقة حوالي الساعة الواحدة زوالا، وظلت حشود المواطنين تتابع التطورات خلف المتاريس الحديدية التي نصبت عند مداخل الزنقة 48 و30 والأزقة المجاورة وشارع ابا شعيب الدكالي. واعتقد الجميع أن الإنتحاري الثالث الفار فوق الأسطح هرب، غير أن بعض السكان لم يسلموا بهذا الأمر، حجتهم في ذلك تداخل المساكن بالمنطقة، وأنه بإمكانه الإختباء في أي زقاق أو احتجاز أية رهينة هناك.
في هذا الوقت، غادر المسؤولون الكبار وظل عناصر الشرطة الصغار وأعوان السلطة ورجال الوقاية المدنية بعين المكان يحرسون المنطقة، ويسهرون على تنظيم حركة السير، واعتقد الجميع أن الوضع هدأ وأن الأمور متحكم فيها، وعادت إلى طبيعتها.
كان بعض الصحافيين غادروا كذلك لكتابة مقالاتهم، فيما فضل البعض الآخر كتابتها من موقع الحدث وبعثها عبر الفاكس، وعانى العديد من الحاضرين الجوع طيلة اليوم، بسبب إغلاق المحلات التجاري القريبة من مكان الحادث أبوابها خوفا من أي طارئ أو مستجد.
عند الثانية زوالا سمع دوي انفجار خفيف، قيل إنه رصاصة أطلقت في اتجاه ما، فوق أحد الأسطح، وظل الوضع هادئا، إلى حدود الثالثة بعد الظهر، إذ بدأت فرقة أمنية خاصة، في ارتداء واقيات الرصاص، وشرعت في تفتيش المنازل الكائنة بالزنقة 30، بعد ورود معلومات تفيد أن الانتحاري شوهد هناك.
وكانت المفاجأة والصدمة الكبرى، حوالي الثالثة والنصف، وبالضبط برأس الزنقة 30، حيث كان يرابط مفتش وعميد شرطة وبعض عناصر الأمن يحرسون المكان، ويسهرون على استثباب الأمن، قبل أن يخرج عليهم الانتحاري الثالث من بين حشود المواطنين وينفجر عليهم.
وأكد شهود عيان أن الانتحاري الثالث كان يمر من المكان، قبل أن تربكه دراجة نارية، فيشك في أمره عناصر الأمن، مبرزة أنه في هذه اللحظة ارتمى على مفتش الشرطة، يدعى محمد زنبيبة، وفجر حزاما ناسفا كان يرتديه تحت ملابسه. واستشهد مفتش الشرطة أثناء نقله إلى المستشفى، كما أصيب في التفجير نفسه عميد شرطة يسمى بركات، ومقدم شرطة، يسمى الغزالي، جرى نقلهما على وجه السرعة، على متن هيليكوبتر، إلى المستشفى العسكري بالرباط.
وعلمت "المغربية" من مصادر طبية أن عميد الشرطة أجريت له عملية بتر رجله، التي تضررت بشكل كبير من الانفجار، فيما تضررت أذن مقدم الشرطة بشكل كبير. وساد جو من الهلع في أوساط الحاضرين، وسجل استنفار أمني جديد بالمسدسات، خوفا من خروج انتحاري آخر، وسجلت حالات إغماءات في صفوف النساء من شدة الإنفجار والمنظر المروع للأشلاء المتناثرة، إضافة إلى إصابة طفل صغير في وجهه.
استنفرت جميع قوات الأمن بمختلف أنواعها، وسرعان ما عاد المسؤولون الكبار وبعض الصحافيين إلى عين المكان، بعد انتشار خبر الإنفجار الثاني الذي استهدف عناصر الأمن. وخيم جو من الحزن والأسى على محيى رجال الشرطة والحاضرين، بعد هذا الحادث المؤسف، إذ سرعان ما فهمت الرسالة، التي مفادها أن الانتحاريون يستهدفون عناصر الأمن. وهو الأمر الذي يتبناه تنظيم "القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي"، التي تتطابق أيضا مع الأهداف التي رسمها الانتحاري عبد الفتاح الرايدي لخليته، ومن بينها استهداف مراكز أمن ودرك وثكنة للقوات المساعدة، إضافة إلى اغتيال مسؤولين في الشرطة والدرك والسلطة المحلية.
حوالي الساعة الخامسة مساء (الثلاثاء) حضرت مروحة تابعة للدرك، وبدأت تقوم بعمليات تمشيط لأسطح المنازل التي يعتقد أن الانتحاري الهارب ما زال فوقها، كما حضرت إلى عين المكان تعزيزات أمنية من مختلف الدوائر والمناطق الأمنية. وظلت المروحية "هيليكوبتر" تحلق فوق المنطقة أزيد من نصف ساعة، وتنسق مع الفرق الأمنية التي قامت بعملية مداهمة للمنازل مرة أخرى.
طوقت الزنقتان 48 و38 بالحي المذكور بشكل كامل بحثا عن الانتحاري الرابع، الذي كان ما يزال طليقا، وبدأت فرقة خاصة مدججة بالمسدسات وترتدي واقيات الرصاص، في التنسيق فيما بينها، قبل الشروع في مداهمة المنازل التي اعتقد بأن المشتبه فيه يختبأ فوق أحد أسطحها أو في احدى غرفها.
وبعد تلقيهم التعليمات من رئيسهم المباشر، انطلقت عملية المداهمة من جهة المنازل القريبة من مكان وقوع الانفجار الأول، قبل أن تبدأ المجموعات الأخرى في دخول المساكن الأخرى المطلة على شارع أبي شعيب الدكالي.
استمرت عملية البحث الحثيث عن الإرهابي الفار لأزيد من نصف ساعة فوق أسطح المنازل، بينما ظلت الطائرة المروحية التابعة لدرك الملكي تحلق فوق المنطقة لرصد مكان وجود الانتحاري.
في تلك الأثناء، ظلت أعين الحشود الغفيرة والصحافيين والمسؤوليين الأمنيين والدركيين مسمرة على الأسطح، في محاولة منها لتعقب أي تحرك للإرهابي وإعلام الفرقة الخاصة بمكان وجوده لمساعدتها في عملية البحث.
وبعد تفتيش جميع المنازل التي اشتبه في أن الانتحاري يختبأ في احداها بدأت عناصر من الفرقة الخاصة في التلويح بأيديها في حركة تفيد بأن المكان آمن ولا يوجد فيه أي شخص سواء بالداخل أو فوق الأسطح.
وما إن بدأت علامات الارتياح والطمأنينة تذب في أوصال الحاضرين بعين المكان حتى تحلق عناصر من الفرقة الخاصة حول رئيسهم المباشر مجددا، في حين ظل بعضهم مرابضين فوق أسطح بعض المباني، في انتظار التعليمات الجديدة.
وبعد ذلك "الاجتماع المصغر"، الذي دام لثواني قليلة فقط، شرعت عناصر الفرقة في الاستعداد لتنفيذ عملية تفتيش جديدة، لكن يبدو أنها كانت ستكون على نطاق أوسع هذه المرة، في حين صدرت أوامر بتحريك الحواجز، التي نصبت بمحيط مسرح الأحداث، إلى الوراء بهدف إبعاد الحشود والصحافيين إلى الوراء لأمتار أخرى، تفاديا لإصابة أحدهم خلال عملية المطاردة.
في تلك الأثناء تواصلت التعزيزات لمختلف الأجهزة الأمنية في التوافد على المنطقة التي شهدت إنزالا أمنيا كبيرا لسد جميع المنافذ التي يمكن أن يلجأ إليها الإرهابي للفرار من قضبة عناصر الفرقة الخاصة التي صعبت عليها طريقة بناء هذهى المباني عملية البحث، خصوصا أن بعض الأسطح كانت توجد بها بعض الأكواخ الصغيرة، كما أن المنازل متقاربة فيما بينها، مما يسهل عملية القفز من مبنى إلى آخر.
وفيما بدأت أشعة الضلالة الأولى المشابهة للظلام تنتشر إيذانا بحلول المساء، شوهد توافد شاجنات تابعة لشركة "ليدك" التي سارع عمالها إلى تثبيت المصابيح الكاشفة في الزوايا لكسر عتمة الليل الذي اعتبر أنه سيكون عاملا غير مساعد في عملية البحث، خصوصا أن بعض الأزقة الضيقة تشكو غياب مصابيح الإنارة العمومية.
لم يكن أمام الإرهابيين، الذين كانت تلاحقهم الشرطة بعد تحديد أماكن وجودهم، من خيار آخر سوى أن يفجروا أنفسهم، على أمل أن يحصدوا معهم أرواح ضحايا أبرياء.
وهذا ما سعى إلى تحقيقه الانتحاري الثالث، الذي تبين فيما بعد أنه كان يختبئ في احدى الأزقة المجاورة للمباني التي كانت تختضع للتفتيش، في انتظار "الفجوة" التي يمكنه من خلالها الانقضاض على أحد الأبرياء لاغتياله.
ولم تتح هذه اللحظة للانتحاري إلا في حدود الساعة السابعة مساء، عندما كان مسؤولون أمنييون ودركيون يتداولون السيناريوهات المحتمل اللجوء إليها في عملية البحث عن الإرهابي الفار.
وفيما كان بعض الصحافيين يتحلقون حول مسؤولين أمنيين، من بينهم والي أمن الدار البيضاء أحمد عبروق، آخر تطورات العملية والحالة الصحية للمصابين في الانفجار الثاني، فاجأ الانتحاري الجميع وانسل من بين الحشود عبر الزنقة 44 المطلة على شارع أبي شعيب الدكالي في سرعة جنونية، وهو يتخفى بقطعة قماش حجبت رأية وجهه، قبل أن يعانق مسؤول أمني مرددا "الله أكبر".
فجأة، وفي غفلة من المسؤولين الأمنيين والصحافيين والمواطنين، ذوى انفجار قوي مشكلا كرة لهب كبيرة نشرت الرعب والهلع في وسط الحشود التي ركضت في جميع الاتجاهات، وهي تصرخ مستنجدة برجال الإسعاف لنقل المصابين الذين أدمى الانفجار أجسادهم، في حين تطايرت أشلاء الإرهابي في الشارع، كما التصق بعضها باحدى سيارت الشرطة وتلطخت كل من كان قريبا من موقع الحادث بالدماء.
انتشر الهلع والرعب للحظات في وسط الحشود، غير أن هذا لم يمنع بعض المواطنين من الركض في اتجاه المصابين لتقديم يد المساعدة إليهم، في حين فقد بعضهم السمع للحظات، قبل أن يبدؤوا في ذرف الدموع من شدة وقع الصدمة أفقدت رشد البعض وأصابت البعض الآخر بحالات إغماء.
وفيما كانت سيارات الإسعاف تهم بنقل المصابين، سارع مجموعة من القناصين إلى الصعود لأسطح المباني المجاورة، في محاولة لرصد أي تسلل لانتحاريين جدد اعتقد بأنهم ما زالوا مختبئين في مباني أخرى، خصوصا بعد انتشار إشاعة تفيد بأن اثنين منهم كانوا يحتمون بمبنى في الزنقة التي انطلق منها الانتحاري الرابع.
"تفركع احدانا...خرج من وسطنا"، بهذه العبارات المتقطعة من أفواه تحلبت من شدة الخوف والرعب أعاد من كان قريبا من موقع الحادث تركيب السيناريو خلال سرد تفاصيل حادث التفجير الذي زرع الرعب في نفوس المواطنين الذين قرر عدد منهم الالتصاق بجدران المباني المجاورة تفاديا لتكرار العملية.
تقول سيدة تقطن بالحي "كنت أن وأخي نهم بالنزل من درجاتنا النارية حتى شاهدنا يركض بسرعة كبيرة ويضع قماشا فوق رأسه ويتجه نحو رجال الأمن، قبل أن يعانق أحدهم ويقع الانفجار".
كانت فوضى تعم المكان، غير أن الأمن حاول تفريق الحشود لفسح المجال أمام عناصر الشرطة العلمية التي بدأت في أخذ عينات من الأشلاء وبعض المواد المتناثرة من الحزام الناسف.
وفيما بدأت تناسل حول وجود إرهابيين آخرين في بعض المنازل المجاورة، استمر توافد التعزيزات الأمنية التي سدت جميع مداخل الحي، في انتظار انتهاء الشرطة العلمية من عملها.
وبعد دقائق بعد تنظيف الشارع من الدماء والأشلاء المتطايرة به، قررت السلطات فتح الطريق وتفريق الحشود التي كان يتزايد عددها بشكل كبير.
ورغم هذه الانفجارات الثلاثة، التي هزت البيضاء أول أمس الثلاثاء، إلا أن الخوف لم يتملك السكان الذي يرفضون ممارسات أنصار الحقد الغريبة على الثقافة العريقة للمغرب، وانخرطوا إلى جانب مصالح الأمن في محاربة الإرهاب كما يجسد ذلك الموقف المثالي للمواطن محمد فايز، ابن مالك مقهى الأنترنيت بحي سيدي مومن حيث وقع تفجير11 مارس الماضي.