التضخم المعرفي بالتعليم الأساسي يحول دون التكوين اللغوي السليم

الأربعاء 11 أبريل 2007 - 10:30

كيف يمكن التركيز على اللغة، خلال طور التعليم الأساسي، وكلنا يعلم بالمعايشة اليومية، حالة التضخم المعرفي

التي طالت أطوار التعليم من الابتدائي إلى الثانوي، وأصبح تعلم اللغة المهمة الأساسية، مميعا كليا بين الكثير من المواد التي ثقل كاهل المعلم والتلميذ على السواء

فمثلا، في السنة الخامسة ابتدائي، تدرس أمور لا يمكن إدراك الغاية البيداغوجية والمنهجية منها، من حيث أن أغلبيتها كانت تدرس بالإعدادي أو ما بعد، وتطرح إشكالا حقيقيا حتى للمعلم المطالب بتدريسها، حسب منظور التدريس بالكفايات، فكيف بالتلميذ الذي يجد نفسه قد تفرقت به السبل؟ فعلى التلميذ مثلا، أن يتعلم ضمن النشاط العلمي الذوبان والخلائط، والتكاثر عند الحيوانات، الطبيعة مكونات الغابة، أهم العلاقات المتبادلة بين مكونات الغابة، أهمية الوسط الغابوي، الوسط البيئ، والضوء 1 انتشار الضوء، الظلال، العلبة المظلمة، كيف نحصل على الصور ومميزات الصورة، التوازن، الحركة، التغذية السلوك الغذائي، السلاسل الغذائية، الشبكات الغذائية، التوازن الطبيعي، والضوء2 الضوء الأبيض، تبدد الضوء، تركيب الضوء، الألوان والضوء وألوان الأجسام
مادة الاجتماعيات، يراد تعليم التلميذ الأركيلوجيا ، وتكوين ملف حول معلمة في البيئة المحلية للمتعلم، التعبير الخرائطي، المقاييس المختلفة، الطبوغرافيا، خطوط التسوية مع الاستئناس بخريطة طوبوغرافية، المناخ، وصف المجال الحضري والريفي تعلم مبادئ التعبير الكارطوغرافي، رسم خريطة، التعامل بمقياسين مختلفين، كيف أعد وأقدم ملفا، الديمقراطية المحلية، كيف أخطط وأنجز مشروعا لفائدة الجماعة التي أنتمي إليها

وفي مادة الرياضيات، التناسبية والسلم والسرعة وإزاحة الأشكال وقياس السرعة إنه تضخم معرفي هائل يطرح مشاكل جمة للمدرس، فكيف بالتلميذ؟
ومما تجدر الإشارة إليه، أن التطرق لهذه الأمور على صعوبتها، عبارة عن رؤوس أقلام، فهي كالسراب لاتزيد الظمآن إلا عطشا، كما أن هناك مفاهيم علمية مغلوطة، فيما سبق ذكرها، وفي التراكيب في اللغة العربية كمثال، »تمتص الأشجار الدخان ليلا«، فالأشجار لا تمتص الدخان وليس ثاني أكسيد الكاربون، وليس ليلا ، ولكن نهارا، وشتان بين الحقائق العلمية ونقائضها

كان هذا على سبيل المثال لا الحصر، لإعطاء صورة عن التضخم المعرفي في القسم الخامس للتعليم الأساسي، إنها التخمة المعرفية التي تفضي إلى التقرح المعرفي، وهو الشيء الذي ينهك العقل والفكر والتفكير، فماذا تبقى إذن بعد كل هذا، لتعلم ما يجب تعلمه من اللغتين المقررتين، العربية والفرنسية أو غيرهما؟

إن كثيرا من المحاور والمفاهيم ليس للمعلم أية دراية بها، فكيف له إذن تدريسها وإجباره على تبليغها، كيف للمعلم أولا وللتلميذ ثانيا، استساغة التعبير الكارطوغرافي وتصور خطوط التسوية، وما إلى ذلك، تصورا سليما وهي أمور يصعب استيعابها حتى من طرف الطلبة في الجماعة ولا يتمكن من تفهيم هذه الأمور بطريقة سليمة إلا المختصون في الجيولوجيا البنيوية والكارطوغرافيا

إذن، فالنتيجة هي إغراق التلميذ في أمور لا يستسيغها وإن استوعب شيئا، فإنها عبارة عن مفاهيم مغلوطة تخلق في عقله تصورات مشوهة يصعب تقويمها فيما بعد وتخلق عنده أزمة ثقة خطيرة فيما يتلقاه وفي المعلم نفسه، مما يؤدي به إلى عدم إعارة ولو أدنى اهتمام للعملية التعليمية برمتها، ونتباكى بعد كل هذا على ما نلاحظه من نفور التلاميذ من كل ما يمس التعليم بصلة

فكم من مرات نسمع التلاميذ في الابتدائي يرددون أن المعلم لم يشرح لنا هذا الدرس، كما أن الوقت الثمين الذي كان من الواجب استثماره في تعلم الأمور الأساسية كتحصين الأساس اللغوي، جرى هدره فيما يشتت الفكر والطاقة والعزائم
وعلى ذكر »خطوط التسوية«، والترجمة الصحيحة هي »منحنيات التسوية«، فإنه من المؤلم جدا، أن يضطر المعلم المسكين، أن يقول كل ما قد يخطر بباله من »توهمات«، ليجيب عن الأسئلة المحرجة للتلاميذ الذين من حقهم أن يفهموا، ويجيب المعلم وليس لأحد أن يحمله أية مسؤولية، بل يتحملها من أوصل التعليم إلى هذا الحد

إن خطوط التسوية، هي كأن نأخذ الجبل مثلا ونضغط عليه حتى يتسطح، وأن خط التسوية الداخلي يمثل قمة هذا الأخير

كيف يعقل أن نبيح لأنفسنا خلق هذه الظروف التي تنتقص كليا من شأن المعلم، جندي الميدان الأول الذي من المفروض أن يرى فيه الطفل التلميذ، صمام الأمان والقدوة في كل شيء، وتجعله يحس بالمهانة وتعمل على التشويه والإعاقة المزمنة لفكر وتفكير التلميذ؟

وليس هذا المعلم إلا مثالا من بين الآلاف من أمثاله ومن أمثال الأساتذة بالتعليم الإعدادي والثانوي الذين غرقوا في بحار من التضخم المعرفي لا طاقة لهم بالسباحة فيها دونما معين محترف




تابعونا على فيسبوك