الجزيرة

الانحدار في ثقافة الاحتضار

الثلاثاء 10 أبريل 2007 - 09:24

في علم الاقتصاد، إن من يبدأ في استهلاك رأسماله لن يجد غدا ما يستثمره، وفي الإعلام كذلك فإن الحفاظ على المصداقية والموضوعية والحياد هو سر التواصل الدائم بين المؤسسة الإعلامية والجمهور، وأي إخلال بشروط هذا التعاقد المعنوي يفقد العملية الإعلامية سلطتها الاعت

يوم تأسست قناة الجزيرة منذ أكثر من عشر سنوات التقت اهتمامات القيمين عليها مع رغبات الجمهور العربي الذي كان يسعى إلى التخلص من وصاية القنوات الأجنبية التي لا تعير اهتماما لقضاياه الحيوية، وبرز نتيجة، لذلك، تواصل غير مسبوق بين أجزاء الوطن العربي في مشرقه ومغربه، وبات في مقدور الرأي العام العربي أن يتفاعل مع الأحداث التي تقع في أي جزء من العالم العربي.

إلا أن هذا المكسب الذي كان يتعين الحفاظ عليه وتطويره، عبر الانفتاح على كل مكونات المجتمعات العربية وقواها السياسية وتياراتها الفكرية وطاقاتها الإبداعية على نحو يعكس مظاهر التعددية واختلاف الرؤى، استبدلته قناة الجزيرة بوضع نظارات من صناعة إسلامية معلبة تنظر من خلالها إلى ما يحدث في العالم العربي بانتقائية لا مكان فيها للشعار الذي ترفعه حول إفساح المجال للرأي والرأي الآخر.

وتحولت القناة من مؤسسة إعلامية ينحصر دورها في نقل الحقائق والأحداث إلى خصم سياسي لكل من لا يشارك القيمين عليها قناعاتهم الحماسية.

وللقارئ الكريم أن يربط الكلمة بـ "حماس" المنظمة أو بالحماس الزائد للمحاكم الإسلامية في الصومال إلى غيرها من المواقف غير المهنية وغير الموضوعية.

منطلق الغيرة على سمعة القناة وعدم سقوطها في المزالق التي تدفع إلى النفور من الخطاب الموجه والجاهز هو ما يدفعنا إلى الاحتراس من الأخطاء المهنية التي تتحول من كثرة تكرارها إلى خطايا سياسية.

فمنذ اليوم الأول الذي شرعت فيه الفضائية القطرية في بث نشرتها المغاربية من الرباط بدا وكأن هذا الاختيار يسبب لها حرجا لا يوجد سوى في مظنة الذين يقدرون للمغرب انفتاحه الإعلامي الذي هو جزء من الخيار الديمقراطي الذي ارتضاه في التداول على السلطة دون أي مركب نقص، وكان رد الجزيرة أنها وضعت إقليم الصحراء المغربية بلون مختلف عن خريطة الأجزاء الشمالية ورسمت حدودا وهمية للإيحاء بشيء يوجد في مخيلة واضعي تلك الخريطة وكان يكفي العودة إلى الوقائع التاريخية التي تحيل على أن تلك الحدود الوهمية وضعت عندما كانت الصحراء مستعمرة إسبانية.

ولم ينتظر المغاربة أن تنبت "الجزيرة" في صحراء قطر لتساعدهم في تحرير جزء من الوطن يكون من الإنصاف أن وفدا من دولة قطر الشقيقة شارك المتطوعين المغاربة في المسيرة الخضراء إلى جانب وفود دول عربية وإفريقية وأجنبية.

ومادام الشيء بالشيء يذكر فإن نشرة الرباط لقناة الجزيرة اختارت ألا يكون هناك حدث يتعلق بجبهة بوليساريو مهما كانت نوعيته إلا ويجد صداه عند معدي تلك النشرة
وفيما تجاهلت تحركات الوفود المغربية رفيعة المستوى إلى مختلف العواصم الدولية لعرض مبادرة الحكم الذاتي جاء إصرارها على متابعة نشاط محدود لعضو في بوليساريو في لندن ليفضح الطابع المتحيز للقناة التي لم تعود مشاهديها على هذا النوع من الأخبار لكنها تخرق التقاليد المهنية كلما تعلق الأمر بوفد جزائري لايضم أكثر من نائبين في المجلس الوطني أو عضو واحد في بوليساريو يفتقد أية تمثيلية شرعية.

نحن في المغرب لايغيضنا الكلام عن بوليساريو لأننا نعتبرهم أبناء ضالين سيعودون يوما إلى رشدهم.

لكن هل فكرت الجزيرة أن تصبح يوما عنصرا جامعا لايحرض على التفرقة والتجزئة التي ابتلى بها العالم العربي.

والأدهى من ذلك أنها سعت إلى الربط بين أعمال القمة العربية الأخيرة في الرياض والموقف من قضية الصحراء.

ولو كان معد نشرتها المغاربية يتوفر على ذاكرة تضع الأحداث في سياقها لأدرك أن المغرب كان أشد حرصا على ألا يزيد في أعباء الدول العربية.

وكان الاتفاق على عدم إدراج القضية في أي من جداول أعمال القمم العربية
وأي جهل مركب هذا الذي يدفع إلى البحث عن الإثارة لمجرد الإثارة، وأي رسالة إعلامية تريد الجزيرة إبلاغها من خلال تبني الدفاع عن الانفصال والتجزئة وإغراق العالم العربي في نزعات البلقنة وانعدام الاستقرار .

في نشرتها الاقتصادية قبل بضعة أيام وجهت الجزيرة سهام الانتقاد إلى المغرب واعتمدت هذه المرة على صورة انتقائية لأسرة معوزة ولم يكن في الأمر ما يدعو إلى الاستغراب.

فالمغرب من أعلى درجات المسؤولية إلى أدناها يعترف أنه يعاني من الفقر وأنه يحاربه قدر المستطاع بعزيمة وإرادة قويتين، وهو لايخفي هذا الواقع.

لكن هل من الموضوعية الاستدلال على نسبة النمو في أي بلد في العالم من خلال التركيز على أوضاع أسرة فقيرة .

أليست الولايات المتحدة الأميركية القوة الاقتصادية المتفردة في العالم تعاني انعدام الأمن وتفشي الجريمة.

وما هو السر في التركيز على بلدان عربية مثل المغرب ومصر والسودان من دون غيرها في قتامة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية؟ وهل اهتمت الجزيرة يوما بأوضاع بؤساء الجزائر بلد النفط والغاز الذي يقتات فيه الناس من المزابل ولولا أن مسؤولا موريتانيا استضافته نشرة المغرب العربي صحح معطيات معد نشرات الرباط حول توقعات البنك العالمي حيال نسبة النمو في موريتانيا لتحولت الأرقام المقتبسة من توقعات التقارير إلى حقائق.

بما يعني غياب الدقة في نقص المعلومات المهنية.

ولم يكن غريبا على نشرة الرباط الباحثة عن الإثارة أن تقدم ورقة بلا توقيع وبلا مرجعية للدلالة على أن عمدة مراكش وقع اتفاقا وهميا مع عمدة مدينة في إسرائيل.

مما حذا بالمسؤول المغربي إلى مراجعة مستشاريه القانونيين لرفع دعوى قضائية ضد المؤسسة الإعلامية التي أصبح معد نشرتها في الرباط يحترف النصب والقذف لإرضاء نزوات كانت قناة الجزيرة أبعد عن السقوط فيها.

وليس أصعب على مؤسسة إعلامية كانت تجلب التقدير والإعجاب أن تثير الغيورين على مستقبلها كما اختارت في البداية أن ترفع لواء الدفاع عن الحرية والرأي الآخر.

قد يكون تكون لدى المسؤولين في المؤسسات التي تراعي صيانة حق الرأي العام في المعرفة وعدم حجب الحقائق قناعات حول الخط التحريري الذي يلتزم به مكتب الجزيرة في الرباط.

لكن هذه القناعات مهما كانت( ) ومخالفة للقوانين سارية المفعول فإنه ليس من المصلحة منح الآخرين ذرائع حول مسار التوجه العام للبلاد القائم على احترام التعددية وتعزيز مكاسب الحرية، والمثل المغربي يقول : لا تدع محتضرا يموت في عنقك
وبعض الأخطاء لا يكون مصدرها الخيار وإنما ثقافة الأشرار .




تابعونا على فيسبوك